(الجزء الأول): معزوفة رومانسية على أوتار نفسية
منذ فترة طويلة وأنا أفكّر في الكتابة عن فيلم «يوم من عمري» لتعلقي الشديد به، ولكنني كنت لا أعرف ماذا أكتب، وفي أي اتجاه سأنحو، ومن أية زاوية سأبدأ؟ لذلك كنت أتوقف في كل مرة أشرع فيها للكتابة؛ لأنني لم أجد بعدُ أفكاراً مقنعةً توازي إيماني الشديد وإلحاحي المستمر في الكتابة عنه. ولكن، ما من فترة تمر إلا وتحلّق روحي مجدداً في أجواء هذا الفيلم وتجوب آفاقه، في محاولة دؤوبة لتمكين إرادة الكتابة عندي من التعبير عما يحتويني تجاهه ويكون ذا قيمة، بيد أن الكلمات كانت تتوه مني مرة تلو الأخرى، وأتلعثم في سرد مفردات أفكاري. وكم عانيت أشد المعاناة في استعراض أفكار شتى كنت أُمني نفسي بها، لعلها تصادف ما أريد؛ فهل سأكتب عنه توثيقاً، أم وصفاً، أم تأريخاً، أم مقارنة بغيره من الأفلام التي تناولت القصة ذاتها، مستعيناً بأرشفة هذا العمل وكل الأفلام التي نسجت على غراره محلياً وعالمياً؟ وبالفعل، أخذت في البحث وجمع المعلومات الكافية في كل ما يتعلق بكواليس فيلم «يوم من عمري»، ومشاهدة الأفلام التي تناولت الحبكة نفسها لأتعرف إليها أكثر، علّها تفيدني في رصد المفارقات بينها.وامتدت دائرة بحثي حتى وصلت إلى جذور الفكرة، عندما التقط الكاتب سيف الدين شوكت الخيط عام 1959 من قصة الفيلم الأمريكي الشهير «حدث ذات ليلة» (It Happened One Night) للمخرج وليم وايلر، وصاغها في سيناريو، وكتب له الحوار بالاشتراك مع يوسف جوهر. ووجدت أنه بالرغم من أن القصة في مجملها قد استُهلكت، إلا أنها في «يوم من عمري» حظيت بمعالجة دقيقة، وبحوار مختلف، وبتركيز أعمق؛ إذ كانت معظم أحداثها تدور في يومين وليلة واحدة، لذا جاء إيقاعها سريعاً، متخماً بالمواقف، ومليئاً بالأحداث، على غير نمط الأفلام الأخرى التي عايشت المحتوى نفسه لكنها خلت من عوامل الجذب أو التشويق.من هنا عدت لتوّي بعد أن أيقنت أنه لا طائل ولا جدوى من تكرار ما كتبه غيري عن هذا الفيلم؛ فما وجدت جديداً يُذكر أستاق منه ما يعينني على بلوغ مقصدي، وصياغة دوافعي التي أقدم من خلالها رؤيتي الخاصة لعمل كان يشدني كلما رأيته؛ فتوثيقه لم يكن بغيتي، والكتابة عن كواليسه وملابسات تصويره ليست ما يدور في خلدي. وفى النهاية، توقفت الفكرة بعد أن أصابني الإحباط وأخذتني الحيرة كالعادة، فتركت قلمي، واحتسيت قهوتي، وأعرضت عن الكتابة كأني أتناسى الأمر كلياً.حتى جاء طيفٌ جثم على قلبي وعقلي معاً، ورافقني في رحلة واسعة النطاق للبحث عن هوية مكنون الكتابة، وظل يحثني ويلحّ بهمساته في أذني مؤكداً أن الفكرة الملحة لا زالت موجودة والهدف واضح، ولكنني لم أضع يدي بعدُ على ترتيب أفكاري ومكنونات أغواري؛ وإلا، فما معنى اختناق الدموع بعيني في كل مرة أشاهد فيها «يوم من عمري»، لاسيما عند بلوغ الخاتمة؟هذا الإصرار البالغ الذي احتواه طيفي هو الباعث الذي جعلني أهتدي –بعد مرور سنوات– إلى أن فكرة الكتابة عن الفيلم لم تأتِ من فراغ ولا مصادفة، بل لها أسبابها ودواعيها. وعرفتُ حينها لماذا وكيف يأتيني هذا الطيف ومغزى توقيته، وكيف كان لإلحاحي فحواه ومعناه؛ إذ كانت المغامرة مقصودة لأمرين اثنين:أولهما: روعة المعالجة الموضوعية في قصته رغم استهلاك فكرتها تماماً في أفلام عدة سبقت أحداثه، إلا أن الرؤية اختلفت كلياً عندما صادفت وجود عبد الحليم