music

السبت، 20 يونيو 2026

على مرفأ الحياة

 


عَصَفَتْ لَيَالِي الأَشْوَاقِ فِينَا ... وَنَمْضِي فِي طَرِيقٍ كَالظَّلِيمِ

نُلَاقِي فِي مَدَاهَا كُلَّ هَمٍّ ... وَنَنْكَأُ جُرْحَ أَنَّتِنَا القَدِيمِ

وَنَهْمِسُ لِلنُّفُوسِ بِكُلِّ شَوْقٍ ... أَمَا لِلَّيْلِ مِنْ فَجْرٍ وَسِيمِ؟

وَكَمْ حَنَّتْ قُلُوبٌ فِي اغْتِرَابٍ ... إِلَى ذَاكَ الرَّصِيفِ المُسْتَدِيمِ

نُسَائِلُ عَنْ زَمَانٍ بَادَ مِنَّا ... وَنَسْتَلُّ الرَّجَا خَلْفَ النُّجُومِ

أَلَا عَوْدٌ تَسُرُّ بِهِ خَوَاطِرْ ... وَتَسْتَنْطِقْ مَاضِيَنَا العَظِيمِ؟

وَكَمْ هَمَسَتْ رَوَاحِلُنَا بِأَسْوَى ... أَلَا لَيْتَ الزَّمَانَ لَنَا يَدُومِ

أَلَا لَوْ عَادَ هَذَا العُمْرُ يَوْمًا ... لَعُدْنَا لِلأَحِبَّةِ وَالنَّدِيمِ

وَعُدْتُ أُنَقِّبُ الآفَاقَ بَحْثًا ... عَنِ الأَحْبَابِ فِي عَصْفِ الهُمُومِ

أُفَتِّشُ عَنْهُمُ بِطُولِ مَدَانَا ... فَكَمْ ذَابُوا بِأَحْشَاءِ الغُيُومِ

أَسْتَرْجِعُ القَلْبَ الجَرِيءَ ... فَمَا بَاحَ يَوْمًا لِلَّئِيمِ

أَسْتَرْجِعُ النَّبَضَاتِ تَعْلُو ... لِنَبْضِ قَلْبٍ جِدْ رَحِيمِ

وَتَحْضُنُنِي قُلُوبُ النَّاسِ حُبًّا ... وَيَهْدَأُ نَبْضُ صَدْرِي فِي النَّعِيمِ

أَلَا لَوْ عِيدَ مَاضِينَا لَهُدِّمْ ... حِصَارُ الأَسْرِ فِي الفَجْعِ الكَظِيمِ

وَلَطَمَسْتُ الزَّلَّاتِ جَمْعًا ... وَبُؤْسَ العَيْشِ وَالدَّهْرِ العَقِيمِ

فَفِي الدُّنْيَا قُلُوبٌ مَا تَزَالُ ... تَمُدُّ النُّورَ لِلْقَلْبِ السَّلِيمِ

وَلَأَعْتَقْتُ النُّفُوسَ بِلَا حَيَاءٍ ... تَمَطَّى فِي رُؤَى العَقْلِ الكَلِيمِ

وَصُغْتُ الحَيَاةَ بِفِكْرٍ جَدِيدٍ ... لِأَقْهَرَ حَظِّيَ العَاثِرْ الخَصِيمِ

لِأَسْتَشْرِفْ نَبْضَ قَلْبٍ ... غَدَا يَصْبُو لِحَظِّيَ المُسْتَهِيمِ

وَلَغُصْتُ فِي أَعْمَاقِ ذَاتِي ... كَمَا تَبْغِي حَيَاتِي أَنْ أُقِيمِ


مع خالص تحياتى : عصام 

القاهرة فى 20 يونيو 2026

 

الأحد، 7 يونيو 2026

من جاور السعيد يسعد

 

