music

الاثنين، 25 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء السابع )

 


بدا المكان مشحونا قلبه ينبض بشدة وتتسارع أمام عينيه  كل الصور التى كانت تترى على ذاكرته لتعيد له كل المشاهد التى تقابل فيها معها ، ولم يستوعب بعد أنها ستمضى إلى حالها بلا رجعة . كانت عيناه ترقبان باب العمارة بحذر تلاحقان المشهد بلهفة وتوجس ، بينما كانت روحه معلقة وعقله  مشتتا يعد الثوانى فى انتظار قدوم الحافلة التى ستعلن بوقوفها أمام البوابة لحظة الرحيل الوشيكة . نبضات قلبه كادت أن تمزق قميصه ، وسرت فى أوصاله فجأة برودة مرعبة واقشعر كأنه سمع صوت النداء الأخير .. شفتاه ترجفان من شعور غريب اعتراه .. أخذت نظراته تتلفت فى عشوائية زائغة ثم نظر إلى الخلف وصمت . إنه لايريد أن يراها وهى تغادر أمامه بلا رجعة .. أقسى مايمكن أن يقهر الإنسان أنه لايستطيع أن يتحمل فوق قدراته النفسية وطاقته العصبية .. لذلك بدأ يشعر أن قدميه لاتستطيعان حمل جسده النحيل . ولكن تلك اللحظات أصبحت فارقة بالنسبة له استغرقها فى حيرة سويعات ، مرت كلمح البصر ، ود لو تتوقف عقارب الزمن ، ليتأمل ملامحها ماشاء فى هذه اللحظات الأخيرة ، لكن أمانيه تكسرت على صخرة الواقع حين لاحت الحافلة الكبيرة (ميكروباص) التى ستقلهم إلى تونس عبر المعبر الليبي .. تكدست الحقائب والأمتعة فى ردهة العمارة ، ولم تمضِ دقائق حتى بدأت عملية شحنها فوق شبكة السيارة . راقب من كثب وعن بعد حركة نقل المنقولات ، مشيعا إياها بنظراته قرابة نصف الساعة ، لاتفوته منها شاردة ولا واردة .. مرت برهة . ثم اتجهت عيناه لرصد الهابطين من العمارة ، أخذ يرمقهم بتفحص بالغ بحثا عن ميرفت .. وقف مجهدا صامتا ووحيدا .. لحظات بدت وكأنه أنفصل عن العالم بأسره ، حتى لاحت لنظره فلمحته .. نظرت إليه فى مشهد الوداع الأخير، تاه كل منهما فى هذه اللحظة ولكن لم يكن باستطاعته أن يفعل لها شيئا يطيب بها خاطرها .. لم يكن بمقدوره فى هذه اللحظة الفارقة التى ستفصل بينهما سوى أن يستوقفها ويفرد كفه ليحتضن يديها الحانيتين فى عناق أخير يودع فيه دفئهما للمرة الأخيرة ، ولكنه لن يستطيع ولم يجرؤ على فعل ذلك .. إلا من نظرة طويلة صامتة فيها كل المعانى التى طالما تمنيا أن يتكلما فيها معا ، عيناها فى عينه تملكتهما الدموع ، تحدثت جوارحهما ، احتضنها بأهدابه الجافة المتحجرة ، ثم مرت عليهما أقسى لحظات فارقة بصعوبة بالغة شاقة على نفسيهما . كان فزعها لمشهد الفراق هو الأكبر وهى تهم لتركب السيارة بجوار أمها .. كان المشهد مهوما بالحسرة وهى فى غياهب الحزن ، يبعث حرائق من قلبها وعينيها .. حقا إنها صدمة عنيفة ، فبعد قليل سوف يضيع كل شيئ ويتلاشى ، شرايينها أصبحت مستنفرة واحاسيسها تائهة كأغصان شجرة واتتها رياح عاتية فأخذت ترتطم بها بعنف فوق الجدران وقد ألقت بأوراقها بعد أن سقاها نعيم الحب حلاوته ، فإذا بالقدر يضرب أعماقها ويقتلعها من جذورها لتصبح يابسة فقدت ماتبقى لها من نفحات السعادة ، وهاهو القدر يقتلعها من مكان عشقته بجنون وتمنت أن تعيش فيه بقية عمرها . بدأت الحافلة فى التحرك ، وهى تشب من الشباك ملوحة بيدها وهى تبعد رويدا رويدا عن عينيه ، السيارة تجاوزت الشارع قبل أن تختفى عن نظره ، وعيونه كانت متعلقة بها حتى غابت ولم يرها ، تسمرت قدماه فى مكانها لحظات لايدرى إلى أين يذهب. 




         

عاد إلى منـزله متوترا حزينا .. دخل غرفته متواريا عن أمه حتى لا تراه على هذه الهيئة التى بدت على سحنته الواجفة .. حاول أن ينام ولم يعرف ، أفتكر الرسالة وراح يسحبها من جيب سترته .. تردد فى فتحها.. إنها رسالة الوداع الأخيرة .. لم يشأ أن يفتحها إلابعد أن تغادر احتراما لرغبتها التى وعدها إياها فتمالك نفسه ولم يفتحها إلا فى المساء بعد أن رحلت بسويعات، فإذا بكلماتها حارقة .. مؤلمة .

   "حبيبى :

