music

الاثنين، 13 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى (الجزء الأول)



 


مقدمة

فى الدنيا مسارات كثيرة تتشابك فيها حياة البشر بشكل يبدو لنا أنها فوضوية ولكن فى علم الله منظمة غاية فى التنظيم ومبررة فى شكل علاقات إنسانية منطقية لاتخرج عن الواقع الذى نعيشه بحلوه ومره . ومن قلب الحياة ستجد حكايات وروايات وقصصا كثيرة يبدو بعضها طبيعيا والبعض الأخر مثيرا قد لايقبلها العقل بسهولة ولكنها تدعونا للتأمل ، وفى قصص الحب الكثير منها مايدعو للعجب .. إنها الحياة التى لاحيلة لنا فيها .                                           

كان فيه زمان قلبين .. الحب تالتهم  .. فردوا الهوا جناحين .. والدنيا ساعتهم .. ضحكت لهم يومين .. وفى ليلة خانتهم ..  اتفرقوا الاثنين .. فى عز فرحتهم ..ليه وعشان إيه .. كل ده    يجرى  ليه .. ليه         

هذه الغنوة غناها عبد الحليم حافظ فى فيلم دليلة ، من كلمات الشاعر الكبير حسين السيد ولحن الموسيقار القدير محمد الموجى ، وهذا الكوبلية الأول تحديدا فيها ملخص للحكاية التى كتبتها، طب إيه هى الحكاية؟! .. تعالوا نشوف مع بعض إيه هى الحكاية .....    

                                                                                                               