كنت كلما زرته فى مكتبه الوثير ، أيقنت أنه من طراز فريد ليس من طبيعة أهل هذا الزمان ولا ينتمي له .. خلقا  وعلما وتربية  ، وأن هيبته في القلوب تنبع من روحه لا من وضعية منصبه الذي ترهبه الناس و تهابه النفوس كما يظنون كلما حاولوا أن يتقابلوا معه ، فأنت لاتستطيع أن تنظر للسيد معتز السعيد أو ترى وجهه وتتأمل قسمات وجهه البشوش الضاحك ، أو تستمع إلى أحاديثه العذبة التى كان يرسلها بأبلغ الحكم . وتظن أن هذا الرجل  مجرد رجل أعمال ذات جاه ومال ، ولكنك ستكتشف وبكل بساطة أنه رجل يخفى فى صدره هالة من نور تنبعث من بين جوانحه لتضفى على هيئته المهابة والمحبة معا ، متوجا ذلك بصفاته الشخصية المتفردة .. جمال اللباقة ورونق الأناقة ، إنه علم من أعلام رجال الأعمال المحفوظة لهم المكانة العالية بصدق المودة ونبل الكرامة . إنه كالمخطوط النفيس في المكتبة العامرة ؛ هو درّة مقتنياتها، إذ يجمع بين عراقة الأصول التربوية الرصينة، وبين القيم الراسخة التى تعتبر ندرة في عصرنا الذي بات يفتقر إليها كثيرا ، لذلك كان أحسنها خلقا وأدبا وسمتا .. حتى أصبح يمثل لمن حوله نبراثا فهو الأب الذى توارث عن جده وجد الجد القيم والمبادئ والمثل العليا .. أنه جاء من أصول وجذور عميقة ليسلمها خالصة بتجاربه العديدة لأجيال حالية ومسقبلية من ابنائه وأحفاده ، هذا النبت الطيب من أرض مصر المحروسة ، هو الامتداد الطبيعى لتاريخ أسرة كدت وتعبت .. فجنت الثمار . كان قلبه هو الخزانة التى تودع فيها الأسرار لكل من حوله . يطوي عليها ضلوعه كراعٍ أمين، لا يتوانى عن حل عثراتهم، ولا ينام إلا ليطمئن على راحتهم . 

إنه ابن مصر البار .. الرجل العصامى .. الذى عُرف عن فكره أنه كان مميزا وعميقا منذ الصغر .. ولما كانت طموحاته وقدراته أرحب من أن تستوعبها وظيفته البنكية ببنك مصر في مقتبل مسيرته المهنية ، فقد سعى بشغف لخوض غمار تجربة مهنية جديدة ليفتح آفاقا غير تقليدية في مفهوم التجارة .. فكان اتجاهه العمل خارج البلاد .. وليست هذه بدعة .. وليس هذا إفلاسا ، وإنما هى قواعد التجارة والسياسة .. آمن بأن التجارة الخارجية (استيرادًا وتصديرًا) هي حجر الزاوية في بناء الاقتصاد المصري؛ متطلعاً لتجاوز التحديات البيروقراطية نحو رؤى مستقبلية مرنة كى تحقق نموا اقتصاديا واسع النطاق . فالاستيراد يسد رمق السوق المحلية من الاحتياجات والمواد الخام ، بينما يعزز التصدير الملاءة المالية للبلاد عبر جلب العملات الصعبة وتوفير فرص العمل. ويُعد التصدير الشريان الحيوي الذي يقي قطاعنا الصناعي آفة التواكل؛ من خلال تصريف الفائض والارتقاء بجودة المنتج. وكان يرى أنه لاسبيل لإنعاش الاقتصاد سوى مضاعفة حجم الاستثمارات .. كان فكره مبنيا على تطلعات جديدة مستشرفا آفاق مستقبلية رحبة من منطلق إيمانه الصادق بأن أوطاننا ليست ثمة عثرة فى مستقبل ابنائها أو هي التي تجور عليهم ، بل هم من يظلموها بالاستسلام للعجز . أيقن أن القدرة على النجاح تتطلب تحديد الهدف ثم السعى قدما  في مناكب الأرض مع شحذ الهمم واستنشاط العزائم والعمل الدؤوب . فالذي يغادر حضن وطنه ، كالبار بأمه  لا ينكر فضلها، ولا يقطع حبال برّه بها ، ولا يجحد مقدسات بنوته لفضلها ، بل يزيد ذلك حبا وشوقا لها ، ليترجم وفاءه  نجاحاً وعطاء يعود بالخير والرخاء على الجميع . وكم من مواقف كثيرة مشرفة التى أثبت فيها المصريون نجاحهم خارج القطر المصرى ، لتسمع لها دويّا قويا وهائلا من خلال السمعة الطيبة التى تتهادى في الآفاق من جميع بلدان العالم لترفع اسم بلادنا عالياً . إن قصة نجاحه .. قصة ملهمة، الأهم فيها أنها تجسد نموذجاً فريداً من الصبر والمثابرة ، والإصرار وتحدي العقبات، والإيمان بالاستمرار للوصول إلى الغايات .. كان مؤمنا بأن النجاح  غدا ممكنا ولم يعد صعبا أو بعيد المنال .. حتى أضحى واحدا من أبرز الشخصيات فى الميدان الذى اختاره وأفلح فيه ، وأصبح  من أهم الناس فى دنياه ، لذلك فنجاحه يعتبر دعوة مفتوحة لكل من يريد أن يكابد ويحاول ولايهاب .. ويصدق ولايخاف من أية صعوبات أو تحديات لأن التغلب عليها شريطة النجاح .. إنها دعوة صريحة وبصدق لكل من يجعل لنفسه هدفا لا يمكنك أن يحُوله أى شيئ آخر . . فالعظيم هو من يخلص لعمله ويتقنه ، ولا تشغله عن شغفه تفاصيل الحياة ؛ حتى لا يراه في غيره .. إذ يحيا بعطائه القلوب، ويثري بحنكته العقول، ويسر بتواضعه النفوس، ويضمن لنفسه الوجود وبقوة على أرض الواقع ليس لأحلام النرجسية فيها سبيل .. ليبق على مدى الأيام  أثره مستمرا .. إنه وبكل بساطة  معتز السعيد .                                                                                               


