music

الاثنين، 4 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الرابع )

 

عاشت ميرفت على أمل ظل يداعبها رافضا فكرة الإخفاق وخاصة أن القدر أتى لها بالشخص الذى مال له قلبها .. جاء ليطاردها بابتسماته وأحبت هى ذلك .. رأته عن قرب .. بعد أن شغل فكرها .. وغير إيقاع حياتها .. وأصبحت أهدأ حالا .. وجهها بدا مشرقا وازداد نورا .. وعينيها فيهما بريق غريب . لابد وأن هناك شيئا ما طرأ على حياتها .. زميلاتها فى المدرسة قد لاحظن هذا التغيير بل وأكدن أن تحولا غامضا اكتنفها وجعلها فى حالة شرود دائم .. تقضى معظم وقتها معهن ساهمة سارحة إلا من ثمة إبتسامة خفيفة ، وعندما كانوا يسألونها عن سبب ذلك كانت لاترد ولاتشاركهن فى حديث ولاتمرح معهن كعادتها بل مستغرقة فى صمت مبهم أعياهن فهمه .. وكانت تفعل ذلك عن قصد ، رغم إغواء حديثهن الذى كان يطريهن بعذوبة واستساغة لأنه لايخرج عن حب المراهقات وتجاربتهن العاطفية مع الأولاد فى مثل عمرهم .. إنها لم ترد أن تفصح لهن عن شيئ اعتبرته من خصوصياتها التى يجب ألا يعرفها أحد مهما كان درجة القرب منها . وحتى فى تصرفاتها مع أمها فعلت ذلك أيضا ولم تبد لها بإحساسها الوافد الجديد .. رغم أن قلبها بدأ يُملي على عقلها ، ففاض التفكير عمقا ، وتجلى الوجدان نداء في رحابة القلب .. لم تقو على مصارحتها بأنها على وشك دخولها فى تجربة عاطفية لم تعرف بعد مداها .. حيث وجدت أنه من الأفضل ألا تصارحها بما تشعر به من إحساس فياض حتى تخوض التجربة وترى ماكتبه الله لها من نصيب . عاشت ميرفت فى دوامة من الفكر كانت أحيانا تناقض فيه نفسها وتفعل العكس . لاحظت مدام صفا هذا التغيير المفاجئ على ابنتها .. أحسته تغييرا إيجابيا .. إنها لم تعد كسولة تصحو متأخرة كعادتها بل دب فيها نشاط غريب وأصبحت تصحو مبكرة على ابتسامة عريضة تبثها لأمها أول وجه تراه فى الصباح .. ثم من تلقاء نفسها ولأول مرة فى حياتها تعد بنفسها طعام الإفطار لها ولأمها . تعجبت مدام صفا على مااستجد فى تصرفات ابنتها، ورغم أنها كانت مسرورة لسعادتها ولكن فى ذات الوقت تريد أن تعرف سبب ذلك ففاجأتها وقالت لها : ماذا جرى لك ياميرفت ؟ أراك فرحة جدا ياترى لماذا ؟ هل هناك شيئ جد عليك لاأعرفه ؟! وتؤكد لأمها أن شيئا لم يحدث . ولكن هذا التغيير أفضى إلى ظنون وتكهنات بل وأصبح مثارا لأسئلة الكثيرين ممن حولها ، فأصبحت محاطة بهمهماتهم .. يتهامسون أمامها ويتغامزون حولها .. وأصبحت عيونهم ترقبها بشغف .. وتوجساتهم كلها تئول لسؤال واحد فرض نفسه عليها فرضا .. ماذا جرى لميرفت ؟ سؤال أعياهم وحيرهم ، ولكنها تعود لتؤكد للجميع أن شيئا لم يحدث . غير أن الذى بداخلها واحتوى قلبها وسيطر على عقلها ولم يعرفه أحد .. هو ذلك الشخص المنطوى الذى كانت تراه مصادفة وحاصرها بابتساماته ودار بينهما حوار صامت بلغة العيون .. ثم تكررت الصدف حتى علق فى ذهنها ورأته أجمل شخص فى الدنيا . أنها كانت قبل ذلك تسمع قصصا كثيرة عن زميلاتها .. وعن حكاوى الزائرات .. وعن جاراتها وعن الذى قرأت وعن الذى سمعت .. ومن بين كل هذه الحكايات كانت تختار الحكاية التى تعجبها وتناسب منطق حياتها لترى نفسها فيها وتتمنى أن تعيشها .. حتى جاءت حكاية هذا الشاب العجيب المبتسم دائما . حكايتها معه كيف ستبدأ وإلى أى مدى ستئول وعلى أى وضع سترضى .. إنها لاتعرف. 