الجزء الأول

كان لعصام سحرلا يقاوم منذ نعومة أظفاره ، ولكنه في نفس الوقت هذا السحر دمره وجعل حياته لاتسير وفق إرادته ، ربما لطبيعتها المضطربة التى شب عليها .. فحياته كانت منغلقة جعلته عازفا تماماعن التعامل مع الناس وخاصة فى تعاملاته مع الفتيات ، فهناك ثمة شيئ جعلته يعرض عن التعامل معهن وخاصة ممن تصادف منهن فى حياته ، حتى أضحي لايعرف منهن من تتحلى بالثقة الزائدة أومنهن من تتوق الى شغف أو منهن من تسعى لاستعاده احساسها بذاتها ، خط رفيع جدا يفصل بينهن فى هذه الخصال لم يميزها ولايستطيع رغم أنه كان يتمتع بثقة ونضج يتجاوزان سنوات عمره بفضل طوله الفارع الممشوق الذي بلغ  وقتها ستة أقدام تقريبا مما جعل ماحوله يشعرون أنه أكبر من سنه، حيث كان دائما ملفتا للأنظار أينما ذهب، لكن الأمر لم يكن يتعلق بمظهره فقط ، فقد كان يمتلك شخصية مغناطيسية فيها من الجاذبية والفتنة بريقا جعلت كل من يصادفه فى حياته يشعر بأن حضوره مميزا رغم انطوائيته الشديدة . نشأ على يد أمه التي كانت تمتلك شخصية فطنة قوية .. متزنة تعرف قدر نفسها وتعلم جيدا بما تملكه من ملكات لاتتمتعن به الكثيرات من أقرانها اللاتى فى مثل سنها ، كانت من أعظم هذه الملكات مهارة قراءة الناس وفهم اغوارهم بمنتهى البساطة والسلاسة قبل أن يدركوها هم بأنفسهم .. إنها فطنة مابعدها فطنة ، كانت هذه المهاره تخدمها جيدا في تعاملها مع الناس وفى كل حياتها اليومية ، كما كانت تخدم كل من حولها .. ليس فقط أسرتها بل والديها وإخواتها وأقاربها وجيرانها فكانت كثيرة السخاء مع الكل . إنها أرادت أن تضفى على شخصية ابنها مما وهبها الله من نِعم .. الحضور الطاغى .. والثقة العالية بالنفس .. والتمتع بالشخصية القوية .. والقدرة على اتخاذ القرار.. وكيفية التعرف إلى الأخرين .. وتحدي المشاكل .. والعيش بإيجابية ، والتخلص من أى شيئ يعوق مسيرة حياته ، إنها أرادت ذلك ولكن لم يتحقق من كل هذا إلا حضوره المميز .. واتزان شخصيته .. وأدبه الجم ، ودماثة الخلق ، وذلك لافتقاره الدائم إليها واعتماده فى كل أموره الكلية عليها ، حتى أصبحت بالنسبة له الشخصية المحورية فى حياته والتى ساعدت فى تشكيل وجدانه حتى أضحت بالنسبة له كل دنياه منذ أن كان طفلا صغيرا فى الحضانة وحتى بعد تخرجه من المدرسة الثانوية ثم تخرجه من الجامعة ، إذ لم يكن متحمسا للبدء بمفرده فى أى مرحلة من هذه المراحل ، فهى التى كانت تضع له الخطوط العريضة فى تحديد أسلوب ومنطق حياته حتى فى أدق أدق التفاصيل .. اختيار ملابسه الذى كانت تملك فيه ذوقا رفيعا .. أكله وشربه ووقت نومه وصحوه ، أما خططه المستقبلية رغم أنه كان يراها خططا غامضة ولكنه كان راضيا مستسلما في حينها ، بل كان راضيا تمام الرضا بالاستمتاع بمن يخطط لحياته ويخاف عليه ويحبه حبا حقيقيا صادقا ويتمنى أن يراه فى أبهى وأحسن صورة .. إنها الأم ، المرأة الوحيدة التى لا ترى عينه غيرها فهى بالنسبة له أفضل سيدة فى الوجود ، فلايعرف فى هذه الدنيا سواها ، ولكن لم يكن يعلم بأن هناك متسعا من الحرية التى قد يكتشفها يوما ما إذ تجاوز ذلك الأمر وترك لنفسه العنان لمتابعة مايدور حوله نهما ولو لفرصة واحدة حتى يتعرف على عالم المرأة والدخول فى مسار حياتها ، من المؤكد أنه سيكتشف الكثير والكثير وسيزال عنه هالات الغموض التى تكتنفه تجاه هذا العالم المتنوع فى صفات شخوصهن المتباينة أشد التباين . ولكن كيف سيخلص يوما من خجله؟! ، إن هذا الأمر يعد من المستحيلات ، لذلك لم تجد الفتيات اعذارا مقبولة لهذا الخجل الشديد غير المبرر حتى جاء إعجابهن به على مضض وذلك لوجود جاذبية خاصة فى تركيبة شخصيته التى كان يتحلى بها .. والجاذبية هنا ليست متعلقة بالشكل بقدر ماكانت متعلقة بالطبع وحسن التربية التى كان لايمتلك غيرهما ، فكان هذا عنوانا لمعظم تعاملاته مع من حوله من فتيات ، لايوجد مجال لكلام بل يكتفى بابتسامة رقيقة لايملك سواها .. ابتسامة بلامحادثات ، رغم أن الصمت أحيانا يحمل قوة أوجاذبية أكثر لاتقل عن الكلام ، لكن فى عالم المراهقة رغم بساطته الظاهرة ومشاعره الصادقة لايستطيع الوصول لهذا المفهوم العميق الذى يبنى على فهم الحياة أكثر من خلال معايشة تجاربها ، فللصمت والخجل لغة خفية لايفهمها إلا من يحسن الإصغاء ويقرأ قراءة جيدة للطرف الأخر ، ولكن فى مثل هذه السن لايمكن استيعاب ذلك كله بسهولة لحداثته ولعدم اكتمال الرؤية ، إلا أنه قد تنشأ أحيانا نوع من العلاقات حين يخرج الآخرون عن الأدوار المتوقعة منهم تتهيأ معها مشاعرهم فى علاقة أصدق من يقال عنها إنها عفوية لاتستطيع أن تجد لها مسمى ولامسارا ، ومنها علاقات كثيرة نجدها عند شباب المراهقين لظروف تربيتهم المتفتحة التى أتاحت لهم ذلك ، فانعكست على رؤيتهم للحب والحياة . عصام لم يكن من بين هؤلاء ، إذ أنه لايستطيع أن يجازف ويصنع لنفسه فرصة يبدأ بها مبادلة حديث مع أى فتاة ، لذلك جاء لقاؤه مع بنت الجيران أشبه بالمعجزة أو من قبيل الصدفة ، لم يلفت نظره يوما أنهن اللاتى يبدأن بمحاولات التحدث معه على غير العادة المتعارف عليها فى عالم الحب وخاصة عند المراهقين ولم يكترث لذلك ، هن من يبدأن بالمحاولة ، فكانت أول محاولة فى حياته ميرفت فتاة فلسطينية فى مقتبل العمر .. عمر الزهور .. جميلة أشد الجمال .. أنيقة أكثر أناقة .. جمالها يسحر العيون .. شقراء البشرة ، زرقاء العينين واسعتهما ، ذات أهداب طويلة تعكس ظلا ظليلا على خديها الموردتين دائما ، قوامها فاتنا ، وشعرها أشقر ذهبى .. قصير وناعم . لفتت نظره بشدة بعد أن رآها أكثر من مرة وهى تمر من أمامه فى الشارع مصادفة ، فأعجب بها أشد مايكون الأعجاب . وراح يسأل عنها القاصى والدانى حتى وعى عنها كل شيئ .. علِم أنها جاءت مع أمها الست نزيهة فى أعقاب حرب 1967 ليستوطنوا فى مصر بعد احتلال اسرائيل لبعض الأراضى العربية فى مصر وسوريا وأرض غزة فى فلسطين التى كانت تحت القيادة المصرية آنذاك قبل حرب 1967 . الست نزيهة أو مدام صفا كما كانت تحب أن ينادوها به . استأجرت شقة فى العمارة الوحيدة التى كانت جديدة فى ذلك الوقت من بين الأبنية القديمة فى شارع الشيخ القويسنى بحى الظاهر .. كانت تبعد عن العمارة التى كان يقطنها عصام بعمارتين ، عملت فى حرفة الحياكة ، تميزت بمهارتها الهائلة فى حياكة ملابس النساء وخاصة الفساتين ، فكانت تعمل ساعات طوال منكفئة على ماكينة الحياكة التى عملت عليها منذ أن وطأت قدماها أرض القاهرة كى تعينها على سبل الحياة الجديدة التى فرضت عليها فرضا بسبب هذا الإحتلال الغاشم على أرض غزة ، لم تكن لتظن أن هذا كله سيحدث وأنها ستترك الديار التى طالما عشقتها عشقا لاحدود له ، وتترك بسبب ذلك العشيرة والأهل والوطن حيث كانت من أسرة عريقة ميسورة الحال . نزحت هى وابنتها فقط وتركت بقية الأسرة الزوج والولدين ، والأن وهى فى الغربة أصبحت مضطرة للعمل لتنفق على نفسها وعلى ابنتها الوحيدة ..  تبدو سيدة هادئة هدوءا عجيبا أميل إلى الصمت معظم الوقت .. ساهمة واجمة لاتحب أن تسترسل فى الكلام مع أحد ، تعامل زبائنها بالقطارة ، ورغم ذلك استطاعت فى وقت وجيز أن تستحوذ على معرفة جميع السيدات فى الشارع وتتعامل معهن لمهارتها فى الحياكة ، وكانت هى تفخر بهذا . تقضى يومها منكبة على ماكينتها ساعات طوال .. تمكث دون أن تحرك بنت شفة أو ترفع رأسها من على المنضدة التى أحكمت جلستها فى مكان واحد لاتبرحه معظم الوقت ، وبجوارها أباجورة صغيرة ترسل ضوءها كله على ماكينة الحياكة إلا من منسرب لضوء شارد هادئ ينعكس على وجهها الأبيض الذى مازال يحمل مسحة من جمال فطرى المعروف عن جمال الشاميات ، لم يؤثر فيه بعض التجعيدات ولاالشعر المائل إلى اللون الرمادى الأقرب منه للسواد ، مما تجعلك كما لو تود أن تعود بها إلى الماضى لتتخيل كيف كان يحمل هذا الوجه فى سن الشباب من عنفوان الجمال والفتنة ، هذا الجمال الفطرى للسيدة نزيهة انتقل بمجمله إلى ابنتها ميرفت بجمالها الرائع الساحر . استقوت مع الوقت بعملها الذى كانت تحبه وتجيده والذى هون عليها غربتها ، وهذا كان دافعا مهما أن تعلم ابنتها مبكرا الاعتماد على نفسها ، فكانت ميرفت تساعد أمها ، وأحيانا كانت تتولى التعامل بنفسها مع زبائهن بدلا منها رغم حداثة سنها ، فتعلمت ميرفت مهارة قراءة الناس ومعرفة احتياجاتهن وفهم أذواقهن ورغباتهن بما يتناسب مع أجسادهن من موضات حديثة وهى فى هذه السن المبكرة ، فضلا عما كانت تخترعه أمها من لمسات ساحرة فى خلق موضة غير التى كانت تحتويه الكتالوجات الحديثة أنذاك ، فكانت مصدر جذب للزبائن اللاتى تزايد عددهن يوما بعد يوم ، فاستطاعت ميرفت رغم صغر سنها أن تطور نفسها بنفسها بسرعة من كثرة تعاملاتها معهن ، كانت هذه المهارة تخدمها جيدا في تقربها من الناس ، فلم يعد لديها الاحساس بالغربة ، فسرعان ماأصبحت المفضلة لدى الزبائن المنتظمين وغيرالمنتظمين . جاءت بداية تعارف أم عصام  بها عن طريق السيدة سناء الموظفة فى هيئة الاستعلامات التى كانت الجارة الأقرب لها ، حيث كانت تسكن فى الشقة المقابلة وكانت من بين زبائنها وعرفت منها بالصدفة أثناء تجاذبهما لحديث البلكونات اليومى الذى اعتادا عليه بعد عصر كل يوم عقب الانتهاء كل منهما من أعمال المنـزل ، إذ تناول الحديث ذات مرة عن مهارة مدام صفا فى الحياكة وعرضت عليها التعامل معها وخاصة أنها تجيد إرضاء أذواق النساء من جميع الأعمار . فكان أول لقاء مباشر حينما ذهب عصام مع أمه ليرى ميرفت بعين رأسه عن قرب .. لايفصله عنها سوى خطوات بسيطة ، حيث كان يراها فقط وهى تمر من أمامه فى الشارع ، وكثيرا ماكان ينظر إليها بابتسامة أراد أن يلفت بها نظرها بوجوده ، وكم من مرة تواجد فى الشارع ليمنى نفسه ويراها مصادفة وهى لم تكن كذلك بل كانت عن قصد . وعاش فى هذه الأيام حالة من الزهو فى سماع كل أغانى عبد الحليم حافظ إذ أنها كانت توقظ فيه إحساسه المرهف ، حتى انغمس فى معانيها إلى درجة العشق .. وعاشت بداخله معبرة عنه ، وراح فى أحلام اليقظة يتخيل أنه هو الذى يتغنى بها ولها .. أى بلسان حاله ، ويريد أن تصل إليها معانيها وتبلغها إياها بإحساسه ،" كانت العيون تقابله وتلمح بالكلام .. يهرب من قبل حتى مايرد لهم سلام ". وأيضا "وألاقيك مشغول وشاغلني بيك وعينيا تيجي في عينيك وكلامهم يبقى عليك وأنت تداري "وغيرهما كثير . استغرقته أغانى حليم حتى عاش فى حالة من الإرتياح ولكن مع نفسه ، واكتفى فقط برؤيتها فكان يخترع من الحجج والأسباب للنـزول إلى الشارع كى يلفت نظرها إليه وتظفر عيناه برؤيتها ولكن لاسلام ولاكلام ولايهمه أن يعرف عما إذا كانت تبادله نفس إحساسه أم لا .. كل الذى يهمه رؤيتها فقط ، لذلك كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة له أن يراها وفى حضرة من ؟! فى حضرة أمه التى ربته على الشكيمة والشِدة بألا يتكلم مع البنات البتة .