بناء على هذا الفكر، بدأ مسيرته العملية متخذا من تايلاند محطة انطلاقته الأولى ، قبل أن يحصد طلائع نجاحاته في الصين الشعبية . ولم تقف طموحاته عند هذا الحد، بل توالت نجاحاته ليغزو دول أخرى بجانب مصر والصين وتايلاند .. هونغ كونج ، وتركيا ، وقطر ، امتدت عبر ثلاث قارات : آسيا وأوروبا وشمال إفريقيا ، ثم عزز هذا النجاح ليرسخ مكانته العالمية في كل من جنوب إفريقيا، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية . إن سر نجاحه تجلّى في مباشرته لعمله الميداني بنفسه ، مُتوصلا  إلى حلول ناجعة لكل مشكلة قد تصادفه ببصيرة واعية، حيث كان ينتقد الأوضاع والقواعد التي تتصادم مع فكره وقيمه ومبادئه ، جاعلا من تشخيص المشكلات وطرحها هدفه الأسمى ، وبعد ذلك تأتيه الحلول فرادى وجمعا . إنه كان بحق من رواد الفكر الاقتصادى لذا شغل مناصب عدة منها رئاسته لجمعية غرفة التجارة المصرية الصينية وأيضا عميدا للجالية المصرية بجنوب الصين "جوانزو" ورئيسا لمجلس إدارة مجموعة شركات يونيون جروب التجارية القابضة العالمية وهي منظمة ذات سمعة جيدة للغاية متعددة الجنسيات فى الصين وبعض الدول الأخرى . ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل توّج حبه لمصر باكتساب ثقة جماهيرها عن دائرة "القاهرة وجنوب ووسط الدلتا"، إلى جانب أبناء بلدته "منية النصر" بالدقهلية فقد اختاروه عن جدارة ممثلاً لهم تحت قبة مجلس النواب، ليدافع عن حقوقهم ويحقق آمالهم، مكرساً جُلّ وقته الثمين لخدمتهم . كما كانت له أيضا بصمات ووقفات إنسانية مع معظم الشباب المصريين المقيمين بدولة الصين داعما للدولة المصرية من خلال علاقاته الوطيدة بأصحاب المصانع ورجال الاعمال والمستثمرين الصينيين . ومع كل هذه الجوانب رفيعة المستوى التى تجسدت فيه كرجل أعمال .. إلا أنك عندما تجالسه كنت لا تلمس في شخصيته إلا كل بساطة متناهية ، تعجز معها تصديق أن وراء ذلك يختبئ عقل اقتصادي فذ ونادر ؛ فهو المتحدث الأوحد والمُمسك بزمام الحديث .. متحدثا لبقا عنده من القصص والنوادر والحكايات أضعاف ماعندك .. تحب أن تنصت إليه  وتسمعه جيدا كى تستفيد .. كان عالما ومتطلعا بكل شاردة وواردة فى ثقافة ملمة بكل شيئ..  وحتى إذا تحدث إليك يسألك عن رأيك .. ليس الغرض من ذلك أن تقول أو يستدرجك إلى الكلام ، ولكن أن تعطيه أنت الفرصة لكى يقول حكاية جديدة أخرى من حكاياته الكثيرة .. الممتعة والمثيرة ، وفى ذات الوقت فيها متعة الاستماع وحسن السرد والإثارة .. ومع كل حكاية تتلو الأخرى ، تقع تحت سطوة الانبهار ؛ وكأنك عبرت بوابات مفتوحة على أكوان لا متناهية .. عوالم ممتدة لا أطراف لها ولا حدود، ولا تَقْبل الهوامش .. عوالم لم تخطر لك على بال، تفتح أمامك قاموساً من المعرفة الآسرة . ومهما طال بك الوقت وأنت جالس معه تشعر وكأن الزمن يسرقك فيه من حسن المتابعة والتركيز الشديد فى الإنصات . ولكن أى مجال وأية روعة بعد هذا تريد أن تستمتع بحلو حديث .. إنها تجارب الحياة التى كان يذخر بها من عالم المعرفة واسعة المدارك ، وكم العطاء الذى كان يمنحه لكل من صادقه أو كل من كان يعمل معه أو لديه .. إنه شيئ جميل لاحدود له .. المهم أنك تظفر فى النهاية بحكمة فيها من الرزانة والتدبر .. وفيها من الحصافة والعظة .. وفيها من الرصانة وخبرات سنوات من الكدح والتعب . فالحياة عنده كانت مثل الحب العقل يرفضها ولكن القلب يموت فيها ، أحب عمله فأحبه عمله .. لذلك امتلك صفة القبول وكاريزما