ظلت ميرفت فى حالة مابين الترقب والتمنى ، لاتعرف ماسيئول إليه مصير ماتفكر فيه ، وكيف ستخرج من هذه الحالة حتى جاء القدر باللقاء الثانى ، حيث ذهب عصام بمفرده إلى بيتها فى الميعاد التى حددته مدام صفا كى يستلم ملابس أمه الجديدة التى من المفترض أنها انتهت من حياكتها . وإنه سيرى ميرفت دون أن تكون أمه معه فهي مَن أوفدته لاستلامها دونهـا . تجاوز درج السلم بعد أن صعده بسرعة وفى لهفة ، ثم وقف فجأة وسار للباب ببطء شديد ، بل وتردد وهو يهم ليضع يده على جرس الباب قبل أن يقرعه حتى استجمع قواه النفسية وحبس أنفاسه متجرئا على مخاوفه وطرق الباب بدقات فى تتابع تسارعت معها دقات قلبه الذى خفق بنبضاته المضطربة اللاهثة تـزامنا مع دقات الجرس في إيقاع مرتجف ، لم يحسم بعد كيف ستكون اللحظات القادمة وماقد تحمله من مفاجأت ، بعد لحظات مرت كالدهر فتحت ميرفت الباب ، وكالعادة بدا عليه الارتباك من المواجهة ، وتعثر فى بداية الكلام ولكنه نطق ، كانت أقرب الألفاظ إلى شفتيه .. كلمات التحية المعتادة .. قالها .. أكتسب بها بعض الوقت .. تمالك أعصابه واستعاد طبيعته وقال أن والدته أرسلته لاستلام الملابس . دعته للدخول بعد أن أبدت شيئا يشبه الاستغراب وهى تنظر إليه مستهجنة اضطرابه : إذن فلتتفضل . ولكن الباب لم يكد يوارب حتى احتلت الفتحة وظلت واقفة فيها ولم تبرحها كى تسده عليه كحائل يمنعه من الولوج إلى الداخل حتى ترقب حركاته وسكناته لترى كيف سيكون حاله فى مواجهتها .. وقالت فى نفسها : سأضعه في موقف يتطلب الشجاعة ولنرقب مآله لنرَ كيف سيواجه الموقف ! .. إنها أرادت أن تواجهه بالتحفز ربما يستطيع أن يكسر حاجز الخوف ، عله يبدو بعد ذلك إنسانا طبيعيا ويضطر للمواجهة والتحدث ، وخاصة أن هذه الفرصة قد واتته مرة أخرى بل وفى أبهى صورة حيث جاء بمفرده فلايوجد قيود ولاعوائق تجعله يحجم عن التجاوب ، إنها تريد أن تسمع له ، أما هو فمازال مرتبكا .. العرق يتفصد من جبينه بغزارة يبحث في نفسه عن مخرج من هذا الموقف المحرج الذى وضعته فيه .. أخذ يبحث فى نفسه عن كلمة .. عن جملة ، عن أي شيئ لكنه لم يجد مايسعفه ويدفع عنه ذلك الحرج فرفع رأسه وابتسم بخجل أقل . ابتسمت هي الأخرى وأفسحت له الطريق للدخول .. ابتسامتها جعلته يشعر بشيئ من الاطمئنان ، ثم هم بالدخول .. خطواته تبدو ثقيلة ، لايدرى كيف دلفت قدماه إلى الصالة وجلس على أقرب كرسى . تتبعته ميرفت ثم وقفت على بعد خطوات وفى تواصل أخذت تتفحصه فى صمت .. نظراتها فيها تعجب وفيها تساؤلات كثيرة : علام يحدث كل هذا ؟! ولماذا هذا الإرتابك الذى بلا مبرر .. إنه لايتكلم إلا همسا .. ولايعرف كيف ينطق بجملة مكتملة .. مجرد إيماءات وتبادل نظرات قصيرة مشتركة لشييء ليس له مايبرره . ساد الموقف بعض الوجوم لم تجد ميرفت مفرا من أنها تكسر حدته حين أخبرته أن والدتها تصلى وسوف تحضر بعد أداء الصلاة ، ثم اقترحت عليه أن يطلب مشروبا لحين قدومها ، أومأ برأسه شاكرا ، ولكنها باغتته وقالت له إذن سأحضر لك كوبا من عصير الليمون ، انفرجت أساريه وبدأ الصمت يتبدد ويتبدل إلى حديث له ملامح وإيقاع مألوف ، هى من بدأت به بعد أن أحضرت له كوب العصير المثلج لينعش اللقاء  وربما ينعشه ويعرف سبيلا للكلام . كانت تتحدث معه ببساطة شديدة وكأنها تعرفه ، تحدثت معه بلا خوف ولاحواجز ، تناول الحديث أشياء مبعثرة أحيانا عن أمور عادية ، عن مدرستها وزميلاتها ، عن الطريق ، عن يوم مر سريعا ، وكيف تقضى وقتها فيه ، بعد ذلك تسللت لتسأله عن كل شيئ يتعلق بحياته ، وقالت له أنها لاحظت خوف أمه عليه وحبها الشديد له . ثم تتوقف فجأة كما لو أنها تترك له مساحة تنتظر أن يملأها بأى حديث أو على الأقل يجاريها فيما تتحدث به ، كانت كلماته مقتضبة لاتخرج عن الجواب على أسئلتها التى كانت تحاصره بها ، ولكنه كان سعيدا ، حيث كان لايتصور أنه سوف يأتى يوم يجلس فيه مع فتاه وجها لوجه ويكون بينهما حوار ، ولكن جاء هذا اليوم وليست مع أى فتاه بل الفتاه التى أحبها وأختارها قلبه .. وإنه ولأول مرة استطاع أن ينطق ، بل وعرف أكثر من هذا .. عرف كيف يختلس نظرة سريعة إلى عينيها الجميلتين ووجهها المشرق عن قرب فى جرأة دون انكسار وبلا خجل . كانت هذه اللحظات من أجمل اللحظات التى عاشها فى حياته ، لحظات أفاضت عليه سعادة خالصة جعلته يشعر بمعنى الحياة ، وجعلته يحس بأنه إنسان آخر يعيش ويطرب ويضحك ، ويريد من الحياة كل شيئ مادامت فيها هذه المصادفات الجميلة ، ومنها هذه الصدفة السعيدة التى ألقتها إليه السماء حين جمعته بهؤلاء البشر الذين يحبهم ويحبونه والتى أحالت حياته إلى سعادة مقيمة . ليكتشف بعد ذلك أن لديه قدرات لم يكن يعلم عنها شيئا من قبل ، وأصبح لدية رؤية ونظرة فاحصة فى تقييم الأشخاص بدقة .. حتى رآها أنها ليست كأى فتاة ، بل أرقهن قولا ، وأشدهن شغفا لمعرفة كل شيئ يدور حولها . سرح وهو فى قمة سعادته بإحساسه الراقى الذى دب فى قلبه وذهب به إلى أخر الدنيا مستلقيا على سحابة بيضاء نقية تفتح لأحلامه الوردية أحضانها مد السماء لم يفق منها إلا على صوت أقدام مدام صفا حين أقبلت بخطواتها المتأنية وسلمت عليه وأخبرته بأنها لم تنته بعد من تشطيب ملابس والدته وأنها فى حاجة ليومين أخرين حتى تكون الملابس جاهزة ، فهب واقفا وتهيأ للمغادرة وقد بدت عليه نواجز السعادة بأن هناك لقاء أخر سيجمعه بميرفت وفى بيتها للمرة الثالثة . انطلق إلى بيته فرحا مسرورا ، أبلغ أمه بما قالته مدام صفا انها لم تنته بعد من تشطيب ملابسها وأمهلت نفسها يومين أخرين للإنتهاء من تجهيزها ، ثم أوى إلى فراشه خفيفا رشيقا ، كما يأوى العصفور إلى عشه بين الخمائل ، بيد أنه ماكاد يلقى برأسه على الوسادة حتى استعاد مشاهد هذا اللقاء الجميل ، وتمثلت لعينيه فتنة جمال ميرفت وروعته .. فما وجد أروع  من أنه  يسرح بنفسه فى هذا اللقاء الذى انتظره ولم يتخيل أن الزمان سيجود به بهذه الصورة التى تمت عليه  ، وكأن نسمة عابرة مرت أمامه فتوقفت تصغى إلى مادار بينهما من حديث، ثم جاءته لتعيد عليه ماسمعته ، فاستعاد كل شيئ وكأنه يستعرض شريطا سينمائيا يمكن أن يعاد بثه ويتخيله مرات أخرى ، فتملكته سعادة غامرة لم يشعر بمثلها من ذى قبل ، حتى غض فى نوم عميق فراحت أحلامه تشاركه فرحته فى دنياها وراح يحلق بها فى السماء وجاب بها على جناحى طائر أبيض جميل يسمونه السعادة ، إن أحلامه لم تكن هذه المرة أحلام يقظة بل هى ولأول مرة أحلام حقيقية.