          وإلى لقاء أخر مع الجزء الثانى

   مع تحيات : محمد عصام                                                                 القاهرة فى : 13 إبريل 2026                   





الجمعة، 10 أكتوبر 2025

وللحب بقية

 

كلما حاولت إخباء حرائقك بداخلى

جئت بصبا حنين فى خاطرى

لتشعلها أوبتك

فأُشعل بك من جديد

فلا حيلة لى فى إضرامك

ولا أملك فى نفسى إخمادك

تبدو وكأنك زرعت نفسك فى نفسى

جذورا عميقة لاأعرف لها انتزاعا

و لااستطيع إقلاعك

ولكن شاء النصيب أن يكتب بعادك

كأن القدر أحب لى ابتلائك

جمع بيننا يوما ثم فرق الأجساد

وترك روحى تهيم فى عناقك

تشتهى من الشوق اشتياقك

وكلما هب النسيم

تنتشر حولى ابتهجاتك 

وكلما استدار القمر

ينتشى الكون ضوة ضيائك

لتسرى مع الليل بستره العميق

تستعيد فى ظلمة النفس تلميحاتك

ملمحا به وَجْدُك وخلجاتك

حتى أبصرت وشوش الناس ابتسماتك

واسمع صوتك حين يطول الصمت

فيملأ الفراغ حولى بوهجاتك

فإن خبا يسرى فى الروح ترنيماتك

كل شيئ يمضى كأنك هنا

وكأن حضورك يأتى فى غيابك

يمد يده الخفية ليعيد فى نفسى

كل حساباتك

وكل ماكان ومافاتك

من همسى وهمساتك

وسحر كلامى وكلامك

فلا فقد بعد ذلك  يشبه فقدانك

ولاأى بعاد يشبه نسيانك

فلو كنت نسيتك يوما

لما أبقيت نفسى

على قيد اشتياقك

لأنى مازلت على عهدى بك

أعيش لأستقى من ذكرياتك

كى أرى الدنيا بعيونك

ومن خلالك

 قلب يتنفس بعطر هواك

ويأبى ألا يفرط في أحلامك

وعاش يتذكر فرط حنانك

نبضاته دوما تستلهم التماساتك

فأنت سرى الذى لايمحى

مهما طال انتظارك

ولايقدر الزمن على زوالك

إننى أعرف أن الطريق لم يعد يجمعنا

ولكنى أعرف أيضا 

أن طريقى فى مهجاتك

فإن لج بى الشوق المستحيل

أقف على حافة التمنى

متمنيا تدنياتك

وأن يبقى قلبى باعتلاقك

مع خالص تحياتى : عصام                               أكتوبر  2025                                                                                                      

                                       


 


الأربعاء، 24 أبريل 2024

حكاية الأستاذ جميل

 

من المضايقات التى كانت تثقل حياتى وتسبب لى إحساسا بالكآبة والمتاعب الكثيرة ، الثقة المفرطة فى الناس وخاصة إذا ماوثقت فى أحد لم يكن مؤهلا لهذه الثقة ، ولكن تعزيتى فى ذلك هى أننى لا أحمل إلا وجها واحدا ، ولاأملك سوى المشاعر الطيبة فحسب ، وأصدق كل مايقال لى ، وإن كانت هذه الصفات هى صفات حميدة فى ذاتها إلا أنها لم نجد لها صدى فى عالمنا اليوم ، فليست كل المشاعر طيبة ، وليس كل مايقال نصدقه ، وإنه يتعين علينا إن كنا نريد أن نكسب ماحولنا فعلينا أن نحمل عدة وجوه ونتلون بلون كل شخصية من الشخصيات التى تصادف حياتنا ونقابلها كى نستطيع أن نتعامل مع الناس بإرياحية ، والذى يغيظ فى ذلك هو أن هذا الأسلوب هو السائد والمستحب لمعظم الناس بكل أسف ، وأن طيبة القلب أصبحت تتصف بالبلاهة والعبط ، والذى يغيظك أكثر أنك لاتستطيع أن تعرف بسهولة الشخوص الخبيثة من بين هؤلاء .. فهى أصبحت من الدهاء والمكر مايجعلك تثق فيهم ثقة عمياء ، ثم تجد بمرور الوقت والعشرة مايحيرك فى تصرفاتهم أو من فلتات السنتهم ما تحمله من أكاذيب وافتراءات تجعلك تتنبه أن هناك ثمة شيئ لاتتبينه وتقف أمامه كثيرا حائراغير مصدق وقد تجرك  هذه الشكوكك لفترات طويلة حتى تكتشف أنك كنت مخطئا فى تقديرك لهم ، وأنك كنت ساذجا فى مشاعرك إلى حد البلاهة والحماقة، وأن إحساسك مازال يغض فى ثباته العميق أو فى غيبوبة تصديقهم ، حتى يأتى اليوم لتجدنفسك فيه أنه تم التلاعب بك  بألاعيب ممنهجة. وهناك مقولة جميلة جدا أعجبتنى تقول " اختر  من تزرعهم فى قلبك بدقة  لأن اختيار البذور أسهل بكثير من اقتلاع الجذور " إننى لست حزينا ولا آسفا على اقتلاع هؤلاء من حياتى .. بالعكس .. إننى أحس براحة غريبة وأعصاب هادئة ، فبالرغم أنه ليس هناك أبغض على الإنسان من معرفة حقيقة لايرغب فى  تصدقها لتفادى مرارة صدمتها ، ولكن ليس أهون  من العيش على التعللات بالباطل والتعلق بالترهات . لأن الحقيقة إذا ظهرت على الأقل لن نجدها تحمل تمويها ولازيفا ، لتجلو صورة أى شخص خُدعنا فيه حتى نراه على حقيقته العارية محتالا ومنافقا.. وأن  هيئته ماهى إلامجرد دسيسة كبيرة لمشاعرباطلة استطاعت الأيام فى النهاية أن تكشفها رغم إجادة صاحبها فى التخفى ، لنعود ونلوم أنفسنا أننا عشنا فى رحاها  سنوات نحيا تضليله لنا ، ولكن رغم ذلك نشعر بسكينة وراحة أن الله منَّ علينا باكتشافه ، لأنه ليس فى بقية أعمارنا أوقات مؤجلة لكى نفهم  أكثر ونعى أكثر مما فهمناه  وواعيناه.                                                                                                                                  

                                                                       

وكنت قد كتبت قبل ذلك أن  فكرة الكتابة عندى تنبع من فكرة لامن شخوص ، وكتبت كثيرا عن أفكار مختلفة  كنت أرى إنها تستحق الكتابة ، ولكن عندما كنت أكتب عن شخوص  كنت قاصدا إياها وماكنت ألجأ إليها  إلا قليلا  لأسباب فى الغالب كانت ملحة وتستوجب ذلك  ، ربما كان أساسها هو ماتربيت عليه من ترسيخ مبدأ الأخلاقيات الذى تربيت عليه  كمنهج  ودستورحياة ، وهو ماشكل فى النهاية الأسلوب الذى انبنت عليه تركيبة شخصيتى ، والتى من قواعدها الأساسية أنها تحترم الصغير وتوقر الكبير ولاتقف عند صغائر الناس ، لذلك لم تكن الكتابة عن شخوص عندى  إلا لشيئين أثنين فقط : أولهما للذين لهم منى كل التقدير والاحترام الذى يليق بدورهم فى حياتى بما انعكس عليها من جوانب إيجابية ساهمت إلى حد كبيرفى اتزان  ونزاهة شخصيتى أنها حظيت بكل تقدير واحترام الأخرين ، وثانيهما : للذين كانوا مبعث شقائى وسببوا لى قدرا كبيرا  من التعاسة وماترتب عليها من خسائر نفسية ومادية . والكتابة عن هؤلاء لم تكن تشفيا فيهم فطبيعتى ترفض فكرة الإنتقام من أحد أيا كانت صورته  حتى ولو بالكتابة عنهم  . ولكن عندما تصادفك شخصية سفيهة مثل شخصية الأستاذ جميل ذات دلالات واضحة على وجود تركيبة نفسية معقدة وسيكوباتية .. مغايرة تماما لكل أنواع التعامل الإنسانى المتزن  فى الشكل والمضمون ، تجد أن الأمر حتما يستحق الدراسة ويستوجب الكتابة عنه. فكلامه لايدل على مايضمره داخله .. مخلوق ينطوى على سره الذى لايعرفه غيره ..لديه ذكاء خارق فى كيفية التخفى وراء أستار طيبة النفس .. يظهر للناس على كل مايتصف به الجود والكرم .. طبيعته أملودية ناعمة .. لينة التطويع فيعرف كيف يجارى الناس .. وكيف يستخلص المواقف منهم حتى يتمكن من الوصول إلى مبتغاه الذى يريده..إنه كان يخفى وراء شكله المريئ المستحب وجها آخر قبيحا  لايعرف سوى  الكذب  والخداع والتدليس .. يغلظ أيمانات الله أنه على حق وهى أيمانات فاجرة ، لأن الله يعلم أنه لكاذب .. أعجزه شيطانه أن يبدى ندما  أويشعر بوخز من ضميرعند تسببه فى إضرار الأخرين مثلما فعل معى على غير المتوقع وعلى غير  الذى كنت أراه من قبل . ومن عجيب الأمر أننى فكرت كثيرا قبل ذلك  فى الكتابة عنه ليس بمنظور اليوم ولكن بفكر البارحة عندما كنت أراه شخصية من الشخصيات المحورية  المحترمة التى أثرت حياتى إذ أنهاكانت تمثل لى حينذاك  إضافة كبيرة مثل الذى كتبته عن أمى وأبى ، ولكن كلما كنت أشرع فى الكتابة  تتوه منى الكلمات بل وتبدو وكأنها تنمحى من ذهنى تماما ويستوقفنى هاجس لم أتبينه  فى حينه  ولم أعرف له سببا ولا من أين جاء مصدره  ، ليأتى اليوم الذى أكتب فيه عنه عكس ماكنت أريده  قبل ذلك .. سبحانه مغير الأحوال ..وأكتشف سر هذا الهاجس ، وأعرف بعد كل هذا العمر الذى تجاوز عقوده الخمسة ، وبعد مرور زمن ليس بالقليل من  صداقتى له  أن شخصيته معقدة الدواخل يشوبها الكثير على المستويين الأخلاقى والإنسانى ، أخذتها أطماع الدنيا ونسيت أن الرزق بيد الله وحده .. يعطيه لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء.                                                             