عندما تكون كلماتى بين يديك ، أكون قد غادرت القاهرة فى رحلة طويلة بلا عودة .. إلى أرض غير الأرض .. وإلى سماء غير السماء.. بلد عربى أخر دون الوطن .. ذهبت إليه قسرا .. فلاحيلة لى فى السفر ، بل إنني أجبرت عليه .. إنها الحياة عندما تقسو وتجبرنا على أن نمضى فى طرق لانريدها، ولاتترك لنا فرصة للاختيار وتجعلنا نودع من تمنينا أن يكونوا معنا إلى نهاية العمر . لقد وضعتنى الظروف أمام أحد أمرين أحلاهما مر .. كنت بالأمس أعيش فى بلد أحببته وعشقت أرضه وتعودت على ناسه .. وطنى الثانى .. مصر الحبيبة .. عشت فيها أيام هى أجمل أيام عمرى ، وعندما التقيت بك وعرفتك تمنيت أن أعيش معك فيها عمرى كله من أجلك أنت . واليوم أغادرها ولكن من أجل العودة للم شمل الأسرة مرة أخرى بعد سنين عانينا فيها ألم البعاد وقسوة الغربة .. إننى ذاهبة أنا وأمى لنلتقى بأبى وأخوتى فى تونس التى سافروا إليها هربا من وطأة الإحتلال ، وهناك استطاعوا أن يعملوا ويجتهدوا حتى دانت لهم الحياة وأصبحت ميسورة الحال فتمكنوا من استئجار شقة تسمح بأن نقيم كلنا فيها ونستقر هناك إلى يوم العودة لوطننا .. ورغم فرحتى بلقائهم إلاأن البعد عنك سيؤلمنى أيضا لأنى سافرت تاركة أحلامى وطموحاتى وقلبى الذى لم أعد أملكه . إننى أكتب إليك بوجع الكلمات التى تحتوينى وكأن كل حرف انتزعه من قلبي انتزاعا قبل أن يصل إليك.. إننى لم أحب سواك .. ولم أختر أن أتركك ، ولابعدت عنك بإرادتى، لذلك سيصبح البقاء معك حلما أكبر من قدرتي على تحمله . كثيرا ماوقفت لأتأمل قصة حبنا ،  كيف كانت وكيف صارت .. وتعجبت من الأيام ، وغدر الأيام ، لأننى لم أكن أتخيل يوما أن أكتب لك هذه الكلمات وأنا أستعد للرحيل دون عودة .. وكيف سأعيش بدونك ؟! ، سؤال لم أكن أتصور أنه يخطر ببالى البتة.. كيف أنهى القدر ماتمنيته فى حياتى وعشته أخيرا ، كيف صدقت يوما بأنك ستبقى لى العمر كله  ؟!.. كأن القدر قرر أن يختبر حبنا اختبارا قاسيا فضغط علينا بمنتهى القسوة . إننى أعلم أن رحيلي سيؤلمك .. كما سيؤلمني فراقك .. ولاأتصور أننى لن أراك مرة أخرى .. وسامحني إن كنت قصرت فى حقك لأنني لم أستطع أن أبقى .. ولكن أرجو بعد ماقلته لك  عن سبب الرحيل .. أن يكون سببا مقنعا وكافيا لك ، ولاتكن قاسيا فى حكمك علىّ لوأخذك ظنك أننى كنت على علم بالسفر منذ مدة وأخفيته عنك ، وأنى خدعتك عندما لم أخبرك به .. فالسفر جاء فجأة وكان علينا أن نجهز أنفسنا له خلال يومين فقط ، والذى شغلنى وشل تفكيرى منذ أن عرفت به هو أن أخبرك فى حينه ، وكان منتهى أملى أن أشبع منك بأكبر قدر ممكن كى اختزله لأيام لاأعرف كيف أعيشها فيها بدونك ، ولكن جن جنونى لأنك تبدو وكأنك اختفيت .. ومع تسرب الوقت وأوشك على النفاد وجدت نفسى لاأستطيع أن أتحمل السفر دون أن أراك ، أو أتكلم معك أو حتى أودعك ولو بنظرة .. وبدأ الدم يغلى فى عروقى وأنا لاأعرف كيف أصل إليك ، وكنت أتلمس شتى الأعذار لأهبط إلى الشارع مرارا فى اليومين الماضيين كى أراك ولكن لاجدوى ، وبسببك غرقت فى هم مقلق ولوعة دافقة خلالهما ، وجاف النوم عينى طيلة ساعات الليل ران فيهما السهاد ، لأنك حرمتنى أن أحيا معك سويعات لأوثق عُرى صلتنا الروحية . وعندما أصابنى اليأس فكرت فى زيارة لمنزلك متذرعة بسلام أمى قبل السفر ، وكان الهدف الحقيقى أنى أحظى برؤيتك قبل أن أرحل عنك ، ولكن التردد أثنانى ، فآثرت كتابة هذه الرسالة وسأوكل طرفا من صديقاتى لإيصالها إليك لو أن قدرى أن أسافر ولا أراك .. فأرجو أن تلتمس لى العذر .. لأنى لاأريد أن تتألم بسببى من صدمة المفاجأة ، ورجائى إن مررت يوما بمكان جمعنا ، أو سمعت شيئا يذكرك بى .. فقط ابتسم بابتسامتك الحلوة التى كانت تعرف جيدا طريقها إلى قسمات وجهك الأبيض المشرق ، والتى كنت تقابلنى بها كلما أقبلت عليّ مبتهجا مسرورا فتغمرنا السعادة بما أناءه الله علينا من نعمه التى كانت سببا فى إسعادنا معا . وتذكر أن كل مااستطعت أن أفعله لك أنى تركت قلبى معك أمانة ، فهو لك وسيظل لك ، فصنه وحافظ عليه واجعل له مكانا دافئا فى قلبك .. أظل به بقايا وصال ، وأشلاء أحلام وراء باب موصود .. وإن كانت الأيام قد فرقت بين الأجساد ، فإنها لاتستطيع أن تفرق بين خلجات النفس وماتحمله القلوب ، وإن كان القدر لم يكتب لنا إن نكمل معا .. فإنه كتب لنا قصة حب كان وسيظل صادقا ولن يموت ، وسأذكره دائما بينى وبين نفسى ماحييت وسأعيش دائما على ذكراه . 

    حبيبى : 

إن أجمل ذكرياتى هى التى عشتها معك .. سأتذكركيف بدأت معك المستحيل ، وتكلمنا بعد معاناة ، ثم عشت معك أحلامى .. أجمل أيام حياتى ، كنت اتصور أنها ستطول ، وكانت نشوتى أنها تطول .. ولكن لكل شيئ نهاية ، فانكتب علينا الفراق .. جاء كإعصار من حولى استنفدت معه كل طاقتى ، فتوقف حبنا فجأة عند منتصف الطريق ، وتوقف معه العطاء لأسكب حكايتى معك فى خيالى وفى قلبى الحزين .. فهون على نفسك ولا تنسانى حتى ولو زهو الحب غادر .. وعش على أمل ربما يوما سأعود ، ولوالأمر بيدى لكنت وعدتك بالعودة وضمنت لك الوفاء بالوعود.

حبيبى : 

يكفينى فخرا أننى حققت الحب فى قلبك ، عانقت فيها مشاعرك الرقيقة ، لقد عشقتك فى الخيال من قبل أن نتكلم .. عشقتك من ابتساماتك ومن نظراتك .. وبعد أن تكلمنا صرت قريبا من نفسى ، وكأنى غدوت منك ، وأصبحت أنت بعضا منى .. كنت احتضنك تحت جفونى فأراك فى كل شيئ حولى .. كنت لاأرى غيرك ، وسيبقى عهدى معك أنى سأظل عالقة بك مثل بقايا العطور  .. تطل برائحتها من نوافذ ثيابك ولاتغادر الأنوف ، ومهما حاولت الأيام أن تمحوها ستبقى رائحتى فيك ترافقك  فى كل الدروب ، وسأظل أنا هكذا على العهد ولن أنسى ماكان لى من حب تحول إلى شجون .  