لم تتوافر لغيره .. ولم يتكرر لمثله كل هذه الخصال دفعة واحدة ،  فإن كان أحدهم يملك واحدة أو اثنتين فلا يملكها جميعا مثل معتز السعيد ، لانه كانت لديه عقيدة لايحيد عنها أبدا أن أنفاس الناس هى الهواء النقى الوحيد الذى يتنفسه وتمنحه الحياة وكان يرى هذا من خلال تجاربه العملية والشخصية فى العديد من المواقف التى وضع بصماته فيها بإنسانيته التى فاقت كل حد . فضلا عن هذا أن وجهه دائما كان مكتسيا بسيماء الطيبة والبراءة واللطف ، إذ أنه من أولئك الناس الذين ماإن ترى وجهه لأول مرة حتى تشعر بالميل إليه ميلا مشوبا بالتقدير والاحترام دون أن يكون لك به سابق معرفة .. ودون أن تدرك السر فى حبك له منذ النظرة الأولى .. والوهلة الأولى .. والبسمة الأولى .. والاكتشاف الأول ، إنه من نوعية البشر الذى لابد أن تتوقف عندهم كثيرا وفى داخلك تمور أشياء شتى أهو خليط من كل شيئ يصعب تفسيره فى عالم يموج بمتناقضات الحياة والتى من أصعبها الصدمات المتتالية فى طبائع البشر .. أم هو الذي استأثر بجلّ الوفاء في العهود والوعود.. وفى ارتباطات الكلام .. وفى الاتفاقات فى زمن عز عليه هذه الخصال دون أن يساورك أدنى شك فى كل هذا .. وأنه صادق وأمين ، لتطمئن له وتفسح له مكانا كبيرا وعريضا من الثقة التى هو أهل لها ، فيتحول هذا الخليط إلى ثورة حب تملأ  الوجدان، لاسيما حين تتأمل كيف كان وجودك قبل اللقاء به . لقد صادفت في حياتك الكثير من ضعاف النفوس، وكانت تعاملاتك معهم مثّلت أسمى معاني النبل والشرف والنـزاهة والأدب ، لتكشف لك الأيام  بعد ذلك زيف مشاعرهم وحقيقتهم المغايرة .. أنهم لم يكونوا سوى وهم و سراب أو مجرد أقنعة زائفة . وحين جمعك القدر بـه غمرتك نشوة الصداقة الحقيقية المفعمة بالود .. والعامرة بالترحاب. لم يكن صداقتك به مجرد صدفة عابرة، بل كانت منحة إلهية ونعمة غالية؛ إذ جاء هذا الرجل في توقيت مقدّر ليعيد إلى حياتك  توازنها المفقود .. كى يستلهم مزاجك نشوة الصداقة الوثيقة الراسخة من جديد حتى أضحت نظرتك للحياة فى وجود صداقته نظرة جديدة تملأ العين والقلب معا .. وتشعر كلما نظرت لأعلى لترقب السماء تجد أن كل الفضاء المحيط الخارجى مليئة بنفس النجوم المتلألة فى عينيه تزاحم مشاعرك الجميلة التى ران عليها وقتا فى اضطرابات شتى .. لذلك أبت كل أحرف الكتابة إلا أن تكتب عنه من صفات اسمه المستمدة من العزة والسعادة لتبتهج الكلمات به وتقول من أين لها هذا الصبر الجميل على مفارق الانتظار حتى أينعت ثمارها ؟! .. لتدرك أخيرا أنها وُلدت من رحم تلك اللقاءات القليلة الخاطفة التى جمعتك به لتعوضك عن فراغ طالما كان يملأه أخرون لايستحقون .. إذ جاءت لترأب صدعاً تركه هؤلاء العابثون في حياتك، واجتثت من قلبك بقايا الحنق والخذلان .. ليتحوّل حالك معها إلى مدار أسمى، تخطيت فيها الضغائن ونـزعت من صدرك رواسب الخيبة والمرارة تجاه هؤلاء ، فإذا بحالك يتبدل إلى أفاق أرقى تجاوزت آلام الماضى إلى سكينة وراحة وأنت تنشد معه تراتيل الحياة والأمل .. الأمل الذى لايمل الانتظار بعد أن فارقنا .. إنه سيظل نابضاً فيك بالبقاء . قد لايتحقق ، لكن أطيافه تبقى راسخة ومهيئة على الوجوه التي تفيض بحبه وقد اكتستها العزة والكرامة ، لأنه مازال هناك قريبا منك ومنهم .. لإنه مازال هناك يداعب أحلامهم .. ومازال يفيض عليهم من جوده وكرمه الكثير .                                                                                                   