    

لنعد لمستخلصات القصة ذاتها ، كان الاستاذ جميل بالأمس يواجه  تحديات الجوع والصعلكة واليوم وضع نفسه أمام تحديات الثراء الواهم الذى خلق منه  أسطورة لايكاد يراها إلا داخل نفسه .. سطت عليه حتى تملكته ولايكاد يصدق غيرها .. أنه اختط شكلا جديدا لحياته ليبعث فى نفسه ثقة من اختلاقه حتى يقنع نفسه أنه ليس أقل من زوجته التى كانت أفضل منه بكثير ثقافة وعلما ووظيفة مرموقة ، فهولم يستطع مسايرتها فى شيئ .. راتبه من وظيفته كمدرس لم يكمل تعليمه العالى لايتجاوز ربع ماكانت تتقاضاه ، فاتجه إلى ماارتضاه لنفسه حتى يعوض هذا العارض الفج ، فكانت هذه الشخصية المهلهلة ، وهو الأن فى السبعين من عمره ، لم يحاول أن يصحح نفسه احتراما وتقديرا لسنه ومكانته الزائفة التى كان يريد أن يصورها للناس .. لأن صورته الحقيقية تكاد تهتز بعنف حيث تكالب عليها الزمن وهو على ماهو عليه من تخبط وأذى .. إنه يحب ألا يراها، ولكنه كان يتفنن فى وضع الرتوش لها لتراها الناس على غير الحقيقة  تماما مثلما كنت أراها وكما يراها الناس . أعطيته مكافأة نهاية خدمتى بلا تفكير ودون وعى وهوكل ماأملك من مال ولم أفكر حتى فى استشارة أحد .. إنه سلبنى حق التصرف فى مالى.. والكل حذرنى حذار من جنون تصديقى له . فى الوقت التى كانت فيه ظروف البلد تبدو عليها علامات استفهام مختنقة ومهرولة .. وبعد سنوات خمس كاملة مضت .. الأموال متوقفة تماما بل كانت تفقد قيمتها كل يوم .. والدنيا تدور بقوة من تحت أقدامنا  ..كل شيئ يتبدل بسرعة مخيفة ، كيف يمكننى اللحاق بمستوى أفضل لى ولأولادى وأنا فى وضع الثبات منكبا على وجهى وكأن الدنيا غشيتنى ، فالواضح أمامى أن الإيقاع يتضاعف والجنون لازال يتفشى فى كل شيئ . لقد أختلت الأمور  ولم استطع رؤية واضحة أمامى ولا حولى وكنت أعنف نفسى  بشدة عندما كنت أعود وأتذكر ثقتى المفرطة فى تعاملاتى معه إذ أننى لم أكن على دراية بمدى سذاجتى ، ولم أتنبه لكيفية استغلاله لها فى عمليات نصب واحتيال ..أتذكر كم التحذيرات التى قيلت فى أقوال الأشخاص حولى من أهل بيتى وأصدقائى على خلفية هذا ولم أع ذلك .. ولم أدركه  فى حينه .. كأن أحاطنى سياج غريب احتوانى وفصلنى عن عالم تحيطه المخاطر من كل جانب واتجاه .. كيف عاد إلى ذهنى كل خواطر الباطن دفعة واحدة وتجسدت فى رأسى الذى أصابه الخرس ، مددت يدى عليه مسحا ، إنه لم يعد هناك أى مجال  للتفكير ، وجعلت أتأمل الهرب منه فكنت أقع فيه أكثر .. الأيام تمر وأنا لازلت أتفرس الوجوه من حولى أنظر إليهم  متسائلا بدهشة وإنكار : أين أيام زمان  و أخلاق زمان عندما كنا نتعامل بسجايانا الكل فيه يعلم مايدور فى خلد الأخر .  ياله من زمن عجيب أشعر وكأننى كنت فى غيبوبة ، ثم بعد إفاقتى وعيت وتفصحت تماما مكنون هذه التركيبة البشرية العجيبة وقدانجلت عنها صورتها المزورة  وإن شئت قل "بعد خراب مالطة". إننى أبدو وكأننى لم أكن  أعى شيئا عن هذه الهيئةالمنخدعة التى تبدو  مهندمة ، ثم وعيت وعرفت تفصيلات أظهرتها شواهد كثيرة .. وعلمت كيف كانت تحكمها عقلية تستطيع الإحتواء وتعرف كيف تستدرج مشاعر الأخرين وتجعلها فى حوزتها ، بل وتقدم لك خدماتها الجليلة على أنها بلا مقابل ، وإنما محبة فى الله و للصداقة والأخوة التى لاوجود لها من الأصل . ولم يكن فى مقدور  أحد أن يظن فيه مجرد الظن وأنت تنظر إليه وتجلس معه وتتأمل وجهه المتغضن وهو مسترسل فى أحاديثه العذبةالتى كان يرسلها بأعذب الحكم وأنت تستمع له منصتا عن حكاياته التى كان لايكل ولايمل من حكيها مرات ومرات بنفس الألفاظ وكأن حياته مختزلة فى مخطوطة نادرة لاتقبل التبديل أوالتعديل عن قصة كفاح مناضل واجه ظروف شقائه العاتية فى الحياة ومالاقاه فيها من متاعب وأهوال عانى فيها من أشد أنواع الفقر الحرمان .. وكيف تعلم منها ؟ وكيف خرج  بها من مكاسب بعد طول صبر ومعاناة ، ليحكى لنا والبراءة فى عينيه كيف كافأه الله ومنحه مالم يُمنح لغيره نتيجة هذا الصبر على هذا الجزع المفرط  وهذه اللوعة التى عانى من ويلاتها دروبا، بأن أعطاه ماجناه من آلاء ونعم حتى أصبح فى وضعيته التى هو عليها الأن  كصورة ناصعة البياض يقطر منها النور فتنسحب عليها صفاء وطهرا ، ولإجادته التمثيل الرائع تجد نفسك أنك لست فى مجال شك فيما يروى من أحاديث كثيرة ملت أسماعنا منها سواء بالصدق أو الكذب ، لأنه يعلم أنك لن تتبينه ، فالعلم عند الله ، تماما كما كان  ينسحب لأصدقائى وناسى وأحبائى المقربين بعد أن يدرس نفسيتهم ويعرف مداخل شخصيتهم ليبدأ فى التقرب منهم ليفصح عن أسلوبه فى التعرف على الناس بنفس الصورة و النهج الذى اتبعه معى فى بداية صداقته لى، فهو يملك ملكة سرعة التعرف على الناس لدرجة أننى كنت أصدقه تماما  كلما نظرت فى عيون أطياف كثيرة من البشر من الذين يعرفهم وممن يعيشون حوله وخاصة أسرته وذويه  حيث يشكل لهم الصدر الحنون ، وأنهم يرونه نبراثا لحياتهم لما يقدمه لهم  من تضحيات .. وقته وجهده ليضعها فى خدمتهم ، ولكن لم يعرفوا بعد أنه من مال الأخرين التى كان يتفنن فى الحصول عليها بدافع توظيفها لهم ، وللأسف كانت فرائسه كثيرة لتعرف مدى استخدامه لذكائه الفطرى فى تنوع الآعيبه الإحتيالية  ومدى قدرته على الوصول إلى من يرى مصلحته عنده بمنتهى الحرفية والدهاء ، وكنت أتعجب كيف لهذا الشخص سريع التعرف على الناس  وليس له أصدقاء  البتة، وعندما كنت أسأله عن ذلك لم يعطنى إجابة مقنعة حتى أشفقت عليه وقدمته لأصدقائى ليصبح صديقا لهم ، والأعجب من كل ذلك أن معظم أصدقائى قراؤه جيدا قبل أن أتنبه لحقيقته المرة . لأقف بعد ذلك كثيرا أمام نفسى حزينا .. مبهوتا لعدم درايتى بالناس بعد هذا العمر ،  ومذهولا  أمام  تصرفاته لديهم فى الأمور  التى كانت تستهويه  فكنت أراه بعين الأخر كيف كان يحشر نفسه فيها ، وبين زواياها الضيقة التى كان يعلم  بأمور ها وأحيانا كثيرة لايعلمها ولكن لديه الإصرارعلى أن يعلمها وكثيرا ماكان يلجأ لى لمعرفتها منى ، وكنت أضلله فى أحايين كثيرة  وأرقب تصرفاته فأجده يسلك حلولا أخرى ، فمازال لديه الكثير منها حتى يستطيع أن يُدخل نفسه  فيها عنوة  لمعرفة أدق تفاصيلها ليبدأ بعد ذلك فى استخدامها الاستخدام الأمثل فى الإفتئات والغش والتضليل .. كنت لاأتصور أنها فى النهاية  هى مجرد وسائل لتحقيق غاية مرسومة بمنتهى الدقة للوصول إلى مآربه . إننى لازلت أتعجب لرؤيتى العمياء له قبل ذلك وكيف كنت أمضى وراءه وكأننى معصوب العينين منشرحا لأسمه الذى كان يتردد بين الأفواه بالحب والفخار ، وكم كنت معجبا باعتزاز الناس به عندما يلجأون اليه فى كثير من أمورهم وخاصة حينما كانت تضيق بهم دنياهم ، ويسمعون منه كلاما منطقيا مقنعا تنشرح له صدورهم ، فلطالما كان يردد أقوالا ألفوها منه كانت تمثل لهم قمة الطهر والعفة و التعقل لم تشأ الظروف أن يعرفوا أن فى  باطنها العذاب حيث كانت تحمل الوجه الأخر الذى يريحهم ثم يعودون إلى أحاديث النفس أو هواجس خبرتهم  فيشعرون بتضليله لهم بعد إحساسهم  بمرور الكثير من  الوقت فيجدوها  تكذب وهمهم ، لقد ألفوا كلامه المعسول أطوارا لم يكتشفوافيها كذبه فهو كان كثير الكذب ، وأسفاه لقدكنت أنا أولهم . كان يحكى الشيئ وينسى ثم يحكى نقيضه فى موضع أخر ولحسن حظه أن أحدا لم يلتف لأحاديثه الملفقة إلابعد فوات الأوان مثلى.                                                                                                                                                                               