                                   

              وإلى لقاء أخر فى الجزء الخامس                                                       

مع تحيات : محمد عصام                                    القاهرة فى : 4 مايو 2026

 


الاثنين، 27 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الثالث )

إن أثر هذه الزيارة جعلت ميرفت فى حيرة من أمرها بسبب احساسها المتقلب التى تملكتها الظنون مابين الإقبال والإدبار فى خلق فكرة المقابلة التى كانت تتمناها ، والتى كان يجب أن يختلقها هو ولم يفعلها .. إذ أن دوامة من الفكر لازمتها واسهدتها وجعلتها تذهب إلى أبعد نقطة لعلاقة رأتها أنها لوشاء لها أن تكون .. فستكون علاقة مضطربة لاترى فيها بريقا من أمل ، حتى راحت تسأل نفسها هل خاب ظنى إلى هذه الدرجة وأعطيت مشاعرى لمن لايستحق ؟! ، وراحت تتخيل ماذا لو تجرأت وباغتته هى بالكلام ثم تنظر إلى انطباع هذا على وجهه فإذا بها لاتجد له أى نتيجة تذكر . ثم أغفت وهى على هذا الحال وخمن عقلها الباطن ماشاء لها من ظنون وتوهمات ، كأنها ألقت بكل مشاعرها فى مهب الريح فأخذها إلى مجهول لايبقى لها أثر .. أو كأنها ضربت رأسها فى أقرب حائط .. لاردة فعل ولاصدى ، حسِبت أن المشكلة تكمن فى أنها هى التى بدأت بالكلام وهى التى تحدثت وتقول ، وهو لايقول شيئا ، وهى التى تحاول أن تستدرجه لكى يفتح فمه ويحدثها عن أى شيئ .. فلا يقول ، فكأن الذى قالته ليس سوى فقاعات فى الهواء ذهبت هباء .. كأنها لم تقل .. ظنت أنها ثرثارة . وأن كلامها فارغ .. وأنها أخطأت التقدير مادام كل ذلك لايلقى عنده أى اهتمام ، أنها رأته مثل التمثال لايتحرك ولايرى ولايسمع . وفى غمرة من الضجر والضيق راحت تسأله : هل من المفترض أن أتكلم طول الوقت وأنت لا.. هل أنا أبدو لك تافهة لهذه الدرجة لأنك ترانى إنسانة عادية جدا وأنت أكثر منى عقلا  وحكمة . إننى لاأريد أن أتكلم طول الوقت وحدى بل أريد أن تتكلم أنت أيضا واسمعك وتسمعنى .. لابد أن تقول شيئا حتى لو هذا الشيئ لايفيد !  . ولكن عصام لم يأبه ولايقول . وإذا قال بالكاد كلمة أو كلمتين ، ثم أردفت وقالت له : لقد تكلمت معك فى كل شيئ .. تكلمت عن نفسى .. تكلمت عليك وقلت لك كيف أراك .. وتكلمت عن الناس من حولنا ورأيى فيهم ، فما هو نوع الكلام الذى تحب أن اتناوله لكى أرى وجهك المنغض أمامى منشرحا .. قابلا للتجاوب .. إننى أريد أن أرى شيئا  أخر غير ابتساماتك التى أصبحت بالنسبة لى عبئا ومجالا للشك والحيرة .. إننى أريد أن أرى درجة من الاهتمام بما أقول غير الصمت الذى يحتويك  .. قل لى أى شيئ وأنا سأطبق على لسانى ولا أنطق بكلمة واحدة وأكون مثلك .. هل ترضى أن أكون مثلك صامتة لاأتكلم .. قل لى ماالذى يريحك بحق السماء ؟ أنا أريد أن أريحك .. وارتاح أنا أيضا.. ماذا تريد !  أو أى شيئ تريد .. إننى لاأود أن أعرف عنك شيئا إذا كان هذا يرضيك .. ولكنى أود فقط أن أعرف مابك .. لعلى أستطيع أن أحمل عنك بعض حزنك الذى أراه فى نظرة عينيك .. لابد للإنسان من إنسان أخر يتحدث معه ويفضى إليه بهمومه وأوجاعه .. ليس هناك أقسى للمرء من ذلك الانطواء وتلك الوحدة .. ربما لم تجد قبل ذلك من يحاول أن يفهمك لكى تتحدث معه عن نفسك ، ولكنى واثقة من أنى أستطيع فهمك وتقدير مشاعرك ، فحدثنى عما بك ولاتخشى شيئا .. هل ترى حرجا فى أننا سنتقابل كثيرا .. هل تحب ألا نتقابل إلاعلى فترات بعيدة .. هل تحب لو تقابلنا ألا نكون وحدنا .. هل تحب أن نتكلم عبر الهاتف .. قل لى أريد أن اعرف ولاتجعلنى أكلم نفسى أو أحكم على نفسى بأننى إنسانة تافهة قبلت أن تتحدث إلى شخص لايسمعها ولايريد .. وإذا سمع فإنه لايرد ويكون عدم الرد هنا دليلا على أنك ترى كلامى لايستحق .. أو ليس عندك ماتقوله لى .. أو عندك ماتقوله ولكنك لاتحب ذلك . وأنا لاأعرف ماالذى يدور بداخلك . إننى أريد أن أعرف . ورغم كل هذه التوسلات لم يأبه لكلامها ولم يحاول أن يفتح مجالا بينهما . انتفضت فجأة من إغفاءتها منـزعجة وكأنها كانت تحلم حلما كئيبا مالبث أن تحول إلى كابوس رهيب .. شل حركتها وأطبق على فكرها ، ثم أفاقت منها بحالة من الضيق وقررت أن تنسى هذا الموضوع ولاتشغل بالها به نهائيا . بيد أن كل ذلك كان يتبدد فى لحظة كلما التقت عيناها بعينيه مجددا ، فتنبثق نفس الشرارة  التى تتولدت أول مرة رأته فيها .. فكانت تطرد كل الهواجس التى أسهدتها وجعلتها تظن كل الظن أنها خبت وانطفأت من قلة الحيلة ، فإذا باحساسها به يعود من جديد ليتعمق بداخلها بضراوة ويشعل بين جوانحها جذوة النار التى تأبى ألاتنطفئ أبدا .. شعور حائر بين الإحساس والغموض .. بين إقبالها على مشاعرها المفعمة بالحب وعدم اكتراثه وثقته الزائدة بنفسه ، ولكن احساسها بنظراته الحانية التى ظنت أنه صادق فيها كانت تغلب عليها ، فأحيا شيئا بداخلها حتى وجدت نفسها تختلق الأعذار للخروج بحجة شراء بعض احتياجات المنـزل على أمل أن تراه ليكون قريبا منها لايفصلهما إلا خطوات ضئيلة فى محاولة منها كى تؤكد فى نفسها الاحساس الجديد الوافد لها من حيث لاتدرى حتى تكتشف ماأعتراها من مشاعر لازمتها لم يكن لها وجود من قبل ولم تستطع الأن تجاوزها ، وإصرارها بينها وبين نفسها أن تكون مميزة عن أقرانها التى كانت تسمع حكاويهن من خلف الأبواب المغلقة التى كانت ترويها زبائهن عن الحب وماأكثرها حكاوى ، وهى التى كانت حياتها بعيدة كل البعدعن كل ذلك بحكم صغر سنها ، ولكن هى الأن صاحبة الخمسة العشر عاما من عمرها .. هذه المرحلة السنية التى يجب أن تكون مليئة بالحيوية والطموح ومن حقها أن تعيش وتحلم وتحب ويصبح لها كيانها الخاص فيه من الحماس والشغف لمعرفة كل شيئ يدور حولها بل وتنغمس فيه لتلقى ماشاء لها من نصيب .                                                                                      

       وإلى لقاء أخر فى الجزء الرابع 

   مع تحيات : محمد عصام                           القاهرة فى : 27 من إبريل 2026         

الاثنين، 20 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الثانى )

 