وعلى ذكر المقابلات أتذكر كيف كانت تأخذك الشوارع التى تسلمك  لشوارع أخرى التى تقودك إلى حوار عامر وشيك .. ومعك الرفاق منتظرون ، يستلهمون حب هو من أرسى قواعده فى نفوسهم عبر عقود عدة وليس البارحة فقط . كيف كنت تمضى قدما وأنت تسعى للذهاب إليه وهو ينتظرك أنت ومن معك .. تفصلك عن مكتبه بعض الوقت وأنت تقود سيارتك لاهثا .. مراوغا الطرق ، عازما على طرق بابه حتى يطل عليكم بابتساماته محيّياً، بل وتسبقهم عناقات حارّة  تحمل حباً صادقاً ومودة عامرة فاق بها الزمن ، ليعيد فى أذهانك وفى كل مرة  نقاء السرائر وحب زمان .. أيام المحبة النابعة من القلب وللقلب ، تستشعره من دفء إحساسه الصادق معك عند المصافحة وهو يحتضنك مرحبا بوجودك . إن مجرد التلاقى فقط يعد من أقوى أسباب السعادة إذ أنتم مخترقون بعضكم بعضا فى سباق محموم باندفاع فى ملحمة حسن استقباله .. لتبدأ مراسم الزيارة والتى كانت تحفل بكل أنواع المعرفة الزاخرة والمدارك الإنسانية العالية ، كان يملؤها وحده بالود والترحاب .. ويملؤك أنت .. عقلك وقلبك وأحلامك ليعلو رأسك ابتسامة حلوة عند توديعك إياه لتظل سعيدا بأنك تنظر لإنسان قد أرتقى بك وعلا . كل ذلك كنت تحسه بحدسك عند انتهاء الزيارة ، أنت والرفاق بنفس مراسم الاستقبال ، لتبدو على وجوهكم نواجز السعادة .        