                                                                                                   

انتهت علاقتى به وإلى الأبد فعند مفترق الطرق تحتدم العواطف ، وتنبعث الذكريات التى كانت وكيف أصبحت ، إنها أصبحت فى أسوأ حال ، وليس أمامى الأن إلا تحد واحد كيف أحصل على حقوقى منه ، مسألة مضنية للغاية .. ماأشد اضطرابى ، يلزمنى قدرة خارقة للسيطرة على مشاعرى بعد أن فقدث الثقة فى كل شيئ  . لم أجد أمامى بعد الإفاقة سوى الإستعانة بأصدقائى  المحترمين سرعة التدخل .. ربما أضطررت إلى ذلك فيقينا انقلب الملاك عندى شيطانا .. والأستاذ جميل لم يعد جميلا بل أصبح قبيحا دميما..يالها من ضربة قاضية مفعمة بالحنق والغيظ والكراهية ،  ربما اندفعت بقوة طائشة كى استرد مالى المنهوب  ونسيان تام لكل الأحداث السابقة التى لاوقت لإحصائها، لننظر للعواقب اللاحقة وماذا سيترتب عليها من خسائر محتملة بعدمرور سنوات خمس كاملة ضاعت فيها الحقوق سدى على يديه واضطربت وتداخلت فى حقوق الأخرين. لقد كان لجهد الأصدقاء الأثر الكبير فيماقدموه لى حيث ضاعفوا فيها كل السبل لاسترداد حقوقى التائهة والمنهوبة التى أضحت بلاسند قانونى يحميها .. فالشيكات كانت كلهامزورة ومضروبة وفاسدة عن عمد والمحاكم لاتحمى المتغافلين ولاتحمى أصحاب النوايا الطيبة ولامن يحسنون الظن بالناس . لذلك كان لجوئى مضطرا لمستشار  وفقيه قانونى محنك فى إيجاد حلول غير تقليدية فى مثل هذه القضايا المعقدة غاية التعقيد ،  فإذا به يتصل عليه حتى يُسمعنى مالم كنت أصدقه .. كانت هذه المهاتفة تحمل مفاجأة كبيرة لى أفقدت كل ماكان متبقيا من أثر العلاقة التى استمرت لسنوات .. جاء صوته فى أذنى كنعيق الغراب ماأشدعلى النفس أن تتيقن مالحق بالنفوس من فساد دينى و أخلاقى واجتماعى أخذ يتمدد ليستشرى فى كل شيئ حولك ، وأن الحب تم اقتلاعه عنوة فى عملية تصفية جامحة من القلوب حتى تحجرت.حقا كان عالما غريبا لأول مرة أحس أن كل عقبة يمكن أن تحل إلاهذه العقبة .. مرت أيام ثقيلة بين شد وجذب حمّلت فيها على صديقى الصدوق الذى آل على نفسه أعباء التفاوض معه وحوارات  طويلةامتدت شهورا  انقضى معظمها لايرجى منهاطائل حيث كان ينكص فى كلامه وينقض فى عهوده ويرتد عن اتفاقاته مثل الحيات التى تتلوى لتغير جلدها فلا تستطيع أن تأمن لها جانب .. يكذب وينسى وينكر ماسبق واتفق عليه .. كنت لاأنام ،  أغمض عينى فلا تنطبق الأجفان، وفى الصحو لأجد ماأريده .. أغفو وأصحو متمنيا أن كل شيئ قد تم  .. تتصاعد من صدرى أبخرة تطمس كل الأشياء حولى لتطفئ غمرات حنين الماضى المضل  ، حتى أفاء الله لنا بالوصول إلى حل لتنقضى حكاية الأستاذ جميل .. الثعبان المتلوى الذى مالبث أن آثر الإختفاء ليلوذ إلى جحره منتظرا فريسة أخرى. وهكذا انتهى كل شيئ واكتشفت أخيرا معنى أن تمدد قدميك وتترك عينيك تتحركان بحرية فى كل اتجاه  ..وتمد يدك إلى كل ماحولك لتسرح فى أطياف من نور  واللحظة تمتد وتكبر.. وتقول وقد طبت نفسا هكذا كنت .. وهكذا أصبحت. إننى أتوق أن أبقى أبدا بلاعودة إلى الوراء.                                                                  

                                                                                                

 القاهرة فى إبريل 2024   

مع تحيات : محمد عصام  

 

 

 

الثلاثاء، 19 ديسمبر 2023

هاجس فى صدرى

 