بدت الجلسة غريبة حيث همت الست نزيهة أو مدام صفا من جلستها وجلست بجوار عصام وأمه على غير عادتها مما أوجس خيفته ربما ستشكوه فى أمر مطاردته المستمرة لإبنتها بابتساماته المبالغ فيها والمتكالبة عليها كلما مرت من أمامه ، وتصور أن ميرفت شكت لأمها هذا التصرف، كما شكت لها من قبل تعرضها لمضايقات كثيرة من بعض شباب المنطقة كلما تواجدت  فى الشارع ومحاولاتهم المستمرة أن يتكلموا معها عنوة للفوز برضاها قسرا بحجة أنهم متيمين بها ولاتبرح خيالهم . رغم أنها كانت تتجاهلهم وتنظر إليهم من أسفل إلى أعلى .. وترمقهم بنظرة كلها احتقار ، ثم تشيح بوجهها فى كبرياء إلا إنهم لم يكفوا عن ذلك .عندئذ انزعجت أمها وراحت تحذرهم تحذيرا شديدا من تكرار مضايقة ابنتها فى وجود بعض من رجالات المنطقة الذين أخذوا عهدا على هؤلاء الشباب بعدم التعرض لها مرة ثانية ، وهذا أمر يعلمه الشارع كله . تصور عصام أنه سوف يتعرض ماتعرض له هؤلاء ووقتها لايعلم ماالجزاء الذى سيناله من أمه . شعوره وقتها كان يملؤه التوجس والخوف ، إنه كان متوجسا خيفة من أن أمه تلحظ عليه اضطرابه الذى بدا على سحنته المكروبة الواجفة عندما جلست مدام صفا بجانبها . ولكن الست نزيهة بدت هادئة مرسلة ابتسامات مريحة تحمل رسائل الترحيب لأم عصام ، ثم أصرت على أن تصنع لها مشروبا فهذه أول مرة تقوم بزيارتها ، ومع إصرارها استجابت أم عصام وطلبت فنجانا من الشاى ، فنادت على ابنتها بأن تقوم بصنع فنجانين ، فنظرت أم عصام لميرفت وقالت لها فنجانا واحدا فقط ياابنتى لأن عصام لايحب شرب الشاى . بدا على عصام الوجوم محدثا نفسه معاتبا لأمه أنها قررت عدم احتسائه لشرب الشاى دون الرجوع له ، إنه كان يريد أن يشرب الشاى هذه المرة حتى ولو كان لايحبه بل سيكون عنده أحلى من العسل المصفى ، كان المهم عنده إنه سيحتسى أى شيئ من يد الفتاة  التى أعجب بها ، فلأول مرة يراها عن قرب وفى بيتها بل وكان سيحتسى مشروبا من صنع يديها . ثم بدا عليه الإستغراب فى حبور محدثا نفسه : يالها من صدفة غريبة وجميلة .. وسرح بخياله فى أمور شتى لشعوره بالخجل ثم نَكَّسَ طرفه فهو لم يعتد الذهاب عند أحد فى بيته ، حتى أقاربه لايذهب إليهم إلا فى المناسبات فقط ، وإذا ذهب لايبرح مكانه حتى ينصرف . لذلك أراد التخلص من خجله وكسوفه الذى سيطر عليه فأخذ يجول بنظره وعلى استحياء فى ابعاد المكان مسحا غير مقصود ، ولكن أدهشه جدا مارأى ، إذ وجد الغرفة فى مجموعها منسقة تنسيقا جميلا ورائعا يلفت النظر ، وأن كل مافيها يدعو للبهجة والروعة معا ، ورغم صغر المكان إلا أنه مرتب ترتيبا منظما .. قطع الأثاث فيه بسيطة مخملية .. تشتم فيه رائحة النظافة مع بقايا من شذا عطر عابق .. وأعواد من البخور الشامية الفواحة منتشرة فى أرجاء المكان ، فكان أريجها عبيرا يتضوع .. الحوائط مزدانة ببراويز تحمل صورا لأشخاص يبدو من وضعهم أنها خاصة بزوجها فيصل وولديها مازن وياسر كما أخبرت بأسمائهم لأمه .. الصور تحمل صفات المكان فى خلفية وقوفهم بين أشجار الزيتون فى أرض الوطن فلسطين ، كانت تحكى عنهم مع أم عصام باستفاضة على غير عادتها فهى لاتتحدث مع أحد ولاتريد ، وإن تحدثت لاتتكلم كثيرا ، ربما ارتاحت لوجود أم عصام أو رأت فيها مالم تره متوفرا فى زبائنها الأخريات ، ولكن الشيئ العجيب أنها كانت تصمت فجأة .. تتوقف لتلتقط أنفاسها المتهدجة لتزرف قطرات من الدموع تسقط تباعا مترقرقة من عينيها دمعة دمعة ثم تسيل على خديها مما أزدادت حمرتهما حنينا للغائبين ولبلدها المغتصبة ، ماأصعب أن ترى مشهدا بهذا الشكل حتى ينتفض قلبك لمجرد أنك تضع نفسك مكانها .. وتتصور شكل الغربة ، شيئ يصعب على أى إنسان تصوره أو تخيله . فى هذه الزيارة رأى وجه ميرفت عن قرب وهى تشارك أطراف الحديث الذى دار فى هذا اللقاء .. رآه والسعادة تكسوه بإشراقة ابتسامتها البراقة الواهجة .. فتاة مرحة .. مرهفة السمع .. رقيقة الحس .. مفوهة .. تجيد الكلام والإنصات .. فإذا تكلمت تعرف جيدا ماذا تقول .. وإذا أنصتت تركز جيدا فى كلام الأخرين حتى تستطيع الرد بلباقة وبفهم واعى .. لسانها ينطلق بسلاسة وإدراك .. صوتها ذو رنة محببة فيه عذوبة وجاذبية ورقة وطلاوة .. تحسن اختيار الأسئلة السريعة التي تربك الخجولين أمثاله ولها فى ذلك باع طويل . وهذا ترك فى نفسية عصام الكثير من الانطباعات التى اعتبرها غريبة بالنسبة لسنها ، وخاصة عندما رآها منذ البداية أنها لم تجلس معهم ، بل اكتفت بالوقوف قبالة جلستهم فضولا ، كأن وجودها وحده يكفى لمحاولة فهم أى أحد أمامها دون إقحام . اكتشف وقتها أن ميرفت مختلفة عن الأخريات فى كل شيئ . فكانت نظراته إليها تعجبا كيف لهذه الفتاة الصغيرة أن تكون على هذا المستوى من الفطنة والذكاء بجانب جمالها النضير .. ثم هز رأسه مبتسما .. ابتسامته هذه المرة لم تكن ابتسامة عادية ، بل ابتسامة بلهاء فيها إعجاب وترقب وفى نفس الوقت خيبة أمل ، حيث جال بخاطره أشياء كثيرة ، جعلته شارد الفكر حتى وصل به الحال أن الصمت عنده سيكون أفضل من الكلام لأنه لم يكن يعرف بعد رد فعلها إذا حاول أن يتكلم معها فى أى مواجهة مباشرة ولايدرى وقتها ماذا سيفعل إذا صدته .. أنها بالطبع فى هذه الحالة ستشكوه لأمها.. وأن أمها الأن تعرفت على أمه بل وارتاحت إليها فكان من الصعب أن يواجه أمه فى وجود مشكلة مثل هذه لأنه يعرف ماسيئول إليه الحال إذا واجهته ويعرف أسلوبها جيدا فى معاقبته .. الصمت القاسى فى البداية ، ثم تبدأ بمواجهته بحزم لتعلمه درسا لن ينساه . أما إذا استلطفته وبادرته هى وتكلمت فإنه لايعرف كيف سيجاريها فى أى حديث ، ولاعنده مهارة أن يحول صمته إلى حنين ورفقة كما كان يتوهم فى أحلامه الياقظة تجاهها ،  لقد بعدت المسافات .. والطريق القصير بين البيتين لم يعد قصيرا لأن خطواته مهما بلغت سرعتها فستكون أبطأ من الوصول إليها بسهولة . لقد أربكته ثقتها فى نفسها أكثر مما هو عليه من ارتباك ، وخاصة بعد أن رآها عن قرب وبهذه الهيئة التى أبهرته والتى لم يكن ليتوقع أن تكون عليها ، وقارن بين امكاناته المتواضعة وامكاناتها التى انبهر بها فأيقن تماما أن امكاناته لن تسعفه من إجراء أى حديث معها ولايستطيع أن يجاريها فيه أو على الأقل يستكمله . تملكته الحيرة وصعبت عليه فكرة الإرتباط بها ، فكان من المستحيل أن يتصور وهوعلى هذه الحالة أنها من الممكن أن تنظر إليه أو تحبه ، إنه لم يكن بوسعه أن يتخيل أنها لو سارت بجانبه والقلوب تقاربت .. تهامست ، وإذا تكلمت وتعاتبت .. اطمأنت وارتاحت ، وإذا