حافظ بموهبته الفطرية، وذكائه الفني الفطن، ورومانسيته الحالمة الرقيقة. فكُتبت له في قالب رومانسي إنساني، ركّز على مبدأ الأخلاقيات المتوافقة مع سماته الشخصية المنحازة بفطرتها نحو المبادئ والقيم والمُثل العليا، وهو ما كان يتحلى به المصريون في ذلك الوقت بمطلع الستينات، واتسامهم بالشيم والشهامة وهم يعيشون أجواء بدايات ثورة الثالث والعشرين من يوليو بمكتسباتها وإيجابياتها. فكان من الطبيعي أن تكون قصة الفيلم مشوقة ومحكمة للغاية، وبرغم الاقتباس فإن تمصيرها تمّ بعناية فائقة. لذلك كان وسيظل «يوم من عمري» هو الأفضل على الإطلاق، بل وتزداد قيمته كلما تقادمت به السنوات التي طوت أعمار كل من عمل فيه تقريباً، وسيطول أجيالاً كثيرة متربعاً بلا منازع فوق قمة عرش كلاسيكيات الأفلام الرومانسية، ليس في مصر فحسب وإنما في العالم العربي كله؛ بآراء النقاد والجمهور وشباك التذاكر وعبد الحليم حافظ . وثانيهما – وهو الأهم –: وجود روابط نفسية ووجدانية تمثل عندي رؤية وحالة لها انعكاسات تنحو منحى شخصياً، يرتقي بواقعية التعبير عن إحساساتي في استشراف عوالم خاصة. ورغم أنها رؤية فنية تعالج واقعاً اجتماعياً تم تناوله في أعمال كثيرة، إلا أن إحساسي بها في هذا الفيلم تحديداً هو الذي اختلف؛ حيث ارتفعت بها من الرؤية العامة إلى عالمي الخاص، ومن مجرد مشاهدة لفيلم إلى ارتباط وجداني ونفسي كوّن بداخلي هذا الشعور الفريد. سأروي القصة كما هي بداخلي، ومن خلال تجربة لا تبتعد عن كونها تحديقاً بنظرة معينة للحياة، تؤمن لي ازدواجية المقصد ما بين إخفاء هذا الإحساس وإظهاره. إنها نافذتي الخاصة التي أصنع منها واقعاً جديداً نابعاً من بنية تخيلاتي الفكرية المركبة، الناتجة من طاقة شمس متولدة من عطاءات الربيع، تبث عبيرها السارح طوال ساعات النهار، حتى إذا ما انزوت مع وقت الغسق، تركت لمسائه الهادئ سحر نسمات الليل التي تهب عبر أريجه المتدفق، فيحيل الكون كله إلى كرنفال؛ إنها هبة الطبيعة للنفس التواقة الحالمة. إنني هنا أريد أن أُطلع سطوري على أسرارها، بمعنى أنني أريد الغور في المعاني الغائبة، المضمورة بداخلي والكامنة في نفسي، من أجل إظهار أثرها في تفسيري للمعانى الواضحة المباشرة ذهنياً، لكي أجعل اللامرئي مرئياً، ولكن برؤية جديدة وبشكل مختلف يحمل بصمتي الخاصة. لذلك، فإنني سوف أغامر في وصفي لهذا الفيلم عند عرض فكري عنه إلى أبعد حد، مغامرة لا تعرف الثبات ولا تتحدد بشكل نمطي، ودون اللجوء إلى أية كتابات نقدية أو توثيقية أو تأريخية عابرة عنه. فلا جدوى من عقد المفارقات والمقارنات بينه وبين المقتبس منه، أو البحث في مدى محاكاته للأفلام المصرية الأخرى التي تناولت القصة نفسها، سواء في الأهداف أو المعاني الإنسانية الإجمالية؛ لأن رؤيتي قد تكون مغايرة لرؤية الآخرين، وذلك من أجل إظهار الأثر النفسي الجمالي الذي أشعر به ولا أستطيع أن أصفه للغير، أو أصفه ولا يستوعبه الغير. إذن، لن أمنع نفسي من شرف المحاولة، فلا يوجد حائل يحول دون أن أحاول؛ فحياة أي إنسان ما هي إلا محاولة مستمرة لأن يحقق الصورة الكامنة في رأسه، وما أكثر الصور التي في رأسي! ورغم صعوبة ترتيبها ونقلها إلى رؤوس الآخرين، إلا أنها متعة ما بعدها متعة عندما تتشابه الصور، أو تتطابق التي في رأسي بتلك التي استقرت في رؤوس الآخرين .
وإلى لقاء فى الجزء الثانى