وختاما .. لك منى ألف سلام .. ومحبة وأشواق .. وإن كف الدمع عن الكلام .. تظل الحنايا فى آلام .. نبضها لايهدأ .. ولاتعرف سبيلا للمنام .. مستنفرة أيام كنا فيها على وئام ، وإن كنت عنك أغيب ، فإننى سأشرق فى ابتساماتك من جديد .. وسأعود كلما حل الربيع البهيج ، وسترانى فى وجه القمر كلما رفعت هامتك للسماء .. ونظرت لبهائه المضيئ .. وستجدنى مع تفتح البراعيم مستقبلة قطرات الندى على أوراق الزهور .. وستلمحنى كلما غضت الأغصان وترنحت بدعبات النسيم .. إننى سأظل على العهد مهما طالت بنا الأيام والسنين .. حتى ولو هدأ الحب فى قلبك .. سأذكرك أنا وحدى وأتوهم .. أنك مازلت تحلق فى مدارى .. وتحيا فى قلبى الوتين .

الوداع ياحبيب العمر ، يامن كنت لى والأخ والصديق والرفيق والحبيب ، وآخر ما سأقوله لك أنى أحبك حبا سيبقى أبد الدهر ولن يموت حتى المشيب .                                                                                                "حبيبتك المخلصة".

ما أن طوى الرسالة حتى انزوى فى ركن قصى ، يجهش ببكاء مرير ، ثم آثر العزلة متواريا عن أهله ، غارقا فى صمت ذهولى وذهن شارد لايتكلم .. بقى على هذا الحال حتى قلت شهيته للطعام وتقلصت وجباته فهزل وأصبح جسده واهنا نحيلا . تفرست أمه بقلبها الدليل على تبدل حاله ، فقد أحست أن الذهول صار ديدنه وغدا ظلا يلازمه حيث كبله بصمت مريب .. وهى بمشاعرها القريبة وحدسها العاطفى العميق لابنها لم يخف عليها هذا التبدل الغريب ، فعلاقتها به يجرى منها كجريان الدم فى العروق ، ومن غيرها يلاحظ هذا ويستكين ، إنها أول من فى البيت أحست مااعتراه من تغيير ، وعندما سألته لم يستطع أن يقول لها شيئا ، لذلك دأب على محاولاته المتكررة فى الهرب من نظرات عينيها التى كانت تلاحقه بها ، وخاصة أنه سهل عليها جدا أن تكتشف مابه وحتما ستعرف إذا أرادت . ومن ثم كان يلوذ بالشارع فرارا من حدة هذه النظرات المتفحصة ، يرسف فى حاله .. غارقا فى يأسه الذى ألفه حتى صار جزءا لايتجزأ من كيانه ، فإذا بعينيه ترى أضواءه باهتة .. أحس بفراغ فى الطريق .. وسكونه المريع إلا من هبة هواء رطبة لفحت وجهه بشيئ من برودة الجو أحس كأنه السقيع .. إنه يكاد يفقد حواسه .. عيناه الزائغتان تتجهان نحو العمارة التى كانت تقطنها ميرفت وأمها وجدها كالأطلال .. مظلمة إلا طفيف أضواء تناثرت من نوافذها .. وعلى امتداد الشارع ترامى وراءه الفراغ الفسيح يلفه وشاح من الظلمة والوحشة والصمت المطبق الحزين . إن حزنه سيطر عليه ولم يعد ينشد الراحة فى أى شيئ .. خطواته ثقيلة .. تنقلها قدماه ببطء شديد وصعوبة بالغة.. ومع ذلك لم يحاول التوقف .. أخذ يجرهما جرا ، وعندما بلغ العمارة أشاح بوجهه إلى أعلى تجاه الشرفة التى كانت تقف فيها ميرفت والتى كان يطريه أن يراها وهو فى قمة السعادة . فجأة استوقفته لافتة لم يلحظها من قبل ، وما أن حدق فيها عبر نطاق الضوء الكافى وسط الظلمة المحيطة بالمكان  ، حتى تبينت له أنها مكتوبة بخط يدوى مرتجف : " الشقة للإيجار " . تجمد فى مكانه ، وأطبق الصمت على أنفاسه وهو يطرق برأسه ، لتشق دمعتان حارقتان لاهبتان مجراهما على خديه ، ثم نكس رأسه إلى الأرض انكسارا ، ومضى لحاله  . 

       "انتهت القصة ولم ينته الحب"

  مع تحيات : محمد عصام                                         القاهرة فى : 25 مايو 2026




الاثنين، 18 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء السادس )

 