ولانهاية ، يمكن أن أقوله عنه كإنسان .. أو كرجل أعمال قدوة وقدرة .. أوكصديق مخلص وأخ عزيز رفيع المستوى مهذبا .. أوفنانا فى محاكاة النفس ومع الأخرين .. لتتذكر دائما مآثره الكثيرة والعديدة .. فعلى سبيل المثال لا الحصر أنه كان محباً للبشر ، يفيض قلبه بالود للجميع .. صغيراً كان أم كبيراً .. غنياً أم فقيراً .. عابر سبيل أو رفيق الدرب .. كانت النفوس عنده تتساوى ؛  نعمة تُبهج روحه ، فلا فرق لديه بين من عرفه صدفة ، ومن تعمّق في سبر أغوار حياته ، فالكل في ميزان قلبه سواء . كما كان دوما يود إنكار ذاته .. يفعل الخير ولا يريد ذكر اسمه .. كان زاهدا في الحديث عن نفسه، متأففا من الثناء ، مترفّعا عن الإطراء .. متجردا من الأنا ، له مواقف عديدة كان داعما لبلده  فى بلاد الغربة .. وفى بلدته بمنية النصر دقهلية كان يفعل الكثير . إنه جميعا : معتز السعيد .                                        

شكرا لك أيها السعيد أن أتحت لى الفرصة لكى أفكر وأكتب عنك وأقول بصوت كنت أود أن تسمعه .. ولكنك لن تسمعه فقد ارتحل جسدك الذى سعى فى دنياه لإسعاد البشر .. رحل فى صمت، وأوصدت وراءك الباب في غفلة عن الجميع .. وبهدوء وقور شديد مضيت لتُطوَى صفحة عمرك ، فمسيرة مرضك كانت قصيرة للغاية .. كنت تريد ألا تتعب أحدا .. ولكننا تألمنا بعدك .. وذهبت مسرعا ملبيا نداء ربك الذى اختارك لجواره .. وكأنك كنت تريد ألا تزعج أحدا .. ولكن ازعجنا فراقك .. لتبق سيرتك الطيبة فى قلوب محبيك .. تماماً كما كنت فى مشوار حياتك تقدم العطاءات الإنسانية بكل أشكالها وألوانها .. حياتك التى فعلت فيها كل شيئ يدعو للمحبة والإخلاص . وإن كانت صورتك قد غادرت عيوننا فإنها غادرتها إلى قلوبنا لتستقر فيها .. فكنت أيها الصديق العزيز الوفى قريباً من قلوبنا جميعاً .. مَلأتَها سيرتك العطرة .. وحلو حديثك فى كل مجلس يأتى فيه ذكرك .. فنم قرير العين فأنت الأن تحصد مازرعته عند رب كريم .. لذا ندعوه ونرجوه .. وله تعنو الجباه .. ربنا .. يارب الوجود .. يارب العالمين نتوجه إليك منيبين.. فأنت العلى القدير .. كتبت على نفسك الرحمة وأنت أرحم الراحمين.. إذ نتوجه إليك داعين له بالرحمة والغفران ، وأن تسكنه الفردوس الأعلى من جناتك مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا . 



  مع خالص تحياتى : عصام                                          

                                         القاهرة فى 7 يونيه  2026     

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                            

 

 

 

 

 

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 

 

 

 

 

 

 

الاثنين، 25 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء السابع )

 