أحبت.. أعطت بلا حساب ، بل العكس من ذلك تماما إنه كان يرى أنها ستنفر منه وتوبخه وستوجه له لوما شديدا وعتابا قاسيا ، بل ومن الممكن أن يكون كلامها جارحا ، وأن الإقدام على محاولة الكلام معها ماهو إلامجرد اقتحام لخصوصيتها وأنه يفرض نفسه عليها فرضا ، واعتبر أن هذا التصرف فيه أنانية منه لأنه لم يعرف بعد مدى تقبلها لهذا الأمر من عدمه ، وخاصة أنه لم يكن متأكدا إنها ستكون مرتاحة له من الأساس أم لا ، حينئذ سيلوم نفسه ولن يحترمها. فأدرك أن هذا اللقاء البريء الذى جاء طبيعيا وبالصدفة فى بيتها ماهو إلاخطوة في طريق مسدود لإنه جاء أسرع مما كان يتخيل أو يظن بل و أيقن أنه حتما سيفشل إذا حاول . وهذا وضعه فى حالة من الإحباط الشديد فها هى أمامه والظروف كانت مواتية وسانحة لأن يتكلم ويسترسل دون عناء ويتحاور معها بلا مشقة أو مجهود فى وجود الأُمَّين ، ولكنه لم ولن يفعل لأن أفكاره صارت مختلفة وصعبت عليه فكرة الوصول إلى قلبها . أما هى بدت وكأنها صدمت فيما كانت تمنى بها نفسها أن تجده كما كانت تهوى .. مميزاعن أقرانه الذين يطاردونها بحثا عن أية فرصة ليتكلموا معها . إذ وجدته في دور لاعلاقة له بالمثالية كما توقعت .. المثالية التى كونها عقلها عنه وأخذ من تفكيرها الكثير . وجدته جالسا بجوار أمه لايحركه ساكن ، وكأنه لايعرف شيئا عن مايدور حوله ، وجدته كأنه إنسان بلا مشاعر ، ولكن الصدفة هى التى جعلت منه مثارا لفكرها ، وهيأت لها موعدا رسمها قلبها وكفى ، وأن الصدفة قد لا تخطئ الشعور ، ولكن هذه المرة أخطأت التقدير ، أنه لم يستطع فعل أى محاولة في الظاهر ولاالبحث فى إيجاد فرصة لحديث أو تحايل على لقاء مثل الذى كان يختلقه غيره من شباب المنطقة لمحاولة الكلام معها عنوة بلاسبب منطقى وبلا انتظار لوعود .. الابتسامة هى فقط عطاؤه الوحيد .. ابتسامة صامتة بلا كلام . ولكن فكرها حاول أن يجد له مبررا فهداها أنه إنسان مهذب وتربيته راقية ، جعلته لايريد فرض مشاعره على أحد ، وأن تردده إنما جاء مخافة وحرصا على مشاعرها .. وأن الصمت حينما يتكلم يبدو أكثر شاعرية والسكوت دلالته .. لغة لا تنطق وغالبا تأتى هادئة بلا افتعال ، فقط لايحتاج الأمر أكثر من إيماءة ، أو نظرة خاطفة فيها تركيز وتأمل وفكر عميق .. إن الذين يفهمون الصمت يدركون ذلك .. يدركون أن الحب الذى يأتى على مهل هو الحب الحقيقى .. معالم من الرومانسية الخالصة.. وهى تراه يفعل ذلك . ولكن شغفها التى طالما تمنت أن تجد وراءه شيئا بدأ يتلاشى بعد أن رأته فى هذه الوضعية وهو جالس بجانب أمه منطويا لايقدر على متابعة مايدور حوله ولم يحاول التدخل فى مسار الحديث على الأقل لإثبات وجوده إلا إذا وجه إليه الكلام وبالكاد ينطق ، وأيقنت أنه بهذا الشكل لايستطيع أن يجاريها فى أى شيئ ، بل أن خطواته التى تتسم بالبطء الشديد ستجعل محاولاته للكلام معها محدودة للغاية .. وأن اختلاق أى فرصة للقائها والتعارف عليها شبه معدومة .. فكم من فرص كثيرة واتته والتى منحتها إياه كى يتجرأ ويحاول أن يكلمها لكنه بقى على حاله . بدأت طموحاتها الخاصة التى كانت مليئة بوهج الحياة والعواطف الراقية تتلاشى ، وتبخرت معها أحلامها تماما عندما بدأ ينطق وهى تراقبه من كثب .. فإذا بكلماته متلعثمة فيها تردد وعدم ثقة عندما حاولت أمها أن تجعله طرفا مشاركا فى الحديث .. إذ سألته مداعبة عن اسمه ودراسته وفى أى مرحلة تعليمية ، تعثر فى الرد وكانت إجاباته كلها مقتضبة ، ولما أحست بحرجه وتوتره الذى انطبع على وجه احمرارا أثنت عليه وعلى أدبه وأخلاقه ، ثم انصرفت لمواصلة حديثها مع أمه . لم تستطع ميرفت أن تلتمس له أعذارا مقبولة ، ولم تستطع أن تسمى هذا خجلا أو رهبة البدايات إزاء تصرفاته وتعثره فى الكلام التى لامبرر لها .. بل وفى حركاته وسكناته وسكوته المحير ، ولفتاته الشاردة المتكررة مسحا للمكان الذى جمعهم . كانت ترقبه بنظرات حادة فى محاولة مستميتة لفهم أبعاد شخصيته المبهمة كعادتها فى قراءة زوارهن ، فلم تصل لشيئ ولكنها أيقنت أن شخصيته تعد من الشخصيات الغريبة إذ لم تر مثلها قط قبل ذلك ، فأصبحت بالنسبة لها شخصية محيرة . إنها كانت تطمع أن تجد فيه ضالتها أو أحلامها الوردية التى رسما لها ذهنها صورا جميلة عن الشخصية التى مال له قلبها ، وكانت تتمنى أن يكون هذا الشخص التى تراه الأن عاجزا أن يثبت فيها وجوده أمامها ، وهى التى كانت ترقبه من بعيد وكانت ترى فيه الشخصية المتزنة.. الرزينة الواعية التى رأت أنها من الممكن أن تتوافق مع طاقتها الشبابية من أفكار ومشاعر بدأت تعتمل بداخلها تجاهه والتى لم يسبق وسمحت لأحد أن يجسر ويطرق بابها من قبل ولم تسع هى أن تكلم أحدا مهما كانت رومانسياته أو وسامته أو لباقته ، بل أن كل شباب المنطقة هم من كانوا يسعون لطلب الرضا منها إذ كانت تمثل لهم حلما ، فهى تعلم قدر نفسها ثقة وجمالا وذكاء . وإنما جاء مناط أعجابها به على مضض حيث مالت لأدبه ووسامته الهادئة وجاذبيته التي لاقت استحسانها ، وكان هو يستقبل كل ذلك بابتسامة رقيقة ، لايملك سواها .. ابتسامة بلا محاولات ولا تحمل أى معنى . لذلك خيبة الأمل جعلتها تتمنى على الأقل أن تجد فيه الصديق المخلص الذى يستطيع أن يجعل حياتها مليئة بالحيوية والطموح دون الخوض فى مسألة المشاعر التى يفتقدها ، ففاقد الشيئ لايعطيه إذ أن شخصيته ربما تنتمى للنـزعة الواقعية التى لاتميل لمسألة المشاعر والأحاسيس ، لذلك صدمتها فيه جعلت مشاعرها تتحول تحولا جذريا فى احساسها به لأنها أصبحت الأن مغطاة بغبار سوء الظن وملقاة في زاوية منسية في قبو من الحيرة والشكوك . انتهت الزيارة وغادر مع أمه غير مأسوف عليه بعد أن تولدت بينهما أحاسيس ومشاعر متباينة ، خرج كل منهما منها بخيبة أمل ، ليبق الموضوع على غموضه وليسير كيفما يشاء . إن مادفعها لاستطلاعه هو ذلك الشيئ الذى أيقظ فى قلبها الأخضر هذا الإحساس الوافد الجديد التى لم تكن لتعرفه من قبل .. إنه الحب .. مفتاح السعادة ومناط الفرح كى تخطو به أولى خطواته وتتعرف على مشاعره الإيجابية الهادئة من خلاله ، فراحت تستشفه فيه وتتطلع إلي فكره عنه والتحدث معه كى تعرفه أكثر . أما هو راح فى دوامة .. الخوف يكتنفه ، والاحباط يحتويه ، وعدم الإقدام صفة لازمته ، فلا جديد عنده سوى أنه سيحاول الهروب من نفسه .. أنه أراد أن يقول شيئا ولكنه لم يجد ، ولما كان لابد له من النطق .. فقد نطق ، ولكنه تمتم وهمهم ، ثم فر إلى الداخل .. داخل نفسه التى مازالت تتحمله وحدها إذ أنه لم يستطع الهروب منها.  