مرت أيام عاشا فيها أجمل أيام عمرهما حيث تكررت لقاءاتهما العفوية الجميلة . أما هو فكانت السعادة لاتسعه بل تعدت ذلك بكثير إذ رأى نفسه أنه ليس من أهل الأرض .. حيث أن خياله الخصب حلق به فى مدار السماء ليطوف به على سحابة بيضاء إلى آفاق لم يتسن لأحد قبله أن يصل إليها ، وأدرك أن نعمة الحب واتته وبه أصبح يعيش أجمل أيام عمره ، وتعجب من خجله الذى كان سيكلفه إقصاء هذه النعمة عنه ، نعمة لم يكن ليشعر بها إذا أصر على انطوائيته . أما هى فقد شعرت بالحب يسرى في كيانها الأنثوى . وأنها ولأول مرة تشعرأن قلبها ينبض ويدق على رأسها بقوة ويجعلها تحلم بالليل وتسرح النهار .. إذ أن الحب حول حياتها إلى نعيم مقيم ، بعد أن عاشت وهمه فقط فى القصص التى كانت تسمعها وتقرأها ولكنها لم تكن لتشعر بما تشعر به الأن من جمال فاق كل حد . مرت عليهما أيام ومضت ليالِِ، عاشا فيها أجمل أيام عمرهما .. ليتها دامت ، فقد كانت أجمل وأحلى مافى الحياة . ولكنها الدنيا .. وماأدراك ماالدنيا .. فلكل شيئ إذا ماتم نقصان .. فلا يُغَر بيطيب العيش إنسان .. وماحلا صفو عيش إلا وكُدر بزواله .. وهاهى الدنيا لاتُبقى على أحد ولاتدوم فيها سعادة مهما طالت .. ووهج الحب وإن طالت شعلته لن يستغرق عمرا ولاشيئ فيه يبقى على حاله . ففى أحد الأيام التي أعقبت أجمل حلم عاش عصام حقيقته وجد نفسه يواجه مالم يخطر على باله . فى صباح ذلك اليوم المشؤوم وقفت ميرفت فى الشارع ترقبا لظهوره .. على غير عادتها ، شاردة الذهن واجمة تقلب بصرها فى وجوه المارة القادمين فى الاتجاهين بشغف ، عيناها شاخصتان معلقتان بالطريق فى قلق بالغ ، وماأن رأته حتى أقبلت عليه فى لهفة . رمق خطواتها المتناقلة ، وقد أوشكت على السقوط من فرط الإعياء ، وعندما أقتربت منه أكدت عليه ضرورة مقابلتها بعد منعطف الشارع لأمر طارئ لايحتمل التأجيل .. تفرّس فى وجهها فرأى أنفاسها المتلاحقة غشاها الذعر ، ويديها ترتجفان بارتعاشة .. وبدت مكفهرة الوجه  تتراقص ظلال أهدابها الطويلة على خديها المتقدين كأنهما جذوة من نار .. مدت أناملها المرتعشة إلى عينيها الجميلتين وجففت بعض الدموع . بدا القلق ينتابه بشدة عندما شعر بما يشبه الضيق يطبق على أنفاسها ويكاد يخنقها . واجهته بانزعاج بالغ ، فقد أضناها البحث عنه يومين ، تترقبه بلهفة أى سانحة لتبلغه بالأمر ، ولكن أعياها الأثر ، وأُغلقت فى وجهها سبل الوصول إليه ، حتى رأته فى ذلك اليوم الذى سوف يشهد سلسلة من الأحداث لم يكن بالإمكان أن يتوقعها ولاتخطر بباله أن تأتى بهذا الشكل . أخذ ينظر إليها .. وينظر .. وينظر ، إلى أن أغمض عينه ، بعد أن أبلغته بأنها ستسافر عصر اليوم ولن تعود ، الصدمة جعلته لايريد أن يسمع منها أى شيئ أخر .. سكت ولم يستطع أن ينبس بكلمة من هول الصدمة وكأن صاعقة من السماء انقضت عليه لتتركه حطاما عاجزا عن الحراك والتفكير .. أطبق على رأسه بكلتا يديه كى يمنعه من الانفجار والتطاير .. حتى أوصاله اضطربت أشد الاضطراب.. وأسودت الدنيا فى عينيه ، ورفع لها وجهه الفاقد لكل معانى الأمل وقد ازدرد ريقه، وغاب عقله المشتت بين الحقيقة المرة والتمنى . إن عقله لم يستطع استيعاب الموقف حيث أدرك أنها هذه اللحظات ستكون هى اللحظات الأخيرة التى سيتكلم فيها معها . كانت أعماق الاثنين تموج بانفعلات شتى ساد الصمت خلالها .. صمت أليم موجع . تساقطت دموعه صامتة كخيوط خفية لتستقر عند شفتيه ، مد طرف لسانه يقتات دمعة مالحة ساخنة بمرارة ألم فاق طاقة احتماله . أما هى خانتها عيناها ، فاستسلمت لغزارة دموع انهمرت وأبت أن تعرف طريقا للحبس .. دموع متمردة على محاولات الكبح كجدول حزين لايكف عن التدفق . كان هو أول من حاول جاهدا التماسك بأن يسيطر على دموعه كى يركز معها ويستوعب كل كلمة تقولها حيث رفع إليها بصره وقال لها فى مرارة : لا تصعبى علينا الموقف أكثر من هذا ، ماعدت أقوى على التحمل ، فكل شيئ تقريبا قد انتهى . حاولت تضميد انكساره وبث أمل واهن فى نفسه ، بينما كانت هى ذاتها غارقة فى دمارها ، تتحدث بكلمات لاتعيها ودموعها تسابق كلماتها حتى غمرت وجهها دون أن تشعر فقالت له : ولكن ربما نتقابل مرة ثانية ، مين عارف . قال لها باقتضاب : وماذا يفيد ذلك الأن؟ ثم صمت . أطرقت برهة ، تترقب منه كلمة تجبر كسرها . لكن بدا على عصام أثر الصدمة التى أصابته بعنف حيث لزم صمتا أخرس .. عاجزا عن التدارك . أحست ميرفت بتقلص وجهه وبدا لها كأنه قدُ من حجر . ثم نظر إليها بإشفاق بعد أن جثم الحزن على كامل هيئته ونطق بعد فترة صمت طويلة والدموع تغالب عينه : إننى لاأجد ماأقوله .. ثم أشاح بوجهه عنها ولم يستطع النظر فى وجهها العابس الذى امتقع لونه وأكفهر . أما هى سكتت فى وجوم ولم تجد أيضا ماتقوله سوى أنها واصلت دموعها المنهمرة الهاطلة التى تبكى تباريح الحياة والمكان .. ثم عادت لحظات الصمت بينهما من جديد .. الصمت الذى لم يكن وراءه إلامجهول .. إذ لم يعد هناك مجال لكلام يُقال . انتهى اللقاء الصعب عند هذا الحد ، استأذنت حتى لاتغيب عن أمها فالساعات المقبلة متخمة بتجهيز الشنط والمنقولات والأمتعة . وقبل أن تمضى مددت يدها وأخرجت من جيب معطفها ظرفا أغلقته بإحكام ، وبدا عليها ألم مروع .. كانت تُطبق على الظرف بعصبية وهى تدسه فى جيبه وتهمس له : عصام يمكن مش هنشوف بعض بعد كده ، ولاأتصور الحياة بدونك وهتشتاق إليك كثيرا ، من أجل هذا سأترك لك هذه الرسالة فيها من نبضات قلبى .. وفيها من دموع عينى .. وفيها كل إحساسى ومشاعرى وعواطفى تنبض مع كل حرف كنت أكتبه لك .. وهذا أخر مايمكن أن أمنحك إياه .. إنها ليس رسالة فحسب وإنما وثيقة حبنا .. احتفظ بها واجعلها تذكارا من أحبتك بكل جوارحها . وأرجوك ألا تفتحها إلا بعد أن أغادر . سكنت ولكن جسدها كان يصرخ بانهيار تام وينتفض لاإراديا .. فما بعد هذا الصمت إلا الفراغ . أخذت خطواتها تجرها من أمامه فى إطراق ،  وكلما بعدت خطوة من أمامه تلفتت وراءها وتنظر له بنظرات حانية تريد أن تملأ عينيها بكامل صورته لتحتفظ بها على الدوام . أما هو لم تعد أعصابه تستطيع تحمل هذ الموقف ، فالرجوع لايفيد والفراق يطرق أبوابه بعنف ، أخذ يتابع خطواتها حتى غابت من أمام عينيه ثم تلاشت . تسمرت قدماه ولم يستطع أن يتحرك ولم يصدق نفسه أنه لم يرها بعد اليوم .. ولن يسمع صوتها بعد هذه اللحظة .. وإنها ذاهبة وستغدو ملامحها فى ذاكرته مجرد طيف أو صورة مرتسمة فى قلبه وعقله .. وعيناها التى طالما تمتع بالنظر إليها ستصبح مجرد وهم .. وصوتها فى أذنه مجرد رجع صدى بعيدا ، بعد أن كانوا جميعا حقيقة أيامه . إن حبهما سيغرق فى غياهب الزمن القاسى ، لتنتهى حكاية المشاعر الحقيقية وتصبح مجرد خيبة أمل تطوى معها كل شي إلى الأبد .