بدا المكان مشحونا قلبه ينبض بشدة وتتسارع أمام عينيه  كل الصور التى كانت تترى على ذاكرته لتعيد له كل المشاهد التى تقابل فيها معها ، ولم يستوعب بعد أنها ستمضى إلى حالها بلا رجعة . كانت عيناه ترقبان باب العمارة بحذر تلاحقان المشهد بلهفة وتوجس ، بينما كانت روحه معلقة وعقله  مشتتا يعد الثوانى فى انتظار قدوم الحافلة التى ستعلن بوقوفها أمام البوابة لحظة الرحيل الوشيكة . نبضات قلبه كادت أن تمزق قميصه ، وسرت فى أوصاله فجأة برودة مرعبة واقشعر كأنه سمع صوت النداء الأخير .. شفتاه ترجفان من شعور غريب اعتراه .. أخذت نظراته تتلفت فى عشوائية زائغة ثم نظر إلى الخلف وصمت . إنه لايريد أن يراها وهى تغادر أمامه بلا رجعة .. أقسى مايمكن أن يقهر الإنسان أنه لايستطيع أن يتحمل فوق قدراته النفسية وطاقته العصبية .. لذلك بدأ يشعر أن قدميه لاتستطيعان حمل جسده النحيل . ولكن تلك اللحظات أصبحت فارقة بالنسبة له استغرقها فى حيرة سويعات ، مرت كلمح البصر ، ود لو تتوقف عقارب الزمن ، ليتأمل ملامحها ماشاء فى هذه اللحظات الأخيرة ، لكن أمانيه تكسرت على صخرة الواقع حين لاحت الحافلة الكبيرة (ميكروباص) التى ستقلهم إلى تونس عبر المعبر الليبي .. تكدست الحقائب والأمتعة فى ردهة العمارة ، ولم تمضِ دقائق حتى بدأت عملية شحنها فوق شبكة السيارة . راقب من كثب وعن بعد حركة نقل المنقولات ، مشيعا إياها بنظراته قرابة نصف الساعة ، لاتفوته منها شاردة ولا واردة .. مرت برهة . ثم اتجهت عيناه لرصد الهابطين من العمارة ، أخذ يرمقهم بتفحص بالغ بحثا عن ميرفت .. وقف مجهدا صامتا ووحيدا .. لحظات بدت وكأنه أنفصل عن العالم بأسره ، حتى لاحت لنظره فلمحته .. نظرت إليه فى مشهد الوداع الأخير، تاه كل منهما فى هذه اللحظة ولكن لم يكن باستطاعته أن يفعل لها شيئا يطيب بها خاطرها .. لم يكن بمقدوره فى هذه اللحظة الفارقة التى ستفصل بينهما سوى أن يستوقفها ويفرد كفه ليحتضن يديها الحانيتين فى عناق أخير يودع فيه دفئهما للمرة الأخيرة ، ولكنه لن يستطيع ولم يجرؤ على فعل ذلك .. إلا من نظرة طويلة صامتة فيها كل المعانى التى طالما تمنيا أن يتكلما فيها معا ، عيناها فى عينه تملكتهما الدموع ، تحدثت جوارحهما ، احتضنها بأهدابه الجافة المتحجرة ، ثم مرت عليهما أقسى لحظات فارقة بصعوبة بالغة شاقة على نفسيهما . كان فزعها لمشهد الفراق هو الأكبر وهى تهم لتركب السيارة بجوار أمها .. كان المشهد مهوما بالحسرة وهى فى غياهب الحزن ، يبعث حرائق من قلبها وعينيها .. حقا إنها صدمة عنيفة ، فبعد قليل سوف يضيع كل شيئ ويتلاشى ، شرايينها أصبحت مستنفرة واحاسيسها تائهة كأغصان شجرة واتتها رياح عاتية فأخذت ترتطم بها بعنف فوق الجدران وقد ألقت بأوراقها بعد أن سقاها نعيم الحب حلاوته ، فإذا بالقدر يضرب أعماقها ويقتلعها من جذورها لتصبح يابسة فقدت ماتبقى لها من نفحات السعادة ، وهاهو القدر يقتلعها من مكان عشقته بجنون وتمنت أن تعيش فيه بقية عمرها . بدأت الحافلة فى التحرك ، وهى تشب من الشباك ملوحة بيدها وهى تبعد رويدا رويدا عن عينيه ، السيارة تجاوزت الشارع قبل أن تختفى عن نظره ، وعيونه كانت متعلقة بها حتى غابت ولم يرها ، تسمرت قدماه فى مكانها لحظات لايدرى إلى أين يذهب. 




         

عاد إلى منـزله متوترا حزينا .. دخل غرفته متواريا عن أمه حتى لا تراه على هذه الهيئة التى بدت على سحنته الواجفة .. حاول أن ينام ولم يعرف ، أفتكر الرسالة وراح يسحبها من جيب سترته .. تردد فى فتحها.. إنها رسالة الوداع الأخيرة .. لم يشأ أن يفتحها إلابعد أن تغادر احتراما لرغبتها التى وعدها إياها فتمالك نفسه ولم يفتحها إلا فى المساء بعد أن رحلت بسويعات، فإذا بكلماتها حارقة .. مؤلمة .

   "حبيبى :