النفس البشرية لها أغوار ، وعالم النفوس .. عالم كبير لانعلم عنه شيئا .. ولانستطيع معرفةحتى مجرد القشور منه ، لتبق للنفس أسرارها لايعلمها ولايدركها سوى الذى خلقها .. الله سبحانه وتعالى .. هو وحده الذى يعلم مستقرها ومستودعهاومثواها . لكن التجارب الحياتيةعلمتنا أن النفوس لها تصنيفات  كثيرة ، ربما قابلنا القليل منها  أو معظمها ، فهناك نفوس طيبة من طبيعتها أن تتجاذب  ، ونفوس شريرة حاقدة من طبيعتها التنافر والتناحر، وهناك نفوس الأنا عندها عالية، وهناك نفوس لاتعرف إلا الدنو والحقارة ، وطبيعة النفوس إما نارية أوترابية أوهوائية أومائية لها من طبيعة الأرض والهواء  و الماء .. أى إنهاتعيش بطبائعها هذه ..  تعرف ،  وتعاني، وتتذكر  ولديها رغبات  .. تحكمها مكتسبات كثيرة  من الحياة ،  أهمها التربية الناشئة والأسرة الحاضنة ،  إنه عالم يموج فى بعضه البعض .. ولكنه لم يكن فوضاويا بل تحكمه قبضة الله وإرادته وقدرته فى توجيه هذه  النفوس إما شقية أو سعيدة . إننى لازلت حتى اليوم أقع فى أخطاء فى تقدير نفوس الناس رغم ماعشته ووعيته من الحياة ، ربما يرجع ذلك أن هناك عوامل تحكمت فى تربيتى ونشأتى فى منـزل كان الأب والأم فيه شديدى الخوف علي فأصبحت بالنسبة لمن حولى كأنى أعيش فى سياج يفصلنى عن عالمهم . إننى لم أعرف فى حياتى كنهة المرأة إلاامرأة واحدة هى أمى ولا شكيمة الرجل إلا رجل واحد فقط هو أبى .. أمى لا تعرف ماأفكر فيه فى هذه السن ، ولايهمها أننى فى سن بدأ ت فيه مظاهر التبدل والتغيير ، وأننى مع الوقت سوف أنشغل بمن حولى ،  إنها لم تع  أننى أصبحت جزء اممن ماحولى  وسيكون لى  زملاء دراسة  و أصدقاء من أولاد الجيران وفى الشارع وبعد ذلك فى العمل ، وأنه من المؤكد ستتكون لى رؤيةللدنيا والناس تناسب عمر كل مرحلة أحياها ، لم تعرف أمى كل ذلك ، فقط كانت ترانى الصغير الذى سيبقى عندها صغيرا حملته فى بطنها ، ثم ولدته ليأكل ويشرب وينام ويلبس فقط . وأن خوفها الدائم على حياتى كانت تراها فى تلك الحماية التى يجب أن توفرها لى كى تقينى من شرور الدنيا وشرور الناس .  أما أبى دأب كلما كبرت  أن يبث فى أذنى عبارات دامغة يجب ألا أنساها ولايسمح لى أن اتجاوزها  " خلى بالك من نفسك " "وأوعى لنفسك " و" عيب إنك تتكلم مع البنات " كانت عباراته حاذقة بثت فى نفسى الخوف  الذى ارتبط بكل شيئ بعد ذلك في حياتى ، لذلك عشت فى وجود حدود لكل شيئ ، وكلما كبرت كبرت معى مشاكلى ومنها رهبة التحدث إلى الناس وخاصة الفتيات ، فكنت لاأعرف حدودى ولاحدود الأخرين ، إن الخوف العام جعلنى أتوارى من كل الذى أحبه ولاأعرفه ، فنشأت على فكرة الخوف وعندما بدأت أكبر وجدت صعوبة بالغة فى تجاوز هذا السياج الذى تحول مع الأيام إلى جدار  أخذ فى العلو كلما تجاوز ت مرحلة من مراحل حياتى  . أتذكر عندما كنت مراهقا وأصبح لى أصدقاء لم يكن من بينهم فتاة ،  إننى لم أفكر يوما أن أتكلم مع أى فتاة فى حين أن أصدقائى كانت أحاديثهم كلها عن حب الفتيات وكنت الوحيد الذى لايتكلم ولايستطيع أن يتكلم ، مازلت أتذكر كيف كانوا يتبارون فى حب فتاة واحدة .. بنت الجيران التى كانت تسكن فى منـزل مقابل لمنـزلنا بحى الظاهر  كانت على قدر كبير من الجمال ولكنها لم تعر لأى منهم  أى اهتمام وشغلت نفسها بى ،  وعرفت ذلك من المحاولات التى أرادت  بها أن تلفت نظرى فى رغبتها أن تتكلم معى كلما كانت الظروف تسمح ويتصادف مرورنا فى الشارع  وجاء وجهى فى وجهها ، كنت ألاحظ  ذلك  وكنت فى كل مرة أبر ر لنفسى أنه ليس من المعقول أن تترك هؤلاء  الذين يحبونها وتنظر لشخص مثلى لايعرف كيف يتعامل مع الجنس الأخر ، حتى حانت الفرصة وتحديدا لاأتذكر كيف جاءت ، ولكنها جاءت وتواعدنا وعند المقابلة لاحظت توترى الشديد ولم أعرف مجاراتها فى الفكر أو الكلام .. كانت لبقة .. شديدة الفطنة والذكاء  ، لم تبذل مجهودا كبيرا فى أن تعرف أننى لست الشخص التى كانت ترغب فيه ، بل وجدتنى  شخصا أخر يفقد الكثير من جاذبية الشخصية التى كانت تفكر فيها و تمنى نفسها أن تجدها فى شخصى ، إنها لم تجد غيرالهيئة التى كانت تراها وأعجبت بها فقط  طول القامة و الوجه المنبسط بقسماته التى كانت تنطق بكل مايريح أى شخص ، فضلا عن ماعُرف عنى من أدب جم ودماثة خلق ، وهى أشياء كانت تعرفها قبل أن نتقابل ، لذلك لم تهتم بكل هذه التفاصيل ، أنه  لم يعجبها خجلى  ولاتوترى الذى جاء بلا مبرر ، ولا بوضع الصمت الذى كنت عليه حيث لم أنطق بحرف واحد ، رغم أننى حاولت جاهدا أن أنتزع الكلمات من بين شفتى ولكنى لم أوفق ،  وحاولت أن أرفع رأسى المنتكسة فى الأرض من الخجل وأن التفت يمنة أو يسرة  ولكنى لم أعرف ، حاولت أن أتابع كلامها الذى يحرك أى ساكن ولكن لم يحدث ، وحاولت أن انظر فى عينيها الجميلتين  الموجهتين تجاه وجهى كالسهم وهى تتحدث بمنتهى الطلاقة ولكن لم أستطع . إنها وجدتنى لاأعرف شيئا فى زمن كل شيئ فيه معروف وواضح ، زمن الكل فيه يفكر .. الكل فيه يعى ماحوله ، الكل فيه يريد أن يعرف . فالذى يعرف هو الذى يبحث ، والذى يعرف هو الذى يقدر قيمة المشاعر والاحاسيس ، والذى يعرف هو الذى يتأمل ويشتاق ويحن ويحب ويكره ، أما بالنسبة لى فكل هذه الكلمات لامعنى لها عندى لأنى لاأملك معرفتها ، ولاأملك كل ماكنت أحبه وأريده .. فرغباتى معطلة ولست فى حاجة إلى أن أقول أو أفعل..فكيف أجد الحب وكيف أعرف الكراهية حتى أفرق بينهما . إن الكلمات التى لها معنى عندى هى التى تربيت عليها  من توجهات  أبى وتعليمات أمى .. هى التى كنت أعيها فقط وأوجه لها كل اهتماماتى دون تفكير ودون معرفة مخزاها وهكذا تعلمت وتربيت 