   وإلى لقاء أخر فى الجزء السابع                                  

مع تحيات : محمد عصام                                      القاهرة فى : 18 مايو 2026                                           


                                                                                                                                                                                   

الاثنين، 11 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الخامس )

 


انشرح قلبه من هذه اللقاءات التى أتت بها السماء ولم يكن ليتصور أنه ستأتيه بهذا الشكل ، لقد التقى بها مرة ومرتين وهاهو سيلتقى بها مجددا بعد يومين .. ماأقسى الانتظار ، أخذ يعد الساعات والدقائق والثوانى حتى جاء الموعد المنتظر لاستلام ملابس أمه الجديدة ، وأحس بلهفة إلى الذهاب كى ينعم بلقائها .. أخذ يستعد لهذا اللقاء منذ مطلع النهار ، حيث صحا مبكرا مع إشراقة هذا اليوم وبدأ فى تهيئة نفسه معنويا إذ أخذ يتأنق بأفضل ملابس عنده .. وبعد أن صفف شعره أخذ يتزين ويتعطر .. حتى صار العطر يفوح منه .. ولمسة الأمل تترقرق فى وجهه . ذهب وهو يحمل بين جنبيه حنينا جارفا لميرفت التى أزاحت عنه ستار الخجل وأعطته قبلة الحياة وسمحت له بالحديث معها . كان سعيدا بأنه كان يكتشف فى كل مرة يلقاها كوامن جديدة غير جمالها الغض الذى يبدو فى أوج روعته ودلاله من دقة تفاصيله التى تبهر العيون .. حيث ظهرت له مخلوقة عجيبة .. مرهفة الحس .. طيبة القلب .. نقية السريرة.. شديدة الذكاء .. رقيقة لطيفة .. حلوة الحديث ، وجد جمال باطنها لايقل عن جمال ظاهرها بل أكثر بكثير مما كان يعتقد . شرع ليرتقى درج السلم إلى الطابق الثانى قفزا وكأنه فى سباق قفز حواجز .. إنه يريد أن يسابق الزمن حتى بلغ باب الشقة ووقف أمامها ، ثم راح يدق جرس الباب بلهفة .. كانت الرنة صغيرة فيها إبطاء .. بينما هو أراد أن يجعلها بوقا يوقظ به سكان العمارة ، وماهى إلا لحظات حتى سمع وقع أقدام خفيفة تقترب من الباب ، كان قلبه يخفق بعنف كلما اقترتب الخطاوى ، ثم انفتح بهدوء نصف فتحة ، ورأى أمامه مدام صفا تقف فى فرجة الباب الموارب كأنها تسد عليه الطريق إلى الدخول ، فقال لها فى لهفة ونفاد صبر : مساء الخير ، أمى ترسل لك السلام وتسأل حضرتك هل الملابس جاهزة للإستلام اليوم ، قالت له : نعم فلتنتظر قليلا ، ولم تدعه للدخول . كان استقبالها له باهتا . وقف مصدوما فى كل شيئ كان يمنى به نفسه ثم تحطم وانهار ، وفى لمح البصر تبخرت أحلامه .. وتأجلت السعادة .. وأقفرت الدنيا فى عينه . عادت مدام صفا حاملة لفافة مغلفة بعناية .. كان الغلاف أنيقا للغاية .. أعطته أياها ، وقالت له : لاتنسى أن توصل سلامى لأمك .. الست الفاضلة وقل لها أن مدام صفا تود أن تراها مجددا . حمل لفافة الملابس ثم شكرها وقام بتحيتها ، وراح يهبط درك السلم بخطوات متأنية للغاية فى خذلان بعد أن ضاعت فرصة العمر التى ربما لاتتكرر مرة أخرى والتى أوقف عليها سعادته العميقة وفرحته الكبيرة التى طغت على قلبه وعقله وكانت قد وصلت لأوج عنفوانها منذ قليل ، والأن هو يشعر بانكسار الروح وغصة بالنفس ، ووجد نفسه واقفا فى مدخل العمارة مكسور الخاطر يلعن فيه صفعات القدر وانحسار الأمانى . طالت وقفته بعض الوقت دون أن يغادر .. وقف قلقا حائرا ، لايدرى ماذا سيفعل غير أنه سيعود لمنزله خائب الأمل حاملا فى يده اللفافة الأنيقة وبداخلها ملابس أمه الجديدة ، ثم بدأت خطواته تتحرك فى بطء صوب الشارع فى اتجاه منـزله ولم يكن يخطر بباله قط أنه سيلتقى بها . فجأة لمحها وهى مقبلة على منـزلها عائدة من حيث أتت ، وعندما رآها ، أخذه الذهول ، ولم يصدق بصره .. فطفق يفرك عينيه غير مصدق .. وخيل إليه أن قلبه على وشك أن يقفز من مكانه . تهلل فرحا محاولا لفت نظرها بوجوده ، شاور لها ولكنها لم تتبينه ، حيث رأى أن خطواتها تتباطأ وعيناها تبحثان فى حيرة عن الذى يلوح لها بيده . أدرك أنها لم تره وهمَّ أن يذهب إليها ليقول لها : أنا هنا . ولكنها أبصرته واتجهت نحوه مباشرة كأنها تريد أن تباغده فى مواجهة لتضعه أمام الأمر الواقع .. مدت يدها وصافحته وشدت على يده ومازالت يعلو ثغرها ابتسامة حلوة خجلى .. مرت فترة من الصمت سمعت خلالها دقات قلبه وكأنه ينتفض ويكاد ينخلع من صدره ، وهمت أن تقول له شيئا وكأن فى عينيها قرارا .. أو اعترافا وتسليما لبداية علاقة لاتدرى مامداها .. جوارحها تحمل له عتابا وشوقا ورجاء . أشارت عليه أن يبتعدا عن الشارع ويسيرا فى اتجاه ميدان الظاهر .  

 

ومشيا جنبا إلى جنب أحس بمتعة شديدة والراحة تملأ نفسه عندما شعر بها تسير بجواره .. بل تتبعه فى استسلام .. وجهها المشرق مكسو بنفس الابتسامة المتلالئة ، بدأت هى بالحديث بدعابة عن توقعها ذهابه لمنـزلها ولم يجدها .. فسألته متغابية بخبث أنثوى ظاهر وعيناها تلمعان بالمعرفة .. هل كنت عندنا اليوم ؟! ، فهز رأسه بالإيجاب ، فعادت وسألته : هل كنت تتوقع وجودى وأنا سأفتح لك الباب .. أومأ برأسه وقال لها : للأسف نعم ، قالت : ولماذا للأسف ، قال : لأنى كنت أتمنى وجودك . نظرت إليه نظرة طويلة ثم هزت رأسها ببطء وقالت فى صوت منخفض .. أظن أننى فهمت الأن . أصابه الارتباك وشعر بالخجل وهى ترمقه بنظراتها حتى أحمر وجهه وتوردت وجنتاه ولم ينبس ببنت شفة وأردفت وهى تقول :

ـــ أليس من المفترض أن تسألنى ماذا أنا فهمت ؟! أم ستظل هكذا مكسوفا طول الوقت 

ـــ أنا .. 