 وإلى لقاء أخر فى الجزءالثالث 

 مع تحيات : محمد عصام                                    القاهرة فى : 20 من إبريل 2026                                                                               

الاثنين، 13 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى (الجزء الأول)



 


مقدمة

فى الدنيا مسارات كثيرة تتشابك فيها حياة البشر بشكل يبدو لنا أنها فوضوية ولكن فى علم الله منظمة غاية فى التنظيم ومبررة فى شكل علاقات إنسانية منطقية لاتخرج عن الواقع الذى نعيشه بحلوه ومره . ومن قلب الحياة ستجد حكايات وروايات وقصصا كثيرة يبدو بعضها طبيعيا والبعض الأخر مثيرا قد لايقبلها العقل بسهولة ولكنها تدعونا للتأمل ، وفى قصص الحب الكثير منها مايدعو للعجب .. إنها الحياة التى لاحيلة لنا فيها .                                           

كان فيه زمان قلبين .. الحب تالتهم  .. فردوا الهوا جناحين .. والدنيا ساعتهم .. ضحكت لهم يومين .. وفى ليلة خانتهم ..  اتفرقوا الاثنين .. فى عز فرحتهم ..ليه وعشان إيه .. كل ده    يجرى  ليه .. ليه           

هذه الغنوة غناها عبد الحليم حافظ فى فيلم دليلة ، من كلمات الشاعر الكبير حسين السيد ولحن الموسيقار القدير محمد الموجى ، وهذا الكوبلية الأول تحديدا فيها ملخص للحكاية التى كتبتها، طب إيه هى الحكاية؟! .. تعالوا نشوف مع بعض إيه هى الحكاية .....    

                                                                                                               