إننى عرفت فيما بعد أن الحب هو أن تنشغل بشخص يعجبك ، وأن الكراهية ألا تنشغل بشخص لايعجبك ، وأن الحب والكراهية متشابهان ، فكلاهما انشغال بأن تفكر فى شخص أخر غيرك وغير أمك وأبيك وغير الذين يعيشون فى محيط حياتك ، وبعد ذلك المعنى هو الذى يختار الشكل المناسب  من مشاعر وأحاسيس تجاهه بأى منهما ، هذا الشكل  وقتها  كنت أجهله ولم أجد له مايناسبه بداخلى من معنى . لذلك جاءت خسارة  أول علاقة بسبب الوحدة والعزلة و الانقطاع عن العالم من حولى حتى أصبح الخوف يطاردنى فى حياتى و ملازما لى ، ومن ثم حرمت نفسى من تكرار التجربة لفترة  ، كان لابد فيها  أن أهرب .. لابد أن أنسى هذا الماضى الذى فرض على فرضا .. لابد أن أهرب من هذا الفراغ المخيف  الذى ألمسه فى المنـزل وفى الشارع وفى نفسى وفى حواسى وعواطفى  . ولما كبرت فى مرحلة أخرى من مراحل حياتى وأصبحت شابا يافعا كنا قد انتقلنا لحى مدينة نصر ، وكان الحى الجديد مازال بكرا يختلف كثيرا عن حى الظاهر الذى شاهد طفولتى ، فكان علي أن انتهج نهجا جديدا فى حياتى ،  وأن أنسى الخوف وأحارب الخجل بكل قوة ، لذلك وجدت  فى نفسى مايلح علي أن أعاود فكرة مجانسة الفتيات والحديث معهن وأكسر ذلك الحاجز الذى حجبنى عنهن زمنا، ووجدت تشجيعا من أصدقائى الجدد عندما صارحتهم بإعجابى بفتاة جميلة بعد أن لاحظت أنها تبادلنى بعض النظرات المشجعة وابتسامات خفيفة ظننت أن وراءها مقصد فخفق لها قلبى أو هكذا كنت أرى ، فى بادئ الأمر لم يصدقوا ماسمعوا ولتشجيعى أشاروا على أن أتجرأ وأكلمها ، وبالفعل فى اليوم التالى تتبعت خطواتها التى جاءت على مهل ، وحاولت جاهدا أن استلقط بعض الكلمات الإعجاب لأغازلها بها، رغم أنى وجدت صعوبة بالغة من فرط حيائى ولعدم معرفتى بعبارات الغزل من الأساس ولكنى مع إصرارى فى المحاولة لانت بعض كلمات الغزل على شفتى وهممت أن أفعل حتى فوجئت بها تلتف وراءها بوجه عابث مكفهر موجهة لى كلمات احبطتنى تماما : أنت عاوز منى إيه وليه ماشى ورائى ، من فضلك لاتحاول أن تكلمنى مرة أخرى . تسمرت قدماى وتمنيت أن تنشق الأرض وتبلعنى ولا أعيش هذه اللحظة القاسية . كانت الصدمة قوية جعلتنى ألزم المنـزل أياما تركت فيه أصدقائى الذين بدأوا يبحثون عنى وعن أسباب غيابى رغم توقعهم للذى حدث ، وعندما حكيت لهم وعلموا به انتابتهم نوبات من الضحك الذى أثارت تحفظى ، وقالوا لى ماهى لازم تعمل كده فى الأول ألم تسمع عن شيئ اسمه دلال  البنات ، كان لازم تدلل عليك شوية علشان تشوف مدى إصرارك على مغازلتها والحديث معها لتتأكد من معزتها عندك ، فالفتيات يحببن الشاب الجرئ ولايملن للشاب الخجول ، ولو كنت حاولت مرة أخرى لوجدت الأمر مختلفا وكانت ستتكلم معك ، وبالمناسبة لاحظنا فى الأيام التى غبت فيها أنها كانت دائمة التواجد فى المكان الذى كانت تراك فيه ، رأيناها تتلفت حولها وكأن عينيها تبحثان عنك . كلامهم لم يجد له صدى فى نفسى ولم أقف عنده طويلا إذ قررت أن أنصرف عنها وفعلت ، بل وانصرفت أيضا عن فكرة العلاقة مع الفتيات  نهائيا وعن أى محاولة فى الحديث عنهن  مع أصدقائى للدرجة التى جعلتهم يرون أنها أصبحت تمثل عقدة كبيرة عندى . فكروا فى طريقة يعيدوا بها اتزانى النفسى وأن يبثوا فى نفسى الجرأة والشجاعة فى التحدث مع الفتيات حتى دبروا لى أمرا لم أكن أعلم بحقيقته إلا فيما بعد ، حيث رتبوا لى موعدا بالإتفاق مع من هو أكثرهم خبرة فى معرفة دروب الفتيات وخير مايستعينون به فى هذه الأمور .. صديق اشتهر بوسامته وكثرة صديقاته ، ولاتكاد تخلو محادثاته من عشرات الفتيات الساحرات .اتفقوا معه أن يقنع إحداهن بلقائى على أن تكون بارعة الحسن وخبيرة بالنفوس .. داهية ماكرة ، تستطيع أن تعيد الثقة فى نفسى . حددوا يوما قابلته فيه لنذهب معا كعادتنا إلى مصر الجديدة بسيارته ، فمصر الجديدة وقتئذ كانت قبلتنا الدائمة ، و فى أثناء الطريق توقف فجأة عند كلية بنات عين شمس ، وشاور لفتاتين فى قمة الأناقة والجمال ، واستغربت أنهما استجابا له وتحركا فى اتجاه السيارة بهذه السهولة والسرعة ، ثم أشار لهما بالركوب فركبا بالكرسى الخلفى دون التلفظ بأى كلام ، وما أن تجاوز بعض الخطوات حتى توقف بالسيارة مرة أخرى وقال لى أنـزل واركب فى الكرسى الخلفى  ، وفهمت أن واحدة منهما ستجلس مكانى وأنا سأجلس مع الأخرى  فى المقعد الخلفى ، وفعلت وأنا فى حالة من الذهول فهذه أول مرة أتعرض لمثل هذا الموقف الغريب وتعجبت كيف وقع أختيار ه على واحدة منهما دون الأخرى وكيف استجابت هى لهذا الاختيار القصرى التى لاحيلة لها فيه . بدأ يتحرك بالسيارة فى اتجاه شارع الحجاز ، وتعجبت أكثر لطريقة حديثه مع الفتاة إنه يبدو وكأنه يعرفها فى معرفة سابقة ،  وشغلنى حواره معها الذى جاء سلسا ميسرا  يحمل عبارات الإعجاب التى بها رقة وطلاوة وصوته ذا رنة غريبة مما جعلنى أسرح معهما متابعا  ، وبينما أنا فى أثناء انشغالى تعجبت الفتاة الأخرى التى تجلس بجوارى  على سكوتى وأنى لم انبس ببنت شفة حتى ولو بكلمة من كلمات المجاملة التى تقال فى مثل هذه المواقف المحرجة وزادها عجبا أن ترى وتسمع صاحبنا يمطر الفتاة الأخرى بكلمات من الغزل الصريح  مما زاد الطين بلة ، وأصبح الموقف أكثر تعقيدا وحرجا لى  وهى ترانى وكأن لسانى أنعقد ، وعندما أحست بأنه لاأمل فى أننى أتكلم بدأت هى بالكلام وسألتنى : أنت طالب .

قلت لها : نعم .

قالت : أقصد أنت طالب فى الجامعة .

قلت لها : نعم أنت شايفه حاجة غير كده .

قالت : لا أبدا أصل شكلك بيديك أصغر من سنك ، وياترى بقى أنت من أى جامعة.

قلت : جامعة القاهرة . 

قالت : فى كلية إيه  .

قلت لها : كلية دار العلوم . 

قالت لى : وشاطر بقى على كده .

قلت لها : بيقولوا كده .

قالت : وياترى لك أصدقاء بنات ، يعنى بتعرف تكلم بنات .   

قلت لها : يعنى . 

قالت لى بحده وكأنها سئمت من ردودى المقتضبة : يعنى إيه . 

قلت لها : يعنى لى مجموعة من الأصدقاء وأكيد من بينهم بنات . 

قالت : طيب بتقول يعنى ليه ؟ ! ماأنت بتعرف تتكلم أهه  

قلت لها : ولاحاجة أنا حاسس إنى بتكلم أى كلام .

قالت : يبدو ذلك  . وبدأت تضع يدها على يدى وأنا اسحبها من تحتها ، فنظرت لى نظرة غريبة.. نظرة جائعة نهمة وقالت : هو أنت ماسمعتش عن حاجة اسمها الحب  .

اصابنى الوجوم ولم أنبس بكلمة ، وبعد لحظة شاردة قلت لها : لا ماعرفش ..لسه ماقبلتوش . 

بدت عليها علامات التعجب وقالت شاهقة : ياخبر  أزاى وأنت شاب  أهه وبقيت فى الجامعة ومتعرفش تحب . 

قلت لها : قدرى كده  ، ومش بالضرورة كل اللى بيدخل الجامعة لازم يحب .