ـــ نعم أنت بالطبع ، فليس من المعقول وأنا أكلمك تنظر لى فقط ولاتتكلم .. ولست أدرى إلى متى ستكون مكسوفا بهذا الشكل .. أرجوك عندما أكلمك ترد علىّ . وتعالى هنا منذ متى ونحن نرى بعضنا البعض وكلما كنت ترانى تبتسم ولم تحاول فى أى مرة أن تكلمنى .. رغم أننى استقبلتك عندما جئت فى بيتنا وبدأت بالكلام معك ، وبعد هذا تصورت أننا سنتكلم فى أى وقت أراك فيه ، ولكن حدث العكس تماما فى اليومين الماضيين عندما رأيتك فى الشارع ورأيتنى توقعت إنك ستقبل علىّ لتسلم وتكلمنى ، إلا أنى تفاجأت بإنك نظرت ناحيتى ثم أشحت بوجهك عنى ومشيت ، والأن تهرب من الرد على كلامى ، قل لى صراحة ماذا تريد منى؟ .. من فضلك أريد أن أعرف .

ـــ كنت أريد أن اتكلم معك ولكن لم أكن متأكدا من إحساسك بي .      

ـــ أى إحساس هذا الذى تبحث عنه ، وأنت فى الأصل لم تحاول فعل أى شيئ يدل على وجوده .. كيف تطلب أثرا لإحساس وأنت لم تُبد له دليلا ؟ ياأخى من يطلب إحساسا فليقدم أسبابه أولا.. لذا أجدنى مضطرة لسؤالك ، وأرجو منك الصراحة التامة : كيف ترانى أو كيف كنت ترانى؟!.  

ـــ كنت أراك بقلب نقى وبعقل واع ، ولكن لم أتوقع غير صدك لى .. مثلما فعلت مع الأخرين أو لم أكن أتوقع أن أجد منك قبولا ، وربما هذا هو الذى صعب علىّ محاولة منح نفسى الجرأة الكافية للكلام معك أو حتى أنطق بأى كلمة .

ـــ أنت إنسان غريب جدا .. من أجل الذى قلته سوف أصدك وأصدمك الأن ، اسمعنى جيدا .. من الأخر لو أنت معجب بي قلها لى صراحة ، نعم قلها فى وجهى بدلا من اللف والدوران ، وثق أننى أعرف جيدا كيف سأتعامل معك دون أن أجرحك حماية لقلبك إذا كنت تخشى عواقب المواجهة فى حالة الرفض ، إنما تتهيب مواجهتى وتُراوغ بالتلميح خوفا من أننى أصدك أو مثلما تقول مراعاة لمشاعرى ، وتكتفى بإيماءات خجولة ، مُراهنا على ذكائي وعمق فهمي ظنّا منك أننى سأفهم حيرتك وصمتك وأننى سأشعر باحساسك تجاهى بكل بساطة هكذا .. أعتقد أنك ستكون مخطئا .. لم تعد هناك أى فتاة تحب الشاب المنطوى الخجول بهذا الشكل الذى أنت عليه .. أى فتاة ياعزيزى تحب الشاب الطموح المرح الذى يعرف كيف يقنعها بشخصيته ويعرف أيضا كيف يصل لقلبها وعقلها .. وأنا أرى أن الشخص الذى لم يكن على قدر المواجهة عليه بالإبتعاد أفضل له ولايتعب أحدا معه .. وطول عمرى أكره الإنسان الحذر والمتردد والضعيف ومع ذلك لم أرك بهذه الصورة لأنى قرأتك جيدا ولدى القدرة على تحليل شخصيتك .

ـــ كيف !! ...

ـــ ألم تعلم إنى أعرف عنك كل شيئ .. أعرف عنك خجلك الشديد رغم أنه لاتنقصك القدرة .. ولكنها الثقة والجرأة والإقدام ، لأن الإنطباع الخارجى عنك والذى يراه الناس يختلف كل الإختلاف عن الذى يحتويك بداخلك ، وأنت لم تكن عاجزا أو ضعيفا بل تملك القدرة ولكن لاتستطيع أن تتعدى النطاق الضيق الذى حبست نفسك فيه أو الذى حبسوك فيه ، فكان لابد أن تخرج من ذلك النطاق وتحس بالأنظار التى تتطلع إليك وتحب أن تتعامل معك ، وقتها ستتعرف على الناس أكثر وتعرف كيف تتعامل معهم بسلاسة وسهولة .. ولكن خانتك الثقة وطارت منك .. وتملكك الخوف والاضطراب ، وبالطبع أنا لاأعرف السبب الذى وصل بك لهذا الوضع رغم امتلاكك لكل المقومات التى يحلم بها أى شاب فى الدنيا ويتمنى أن يتصف بها . لقد حيرت نفسك وحيرتنى معك ، ولم أكن لأغفر لك ، ولولا أننا تكلمنا لكنت حملت في قلبي غصة منك ، ولأبقيت نفسي واجدة عليك .. وكنت سأتحين أى موقف لأحرجك فيه بأشياء لايمكن أن تخطر على بالك .. بيد أننى لاأعرف ماذا سأفعل وقتئذ .. ولكن كنت سأفاجئك بأى شيئ يضايقك ليس مثل مافاجأت بها غيرك ، لأن الفارق واضح لدى ، والسبب سأحتفظ به لنفسى ولن أقوله لك . فكان لابد أن تجعل الشجاعة تملكك ويكون لديك الجرأة الكافية لتؤازرك كى تستطيع أن تدافع بقوة عن إحساسك بحبك مهما كانت العواقب ، ووقتها كنت ستعرف إحساسى بك منى أنا . وعلى الأقل ستكون أفضل بكثير من الذين حاولوا أن يتكلموا معى وكان يعلمون إنى سأصدهم لكن لم يهابوا أو يخافوا مثلك وفعلوا مثلما أنت تقول ، وماأكثر الناس الذين أتصدموا ولم يحدث لهم أى شيئ . 

ـــ للعلم أنا فكرت أكثر من مرة إنى أكلمك، لكنى كنت أتردد وأطلب من قلبى أن يتمسك بقليل من الصبر حتى أتحقق من شعورك ناحيتى ، لإنى لاأستطيع تحمل صدمة .

ـــ  أى صدمة التى تتحدث عنها ، وللمعلومية أنا لم أرك إنسانا ضعيفا حتى تقول هذا الكلام .. بل لديك ملكات ولكن لاتعرف كيف تستغلها أو كيف توجهها .. بسبب عدم ثقتك بنفسك . لقد كنت ابتسم لك بين الحين والأخر لأشجعك على الجرأة حتى تجد سبيلا وتحاول أن تكلمنى ، ولكن حين استبد اليأس منى ، توارت ابتساماتى .. إذ خُيل إلىّ أن كبرياءك ماهو إلا استهزاء واستهتار بى ، لذلك كنت ترى وجهى وقد تبدل لوجه عبوس متجهم حين أراك وكنت لاأستطيع كظم غيظى منك . وهل يعقل فى الدنيا أن من يبتسم لأحد سيصدمه ، وعلى فرض أنى سأصدمك أليست الصدمة ستكون أخف وطأة وأهون من لغة العيون الزائغة وابتساماتك المستباحة التى لايرجى من ورائها طائل والتى لم تكن لتوصلك لشيئ ، بل العكس كان ممكن تخسرك كل شيئ .. كان ممكن مثلا تخسرك حب الناس لأنهم سيرونك بشكل أخر مثلما كنت أحيانا أراك .. تبدو لهم وكأنك تتعالى عليهم أو تستهون بهم ، فكنت ستخسرهم وتخسر كل شيئ أنت أحببته وكنت تتمناه . 