الجزء الأول

كان لعصام سحرلا يقاوم منذ نعومة أظفاره ، ولكنه في نفس الوقت هذا السحر دمره وجعل حياته لاتسير وفق إرادته ، ربما لطبيعتها المضطربة التى شب عليها .. فحياته كانت منغلقة جعلته عازفا تماماعن التعامل مع الناس وخاصة فى تعاملاته مع الفتيات ، فهناك ثمة شيئ جعلته يعرض عن التعامل معهن وخاصة ممن تصادف منهن فى حياته ، حتى أضحي لايعرف منهن من تتحلى بالثقة الزائدة أومنهن من تتوق الى شغف أو منهن من تسعى لاستعاده احساسها بذاتها ، خط رفيع جدا يفصل بينهن فى هذه الخصال لم يميزها ولايستطيع رغم أنه كان يتمتع بثقة ونضج يتجاوزان سنوات عمره بفضل طوله الفارع الممشوق الذي بلغ  وقتها ستة أقدام تقريبا مما جعل ماحوله يشعرون أنه أكبر من سنه، حيث كان دائما ملفتا للأنظار أينما ذهب، لكن الأمر لم يكن يتعلق بمظهره فقط ، فقد كان يمتلك شخصية مغناطيسية فيها من الجاذبية والفتنة بريقا جعلت كل من يصادفه فى حياته يشعر بأن حضوره مميزا رغم انطوائيته الشديدة . نشأ على يد أمه التي كانت تمتلك شخصية فطنة قوية .. متزنة تعرف قدر نفسها وتعلم جيدا بما تملكه من ملكات لاتتمتعن به الكثيرات من أقرانها اللاتى فى مثل سنها ، كانت من أعظم هذه الملكات مهارة قراءة الناس وفهم اغوارهم بمنتهى البساطة والسلاسة قبل أن يدركوها هم بأنفسهم .. إنها فطنة مابعدها فطنة ، كانت هذه المهاره تخدمها جيدا في تعاملها مع الناس وفى كل حياتها اليومية ، كما كانت تخدم كل من حولها .. ليس فقط أسرتها بل والديها وإخواتها وأقاربها وجيرانها فكانت كثيرة السخاء مع الكل . إنها أرادت أن تضفى على شخصية ابنها مما وهبها الله من نِعم .. الحضور الطاغى .. والثقة العالية بالنفس .. والتمتع بالشخصية القوية .. والقدرة على اتخاذ القرار.. وكيفية التعرف إلى الأخرين .. وتحدي المشاكل .. والعيش بإيجابية ، والتخلص من أى شيئ يعوق مسيرة حياته ، إنها أرادت ذلك ولكن لم يتحقق من كل هذا إلا حضوره المميز .. واتزان شخصيته .. وأدبه الجم ، ودماثة الخلق فقط ، وذلك لافتقاره الدائم إليها واعتماده فى كل أموره الكلية عليها ، حتى أصبحت بالنسبة له الشخصية المحورية فى حياته والتى ساعدت فى تشكيل وجدانه حتى أضحت بالنسبة له كل دنياه منذ أن كان طفلا صغيرا فى الحضانة وحتى بعد تخرجه من المدرسة الثانوية ثم تخرجه من الجامعة ، إذ لم يكن متحمسا للبدء بمفرده فى أى مرحلة من هذه المراحل ، فهى التى كانت تضع له الخطوط العريضة فى تحديد أسلوب ومنطق حياته حتى فى أدق أدق التفاصيل .. اختيار ملابسه الذى كانت تملك فيه ذوقا رفيعا .. أكله وشربه ووقت نومه وصحوه ، أما خططه المستقبلية رغم أنه كان يراها خططا غامضة ولكنه كان راضيا مستسلما في حينها ، بل كان راضيا تمام الرضا بالاستمتاع بمن يخطط لحياته ويخاف عليه ويحبه حبا حقيقيا صادقا ويتمنى أن يراه فى أبهى وأحسن صورة .. إنها الأم ياسادة ، المرأة الوحيدة التى لا ترى عينه غيرها فهى بالنسبة له أفضل سيدة فى الوجود ، فلايعرف فى هذه الدنيا سواها ، ولكن لم يكن يعلم بأن هناك متسعا من الحرية التى قد يكتشفها يوما ما إذ تجاوز ذلك الأمر وترك لنفسه العنان لمتابعة مايدور حوله نهما ولو لفرصة واحدة حتى يتعرف على عالم المرأة والدخول فى مسار حياتها ، من المؤكد أنه سيكتشف الكثير والكثير وسيزال عنه هالات الغموض التى تكتنفه تجاه هذا العالم المتنوع فى صفات شخوصهن المتباينة أشد التباين . ولكن كيف سيخلص يوما من خجله؟! ، إن هذا الأمر يعد من المستحيلات ، لذلك لم تجد الفتيات اعذارا مقبولة لهذا الخجل الشديد غير المبرر حتى جاء إعجابهن به على مضض وذلك لوجود جاذبية خاصة فى تركيبة شخصيته التى كان يتحلى بها .. والجاذبية هنا ليست متعلقة بالشكل بقدر ماكانت متعلقة بالطبع وحسن التربية التى كان لايمتلك غيرهما ، فكان هذا عنوانا لمعظم تعاملاته مع من حوله من فتيات ، لايوجد مجال لكلام بل يكتفى بابتسامة رقيقة لايملك سواها .. ابتسامة بلامحادثات ، رغم أن الصمت أحيانا يحمل قوة أوجاذبية أكثر لاتقل عن الكلام ، لكن فى عالم المراهقة رغم بساطته الظاهرة ومشاعره الصادقة لايستطيع الوصول لهذا المفهوم العميق الذى يبنى على فهم الحياة أكثر من خلال معايشة تجاربها ، فللصمت والخجل لغة خفية لايفهمها إلا من يحسن الإصغاء ويقرأ قراءة جيدة للطرف الأخر ، ولكن فى مثل هذه السن لايمكن استيعاب ذلك كله بسهولة لحداثته ولعدم اكتمال الرؤية ، إلا أنه قد تنشأ أحيانا نوع من العلاقات حين يخرج الآخرون عن الأدوار المتوقعة منهم تتهيأ معها مشاعرهم فى علاقة أصدق من يقال عنها إنها عفوية لاتستطيع أن تجد لها مسمى ولامسارا ، ومنها علاقات كثيرة نجدها عند شباب المراهقين لظروف تربيتهم المنفتحة على عوالم أخرى التى أتاحت لهم ذلك ، فانعكست على رؤيتهم للحب والحياة . عصام لم يكن من بين هؤلاء ، إذ أنه لايستطيع أن يجازف ويصنع لنفسه فرصة يبدأ بها مبادلة حديث مع أى فتاة ، لذلك جاء لقاؤه مع بنت الجيران أشبه بالمعجزة أو من قبيل الصدفة ، لم يلفت نظره يوما أنهن اللاتى يبدأن بمحاولات التحدث معه على غير العادة المتعارف عليها فى عالم الحب وخاصة عند المراهقين ولم يكترث لذلك . هن من يبدأن بالمحاولة ، فكانت أول محاولة فى حياته ميرفت فتاة فلسطينية فى مقتبل العمر .. عمر الزهور .. جميلة أشد الجمال .. أنيقة أكثر أناقة .. جمالها يسحر العيون .. شقراء البشرة ، زرقاء العينين واسعتهما ، ذات أهداب طويلة تعكس ظلا ظليلا على خديها الموردتين دائما ، قوامها فاتنا ، وشعرها أشقر ذهبى .. قصير وناعم . لفتت نظره بشدة بعد أن رآها أكثر من مرة وهى تمر من أمامه فى الشارع مصادفة ، فأعجب بها أشد مايكون الأعجاب . وراح يسأل عنها القاصى والدانى حتى وعى عنها كل شيئ .. علِم أنها جاءت مع أمها الست نزيهة فى أعقاب حرب 1967 ليستوطنا فى مصر بعد احتلال اسرائيل لبعض الأراضى العربية فى مصر وسوريا وأرض غزة فى فلسطين التى كانت تحت القيادة المصرية آنذاك قبل حرب 1967 . الست نزيهة أو مدام صفا كما كانت تحب أن ينادوها به . استأجرت شقة فى العمارة الوحيدة التى كانت جديدة فى ذلك الوقت من بين الأبنية القديمة فى شارع الشيخ القويسنى بحى الظاهر .. كانت تبعد عن العمارة التى كان يقطنها عصام بعمارتين ، عملت فى حرفة الحياكة ، تميزت بمهارتها الهائلة فى حياكة ملابس النساء وخاصة الفساتين ، فكانت تعمل ساعات طوال منكفئة على ماكينة الحياكة التى عملت عليها منذ أن وطأت قدماها أرض القاهرة كى تعينها على سبل الحياة الجديدة التى فرضت عليها فرضا بسبب هذا الإحتلال الغاشم على أرض غزة ، لم تكن لتظن أن هذا كله سيحدث وأنها ستترك الديار التى طالما عشقتها عشقا لاحدود له ، وتترك بسبب ذلك العشيرة والأهل والوطن حيث كانت من أسرة عريقة ميسورة الحال . نزحت هى وابنتها فقط وتركت بقية الأسرة الزوج والولدين ، والأن وهى فى الغربة أصبحت مضطرة للعمل لتنفق على نفسها وعلى ابنتها الوحيدة ..  تبدو سيدة هادئة هدوءا عجيبا أميل إلى الصمت معظم الوقت .. ساهمة واجمة لاتحب أن تسترسل فى الكلام مع أحد ، تعامل زبائنها بالقطارة ، ورغم ذلك استطاعت فى وقت وجيز أن تستحوذ على معرفة جميع السيدات فى الشارع وتتعامل معهن لمهارتها فى الحياكة ، وكانت هى تفخر بهذا . تقضى يومها منكبة على ماكينتها ساعات طوال .. تمكث دون أن تحرك بنت شفة أو ترفع رأسها من على المنضدة التى أحكمت جلستها فى مكان واحد لاتبرحه معظم الوقت ، وبجوارها أباجورة صغيرة ترسل ضوءها كله على ماكينة الحياكة إلا من منسرب لضوء شارد هادئ ينعكس على وجهها الأبيض الذى مازال يحمل مسحة من جمال فطرى المعروف عن جمال الشاميات ، لم يؤثر فيه بعض التجعيدات ولاالشعر المائل إلى اللون الرمادى الأقرب منه للسواد ، مما تجعلك كما لو تود أن تعود بها إلى الماضى لتتخيل كيف كان يحمل هذا الوجه فى سن الشباب من عنفوان الجمال والفتنة ، هذا الجمال الفطرى للسيدة نزيهة انتقل بمجمله إلى ابنتها ميرفت بجمالها الرائع الساحر . استقوت مع الوقت بعملها الذى كانت تحبه وتجيده والذى هون عليها غربتها ، وهذا كان دافعا مهما أن تعلم ابنتها مبكرا الاعتماد على نفسها ، فكانت ميرفت تساعد أمها ، وأحيانا كانت تتولى التعامل بنفسها مع زبائهن بدلا منها رغم حداثة سنها ، فتعلمت ميرفت مهارة قراءة الناس ومعرفة احتياجاتهن وفهم أذواقهن ورغباتهن بما يتناسب مع أجسادهن من موضات حديثة وهى فى هذه السن المبكرة ، فضلا عما كانت تخترعه أمها من لمسات ساحرة فى خلق موضة غير التى كانت تحتويه الكتالوجات الحديثة أنذاك ، فكانت مصدر جذب للزبائن اللاتى تزايد عددهن يوما بعد يوم ، فاستطاعت ميرفت رغم صغر سنها أن تطور نفسها بنفسها بسرعة من كثرة تعاملاتها معهن ، كانت هذه المهارة تخدمها جيدا في تقربها من الناس ، فلم يعد لديها الاحساس بالغربة ، فسرعان ماأصبحت المفضلة لدى الزبائن المنتظمين وغيرالمنتظمين . جاءت بداية تعارف أم عصام  بها عن طريق السيدة سناء الموظفة فى هيئة الاستعلامات التى كانت الجارة الأقرب لها ، حيث كانت تسكن فى الشقة المقابلة وكانت من بين زبائنها وعرفت منها بالصدفة أثناء تجاذبهما لحديث البلكونات اليومى الذى اعتادا عليه بعد عصر كل يوم عقب الانتهاء كل منهما من أعمال المنـزل ، إذ تناول الحديث ذات مرة عن مهارة مدام صفا فى الحياكة وعرضت عليها التعامل معها وخاصة أنها تجيد إرضاء أذواق النساء من جميع الأعمار . فكان أول لقاء مباشر حينما ذهب عصام مع أمه ليرى ميرفت بعين رأسه عن قرب .. لايفصله عنها سوى خطوات بسيطة ، حيث كان يراها فقط وهى تمر من أمامه فى الشارع ، وكثيرا ماكان ينظر إليها بابتسامة أراد أن يلفت بها نظرها بوجوده ، وكم من مرة تواجد فى الشارع عن قصد ليمنى نفسه ويراها على أنها من قبيل المصادفة . وعاش فى هذه الأيام حالة من الزهو فى سماع كل أغانى عبد الحليم حافظ إذ أنها كانت توقظ فيه إحساسه المرهف ، حتى انغمس فى معانيها إلى درجة العشق .. وعاشت بداخله معبرة عنه ، وراح فى أحلام اليقظة يتخيل أنه هو الذى يتغنى بها ولها .. أى بلسان حاله ، ويريد أن تصل إليها معانيها وتبلغها إياها بإحساسه ،" كانت العيون تقابله وتلمح بالكلام .. يهرب من قبل حتى مايرد لهم سلام ". وأيضا "وألاقيك مشغول وشاغلني بيك وعينيا تيجي في عينيك وكلامهم يبقى عليك وأنت تداري "وغيرهما كثير . استغرقته أغانى عبد الحليم حتى عاش فى حالة من الإرتياح ولكن مع نفسه ، واكتفى فقط برؤيتها فكان يخترع من الحجج والأسباب للنـزول إلى الشارع كى يلفت نظرها إليه وتظفر عيناه برؤيتها ولكن لاسلام ولاكلام ولايهمه أن يعرف عما إذا كانت تبادله نفس إحساسه أم لا .. كل الذى يهمه رؤيتها فقط ، لذلك كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة له أن يراها وفى حضرة من ؟! فى حضرة أمه التى ربته على الشكيمة والشِدة بألا يتكلم مع البنات البتة .