ثم بدأت تقرب وجهها من وجهى  وقالت بما يشبه الهمس : يعنى متعرفش أيه بوسة .

قلت لها : لا الحقيقة مجربتهاش لسه . 

قالت لى : طيب قرب وجهك منى وأنا أعرفها لك  بس متخدش علي كده .

قلت لها : أزاى يعنى ، دا أنا يادوب عارفك من خمس دقائق بس ،  واللى أعرفه إن القبلة لاتكون إلا للمحبين فقط  اللى ارتبطوا ببعض وتآلفوا مع بعض  ومر عليهم وقت عرفوا فيه  ايه هو الاحساس اللى بينهم .

قالت لى : طيب منا بحبك أهه  .

قلت لها : أزاى  . 

قالت : هو مافيش حاجة اسمها حب من أول نظرة . 

قلت لها : نعم قرأت  عنه فى رواية الوسادة الخالية لإحسان عبد القدوس  بس فى نهاية القصة قال إن ده مجرد وهم كبير  ومافيش حاجة اسمها حب من أول نظرة . 

قالت لى : إحسان عبد القدوس غلطان  ، أنا بس اللى أقول لك إن فيه حب من أول نظرة ولا لا ، وهخليك تعرفه دلوقتى حالا .

ثم تورد وجهها وافترت شفتاها عن ابتسامة فيها تلميحات جامحة ومدت ذراعها تريد أن تجذبنى إلى جانبها فتخلصت منها بلطف وظللت جالسا فى مكانى  وقلت لها : بس أنا مش عاوز  .

امتقع وجهها فجأة وتغيرت ملامح الغنج التى كان عليه وتحول لحنق وامتعاض وبدت ثائرة  وقالت لى كلاما لازلت أذكره جيدا حتى الأن كعلامة سيئة لموقف غريب : أنت واضح عليك إن أمك بتخاف عليك وأخرك إنها بتشربك اللبن وتنيمك. هنا شعرت بإهانة .. إهانة من هذه الساقطة كيف سمحت لنفسها أن تتكلم معى بهذه الطريقة وأن تتفوه بكلمة أمى ، شعرت وقتها بأن كلامها كان كالسهم المارق الذى انطلق من فاها ليحدث انفجارا دوى فى أذنى  ، انتفضت ورفعت رأسى أنظر إلى صديقى فإذا بالفتاة الأخرى مندسة فى أحضانه ، ناديت عليه فنظر لى مبتسما وكأنه ينظر لأطياف لايراها.. شارد النظرات  تائه الفكر ، يبدو أنه قد ثمل تماما من نشوة القبلات التى انغمس فى حلاوتها ونسى معها الدنيا وما فيها ، عاودت النداء عليه بصوت  محتدكريب : من فضلك يامجدى توقف ونزلنى هنا حالا . تملكته الدهشة وهو يحاول أن يخرج نفسه من جو الهيام الذى يعيشه وبصعوبة كان ينطق : طيب ماتستنى شوية . ولكن لما أحس بأن  ردى أسرع من طلقات الرصاص على مسمعه وأنا أقول له : من فضلك لازم أنزل حالا  . بدأ يستعيد اتزانه فوجد وجهى متجهما عابثا ووجد فى ردى الإصرار على النـزول من السيارة : أرجوك توقف فورا ونزلنى هنا . تغيرت ملامح وجه صديقى وفوجئت به يوقف السيارة فجأة وقال للفتاة التى كانت فى أحضانه منذ برهة : اتفضلى أنـزلى أنت وصديقتك ياأولاد .......  . أصابتنى الدهشة كيف تحول صديقى فى لحظات من العاشق الماجن إلى هذا الوجه العابس وينهرها، وسألته هذا السؤال الذى بالفعل أعيانى عندما سألته لنفسى ، قال لى : لأنك أنت صديقى لايمكن أن أعوضك إنما هن فتيات ساقطات أصطاد منهن كل يوم من الطريق مثلما أريد ، أصابنى الوجوم وشردت للحظات كنت فيها صامتا وناقما من نفسى ومن صديقى ومن كل الدنيا ، كيف يأتى ذكر أمى التى كانت مثالا للفضيلة والحب والتضحية فى هذا المقام  الوضيع ومع من ! مع ساقطة ليتنى صفعت وجهها حتى أستريح 



كان هذا اليوم فاصلا .. يوم تحول بالنسبة لى أخذت فيه على نفسى عهدا بأن أحاول كسر هذا الحاجز الذى أقاماه أمى وأبى ،  وأفعل كل مايطرينى أن أفعله ويلذ لى أن أراه ، ويجعل عقلى الذى تبلد أن يفك قيوده بعد أن ران عليه البؤس كما يفعل الصدأ بالحديد يطمس معالمه ويشل تفكيره ، سأرجع وأفكر من جديد .. تفكيرا حلوا جميلا مستقيما متزنا فيه مايطمئن النفس ويبهجها ويصور له الأمال العذاب فى صورة جميلة يحيطها أطار مزخرف  من الأمانى التى كنت لاأعرفها وأصبحت أعرفها ، سأفعل ذلك فى الحدود التى تربيت عليها من قيم وشيم وأخلاق ،  وبالفعل بدأت أتقرب من الفتيات ومن السيدات  شيئا فشيئ ،  ووجدت أنه أمرا كان لايستحق كل هذا العناء  ، ووصلت إلى درجة كنت أتخير فيها من النساء مايروق لى منهن ، فكانت كل النساء اللاتى عرفتهن فى حياتى ، أجملهن  شكلا وروحا ، وأرقهن قولا ، وأسبقهن فى محاولة الوصول إلى قلبى ، وأحرصهن على إسعادى ، وتعجبت بعد ذلك من حالى إننى حتى الأن ومع كل هذه العلاقات  لم أشعر بالحب ، أننى كنت اكتشف مع كل علاقة جديدة  أنها كانت مجرد محاولة فى البحث عنه وفى النهاية لاألقاه ، فالعلاقة التى تفتر بعد صخب لم تكن حبا بل يمكن أن نسميها مودة أواحترام فقط ، إلا أننى عشت فترات طويلة أنعم بهذا الشعور الجميل رغم غرابته بالنسبة للرفيقات اللاتى كن يتساقطن من حولى كما تتساقط أوراق الشجر ، وكنت أسأل نفسى فى كل مرة قلبى يطرد فيها ساكنته إن لم يكن هذا حبا فما هو الحب ؟! أننى كنت أحلم فى أن أقابله يوما وأمنى نفسى أن أعيش فيه ، ولكن يبدو أن حظوظى معه ألا أعرفه بعد ، لذلك جاءت كل علاقاتى التى نشأت بينى وبينهن هى علاقة مودة وصداقة حقيقية . حتى عرفت مع مرور الأيام أنه لم يكن بوسعى أن أفعل أكثر من  تحويل الخوف الذى كان بداخلى إلى احترام ، لذلك توقف شكل علاقتى معهن ومع كل الناس عند حدود الإحترام والتقدير ، ولكن أصبح لدي ملكات وعرفت مع نفسى مقدار نفسى وعرفت أيضا مقدارى عند الأخرين ،  ومع من استطيع أن أتعامل وأصادق و أتكلم.. ومع من لاأستطيع . وعرفت أخيرا معنى خوف أمى وحرص أبى ، بأنه  كان شيئا مهما وعظيما ، وأن السياج الذي أحاطانى به كان ضروريا ، عرفت قيمته الأن بعد أن كبرت وتعلمت من الحياة الكثير ، تعلمت أن النفوس على اختلافها سر من أسرار الخلق  تدور فى فلك الدنيا : أسوياء ومرضى .. أنقياء و حقدة . وفى علم الفلك ربط النفس بطبيعة الأرض ووقت الميلاد وتوافقها مع المجرات والنجوم التى تحدد وإلى حد بعيد الأشياء التى تسعدنا والأشياء التى لاتبعث فى نفوسنا الراحة ، إنها أصعب رحلة للإنسان أن يقوم بها .. رحلة البحث عن الذات .. موقعك مع كل مايمكن أن يصادف حياتك من ناس ومواقف .لقد جاء اليوم الذى استطعت فيه التحكم فى شكل العلاقة مع الناس ولكنى مازلت أتخوف من نفوسها.

القاهرة فى ديسمبر 2023     

مع تحيات : محمد عصام