ـــ حاولت ولم أستطع وكنت خائفا أن أعمل لك مشكلة .  

ـــ لست أدرى لماذا تقارن نفسك بمن كانوا يضايقوننى ، أنت غيرهم تماما بالمناسبة ، وعمرى ماكنت أفعل معك بالذى فعلته معهم وأشكوك لأمى وأسبب لك مشكلة أعرف مدى تأثيرها عليك . وأكررها لك ثانية أنه كان واضحا من نظرات عينى إننى كنت متقبلة الكلام معك .. ولم أبد لك مايجعلك تظن  أننى لاأريد أن أكلمك بالعكس كنت مرحبة جدا .. وحتى ولو لم أشعر تجاهك بأى مشاعر كنت أتمنى أن أتكلم معك كأصدقاء .. أليس من الممكن على الأقل إننا نكون أصدقاء ، أنا أحب الناس .. وليس أى ناس .. أحب الناس التى أجد نفسى فيهم وأحس أنهم قريبون منى ، الحياة فى مصر علمتنى هذا . بعد إذنك والأن ومن غير لف ولادوران ، ماذا تريد منى ؟!.         

ـــ لاأعرف .

ـــ  براحتك .    

ـــ  ألم تقلى الأن إننا نكون أصدقاء .  

ـــ أولا أنا لم أقل هذا ، أنما قلت على الأقل ممكن نكون أصدقاء ، وهذا فى حالة عدم وجود مشاعر بيننا ، وقلت هذا من أجل أن أطمئنك فقط .. إننا ممكن نتكلم مع بعض تحت أى مسمى .

ـــ إننى لاأريد أن نضحك على أنفسنا ، لأنه لايمكننا أن نكون أصدقاء .                                     

ـــ ممكن أعرف السبب .  

ـــ بسبب .. بسبب .. بسبب أنى أحبك وصورتك لم تفارق خيالى ليل نهار ، ولاأستطيع أن انساكى ولاعندى المقدرة بألا أفكر فيك ، ولكن شعرت فى نظراتك تعاليا ، لذلك كنت أتعمد ألاتشعرين باهتمامى بك ، رغم إنى كنت أحيانا لاأطيق أن يمر يوم دون أن أراك فيه ولاأستطيع أن أمنع نفسى من الضيق إن غبتى يوما عنى ، أو الفرحة إذا رأيتك .. وكنت لاأنقطع عن التفكير فيك طيلة ليلى ونهارى .. رغم أنها كانت فى البداية مجرد احساس من داخل نفسى .. بدأ خفيفا ، وكلما رأيتك كان يكبر ، لدرجة إنه جاء اليوم الذى لم أستطع التحكم فيه ، وفى نفس الوقت لااستطيع أن أفرضه عليك .. كنت دائما أحاول أقنع نفسى بإنه مجرد شعور خاص بى لايستدعى أن ازعجك أو اشغل بالك وتفكيرك به وأسبب لك ضيقا . ولكن المسألة بدأت تتطور بالنسبة لى .. وبدأت أشعر أن بيننا شيئا ، ذلك الشيئ اعتبرته ودا صامتا كالذى يسرى بين أى طرفين عند بداية وجود مشاعر بينهما.. لايفصح عنه إلا نظرة أو بسمة .. لذلك كنت أنظر إليك وابتسم .          

ـــ ياه أخيرا نطقت .. تعرف أنت فعلا تعبتنى وأخذت من تفكيرى وقتا كبيرا . وتعالَ هنا من قال لك إننى أنظر إليك بتعال .. أليس من الممكن أن تكون هذه نظرة إعجابى بك ، لماذا لم تفهمها هكذا .

ـــ هذا إحساسى الذى كنت أراه من نظراتك لي ، كنت أحسها أحيانا إنها نظرات فيها قسوة .. حادة .. حارقة فيها شرر أربكتنى وجعلتنى لاأستطيع أن أحدد ماذا تريدين بالضبط . أنا أحببتك فى صمت ولم أكن متعجلا فى الكلام معك ، فقط كنت خائفا من إحساسك بي ، لأنى أعرف ماذا تعنى كلمة حب .. وأعرف مقدار وحجم الصدمة إذا فشلت فيه ، لأنى شغلت تفكيرى بنا نحن الاثنين وليس فى نفسى فقط ، لأن الحب لم يكن أنانية .. بل هبة ، وربنا هو اللى كتب لنا إننا نشوف بعض ونحس ببعض ، وأنا كنت فرحان لأنى بدأت أحس ولأول مرة بمشاعر حقيقية .. وكنت أقول لنفسى هو الحب إيه غير قلبين عطفوا على بعض وحسوا بسعادتهم فيه ، علشان كده كان يهمنى أعرف إحساسك بي  

ـــ خلصت كلامك .   

ـــ أه خلصت كلامى .. وقلت مالم يستطع لسانى أن ينطق به من قبل .. ولم أعرف كيف قلته الأن بلاخوف ولاتردد ولامواربة ، لكن الذى أعرفه أنى ارتحت كأنما كان على صدرى جبل جاثم وانزاح ، وصدقينى أنا هذه المرة مرتاح ولن أزعل من أى رد فعل منك مهما كان ، ولو كلامى ضايقك ممكن تمشى لوعايزة . 