          وإلى لقاء أخر مع الجزء الثانى

   مع تحيات : محمد عصام                                                                 القاهرة فى : 13 إبريل 2026                   





الجمعة، 10 أكتوبر 2025

وللحب بقية

 

كلما حاولت إخباء حرائقك بداخلى

جئت بصبا حنين فى خاطرى

لتشعلها أوبتك

فأُشعل بك من جديد

فلا حيلة لى فى إضرامك

ولا أملك فى نفسى إخمادك

تبدو وكأنك زرعت نفسك فى نفسى

جذورا عميقة لاأعرف لها انتزاعا

و لااستطيع إقلاعك

ولكن شاء النصيب أن يكتب بعادك

كأن القدر أحب لى ابتلائك

جمع بيننا يوما ثم فرق الأجساد

وترك روحى تهيم فى عناقك

تشتهى من الشوق اشتياقك

وكلما هب النسيم

تنتشر حولى ابتهجاتك 

وكلما استدار القمر

ينتشى الكون ضوة ضيائك

لتسرى مع الليل بستره العميق

تستعيد فى ظلمة النفس تلميحاتك

ملمحا به وَجْدُك وخلجاتك

حتى أبصرت وشوش الناس ابتسماتك

واسمع صوتك حين يطول الصمت

فيملأ الفراغ حولى بوهجاتك

فإن خبا يسرى فى الروح ترنيماتك

كل شيئ يمضى كأنك هنا

وكأن حضورك يأتى فى غيابك

يمد يده الخفية ليعيد فى نفسى

كل حساباتك

وكل ماكان ومافاتك

من همسى وهمساتك

وسحر كلامى وكلامك

فلا فقد بعد ذلك  يشبه فقدانك

ولاأى بعاد يشبه نسيانك

فلو كنت نسيتك يوما

لما أبقيت نفسى

على قيد اشتياقك

لأنى مازلت على عهدى بك

أعيش لأستقى من ذكرياتك

كى أرى الدنيا بعيونك

ومن خلالك

 قلب يتنفس بعطر هواك

ويأبى ألا يفرط في أحلامك

وعاش يتذكر فرط حنانك

نبضاته دوما تستلهم التماساتك

فأنت سرى الذى لايمحى

مهما طال انتظارك

ولايقدر الزمن على زوالك

إننى أعرف أن الطريق لم يعد يجمعنا

ولكنى أعرف أيضا 

أن طريقى فى مهجاتك

فإن لج بى الشوق المستحيل

أقف على حافة التمنى

متمنيا تدنياتك

وأن يبقى قلبى باعتلاقك

مع خالص تحياتى : عصام                               أكتوبر  2025