ـــ أه طبعا همشى بس كنت عاوزه أقولك أنت غلطان فى تقديراتك .. ومش بتعرف تقرأ اللى قدامك كويس ، وكنت دايما بسأل نفسى عنك أنت بتبصلى علشان معجب بيا ولاده غرور منك . وأنا عمرى مافكرت فى حد بالشكل ده ، لكن معاك أنت الوضع اختلف .. ياترى ممكن يكون معجب بى ولا مش ممكن .. ولو معجب بى ليه بيكتفى ويبص لى ويبتسم وبس وماحاولش يكلمنى ، ومع ذلك ابتسمت مثلك علشان أشجعك .. وفهمت نفسى علشان ارتاح أن فيه قلوب فى الحب مش بتعرف تتكلم ومبتعرفش تعبر عن نفسها ، لكنها لاتخطئ احساسها .. بل وممكن يكون احساسها أقوى بكتير من اللى بيعرفوا يتكلموا ويعبروا عن احساسهم اللى جواهم كويس . ورغم إنى ماكنتش بفكر ممكن أعجب بأى حد لكن أنا معملتش كده معاك ، أول ماشفتك وأنا لقيت نفسى بفكر فيك ، وكنت بسأل نفسى ياترى ده اسمه إيه! .. ياترى هو ده الحب وكنت بقول لنفسى ممكن ليه لا ، لكن لما مالقتش منك استجابة ، حاولت أبعد أيا كانت بقى الأسباب وقتها ، لكن كنت عاوزه أخرج من حكايتك وأنا بتمنى لو كنت معاك ، أنت خلتنى أحب كلمة ممكن ويمكن حبيتها أكتر لما حاولت أبعد عنك ، أنت اللى خلتنى أحبها ، وقلت لنفسى ممكن تحاولى أنت وتحركى مشاعره وتكلميه .. وأنا كنت عارفه إن ده تجربة صعبة على أى بنت إنها تحاول تتجرأ وتبدأ هى بالكلام مع اللى بتحبه ، وكنت راسمه سيناريو إنى أول ماأكلمك أدلل عليك شوية .. حاجة من اللى بتحفظ كرامة البنت علشان مافيش بنت هى اللى بتبدأ بالكلام الأول .. كنت أقولك أنك ماتحولش تبص لى تانى .. وأمثل عليك إنى مش حابه أتكلم معاك مع إنى كنت بحلم بك كل ليلة ، كنت بحس وأنا بفكر فيك بالأمان وماكنتش عارفة ليه وإيه مصدره .      

ـــ يعنى لو كنت كلمتك كنت هتعملى كده .

ـــ أه كنت هعمل كده ، وكنت عارفه إنك هتتصرف إزاى؟ ، وكنت عارفه برضه أزاى هأحتويك؟ ، يعنى كنت أعرف ألحقك ، وعمرى ماكنت أفكر إنى أخسرك أو أفرط فيك ، تعرف ليه ولا مش عاوز تعرف دى كمان .

ـــ لا . عاوز أعرف .

ـــ أنا لن أفعل مثلك وأتلبخ ، وسأقولها لك بكل بساطة .. لأن ليس هناك مايخجلنى ، ولايوجد شيئ يجعلنى أتردد وأنا أقولها طالما عندى ثقة فى نفسى ومتأكدة من أن إحساسى صادق .. وأن مشاعرى معك حقيقية ، وأن الحب عمره ماكان عيبا ولاخطأ .. من أجل هذا أقولها بملئ الفيه وأنا فى كامل وعيى .. أنا كمان حبيتك ، وكنت بشوف كل حاجة حلوة من خلال تفكيرى فيك ، وكنت باستغرقك وبستوحى كلامى معك .. يعنى كنت بتخيل ده مع نفسى حتى شعرت بأن تيار الهوى جرفنى نحوك بشدة وأخذ ينساب فى هواك ، ولما أيقنت أن موجة الحب غمرتنى ولاسبيل للنجاة منه ، لجأت للكتابة حيث لم أجد من سبيل أمامى سواها .. فأقبلت عليها بشغف وباندفاع مجنون ، وكل هذا كان بسبب خجلك .. لذلك دفعتني رغبتي أن أسجل إعجابى بك .. وكنت أحس مع كل كلمة أكتبها وكل سطر أخطه بمتعة كبيرة .. ياما تخيلت أشياء كثيرة جدا حلوة واستطعت أن أعبر عنها وكان هذا سببه إنه كان عندى شك كبير أنه سيأتى يوم سوف أتكلم فيه معك  .

ـــ إننى لاأستطيع أن أصدق نفسى فى الذى اسمعه منك الأن، هو ده حقيقى ولا أنا بأحلم . 

ـــ نعم تلك هى الحقيقة ياعبيط ، وهذا إحساسى بك ، وكان نفسى توصل له بنفسك ، وتعرفه من غير ماأقوله لك .. لأنه كان من الأفضل أن تحسها فى قلبك ويستوعبها عقلك .             

كانت لدهشته مع حالة الفرحة التى انتابته أثر كبير فى كسر الحاجز الزجاجى الضخم الذى كان يرى الناس من ورائه .. والذى حال بين إنطوائيته غير المبررة وبين تفاؤله الشبابي ، فتبتسم  ضاحكا وشعر أخيرا أن الدنيا فتحت له ذراعيها أكثر من أى وقت مضى . إن أسمى لحظات الوجود هي تلك التي يعترف فيها قلبان أضناهما الشوق والانتظار بصدق حبهما بعد رحلة عناء طويلة استغرق كل منهما فيها البحث عن الأخر تجسيرا للهوة النفسية التى عانا كلاهما منها بعد طول كفاح من المخاض العسير من الحيرة والمكابدة ، فإذا بهما يعبران مشاق الفوارق التى سببتها العوائق النفسية ، وكسر طوق الحيرة التي تسبب فيها عصام بخجله الشديد والذى أوشك أن يخنق أسمى العواطف التي كادت أن تئد بأجمل المشاعر ، حتى أثمر طول صبر ميرفت وفطنتها وصالا عذبا ، أزال وحشة الاغتراب لديهما ، وأعاد لروحيهما المودة التي كادت أن تتلاشى .. وكادت أن تعصف بأجمل المشاعر بينهما . وقبل ان يغادرا المكان اقترح عليها أن تختلق أي فرص أخرى ليلتقيا وفقا لظروفها ، ويتحينا أى وقت للدردشة .. كانت تستمتع بطريقته فى الحديث بعد أن فك قيود انطوائيته فأحست بصدق إنسانيته ، وتجاوزت أنسُها به حدود المراهقة السطحية ، لتشعر بقيمتها وجاذبيتها كإنسانة ناضجة . تعززت صداقتهما بسرعه حيث أظهر كل منهما اهتماما حقيقيا بالأخر، وخيل إليه أنه مدفوع إليها بقوة لايدريها ، وأنها قطعة منه وأعتقد أنها تبادله نفس الشعور . ومرت الأيام بعد ذلك بينهما وجذوة الحب فى قلبيهما تزداد اتقادا وكأنهما فى حلم جميل .. فيه من الشوق واللهفة .. حيث وُجدا أن كليهما ممزوج بالأخر ، وأنهما كطرفين تحولا من شخصين مستقلين إلى "كيان واحد" يجمعهما الاحترام ، والصدق ، والحرص المتبادل على السعادة ، ليصبح قُربهما المتعمد حالة طبيعية لنمو حبهما لدرجة أنه ماكاد يغمض عينيه كل ليلة ليحيا الحلم حتى غرقت هى فيه وكأن أحلامهما انصهرت فى حلم واحد . إنه إحساس بالدفء ، والبراءة ، والراحة النفسية العميقة . ظل الحب بينهما يتأجج يوما عن يوم ، وظل هو يغمض عينيه فلا يراها إلا حلما جميلا ، وهى كذلك غارقة فى أحلامها معه لاتريد أن تفيق منها أبدا .

       وإلى لقاء أخر فى الجزء السادس

       مع تحيات : محمد عصام                    

                                     القاهرة فى :11 من مايو 2026