عندما تكون كلماتى بين يديك ، أكون قد غادرت القاهرة فى رحلة طويلة بلا عودة .. إلى أرض غير الأرض .. وإلى سماء غير السماء.. بلد عربى أخر دون الوطن .. ذهبت إليه قسرا .. فلاحيلة لى فى السفر ، بل إنني أجبرت عليه .. إنها الحياة عندما تقسو وتجبرنا على أن نمضى فى طرق لانريدها، ولاتترك لنا فرصة للاختيار وتجعلنا نودع من تمنينا أن يكونوا معنا إلى نهاية العمر . لقد وضعتنى الظروف أمام أحد أمرين أحلاهما مر .. كنت بالأمس أعيش فى بلد أحببته وعشقت أرضه وتعودت على ناسه .. وطنى الثانى .. مصر الحبيبة .. عشت فيها أيام هى أجمل أيام عمرى ، وعندما التقيت بك وعرفتك تمنيت أن أعيش معك فيها عمرى كله من أجلك أنت . واليوم أغادرها ولكن من أجل العودة للم شمل الأسرة مرة أخرى بعد سنين عانينا فيها ألم البعاد وقسوة الغربة .. إننى ذاهبة أنا وأمى لنلتقى بأبى وأخوتى فى تونس التى سافروا إليها هربا من وطأة الإحتلال ، وهناك استطاعوا أن يعملوا ويجتهدوا حتى دانت لهم الحياة وأصبحت ميسورة الحال فتمكنوا من استئجار شقة تسمح بأن نقيم كلنا فيها ونستقر هناك إلى يوم العودة لوطننا .. ورغم فرحتى بلقائهم إلاأن البعد عنك سيؤلمنى أيضا لأنى سافرت تاركة أحلامى وطموحاتى وقلبى الذى لم أعد أملكه . إننى أكتب إليك بوجع الكلمات التى تحتوينى وكأن كل حرف انتزعه من قلبي انتزاعا قبل أن يصل إليك.. إننى لم أحب سواك .. ولم أختر أن أتركك ، ولابعدت عنك بإرادتى، لذلك سيصبح البقاء معك حلما أكبر من قدرتي على تحمله . كثيرا ماوقفت لأتأمل قصة حبنا ،  كيف كانت وكيف صارت .. وتعجبت من الأيام ، وغدر الأيام ، لأننى لم أكن أتخيل يوما أن أكتب لك هذه الكلمات وأنا أستعد للرحيل دون عودة .. وكيف سأعيش بدونك ؟! ، سؤال لم أكن أتصور أنه يخطر ببالى البتة.. كيف أنهى القدر ماتمنيته فى حياتى وعشته أخيرا ، كيف صدقت يوما بأنك ستبقى لى العمر كله  ؟!.. كأن القدر قرر أن يختبر حبنا اختبارا قاسيا فضغط علينا بمنتهى القسوة . إننى أعلم أن رحيلي سيؤلمك .. كما سيؤلمني فراقك .. ولاأتصور أننى لن أراك مرة أخرى .. وسامحني إن كنت قصرت فى حقك لأنني لم أستطع أن أبقى .. ولكن أرجو بعد ماقلته لك  عن سبب الرحيل .. أن يكون سببا مقنعا وكافيا لك ، ولاتكن قاسيا فى حكمك علىّ لوأخذك ظنك أننى كنت على علم بالسفر منذ مدة وأخفيته عنك ، وأنى خدعتك عندما لم أخبرك به .. فالسفر جاء فجأة وكان علينا أن نجهز أنفسنا له خلال يومين فقط ، والذى شغلنى وشل تفكيرى منذ أن عرفت به هو أن أخبرك فى حينه ، وكان منتهى أملى أن أشبع منك بأكبر قدر ممكن كى اختزله لأيام لاأعرف كيف أعيشها فيها بدونك ، ولكن جن جنونى لأنك تبدو وكأنك اختفيت .. ومع تسرب الوقت وأوشك على النفاد وجدت نفسى لاأستطيع أن أتحمل السفر دون أن أراك ، أو أتكلم معك أو حتى أودعك ولو بنظرة .. وبدأ الدم يغلى فى عروقى وأنا لاأعرف كيف أصل إليك ، وكنت أتلمس شتى الأعذار لأهبط إلى الشارع مرارا فى اليومين الماضيين كى أراك ولكن لاجدوى ، وبسببك غرقت فى هم مقلق ولوعة دافقة خلالهما ، وجاف النوم عينى طيلة ساعات الليل ران فيهما السهاد ، لأنك حرمتنى أن أحيا معك سويعات لأوثق عُرى صلتنا الروحية . وعندما أصابنى اليأس فكرت فى زيارة لمنزلك متذرعة بسلام أمى قبل السفر ، وكان الهدف الحقيقى أنى أحظى برؤيتك قبل أن أرحل عنك ، ولكن التردد أثنانى ، فآثرت كتابة هذه الرسالة وسأوكل طرفا من صديقاتى لإيصالها إليك لو أن قدرى أن أسافر ولا أراك .. فأرجو أن تلتمس لى العذر .. لأنى لاأريد أن تتألم بسببى من صدمة المفاجأة ، ورجائى إن مررت يوما بمكان جمعنا ، أو سمعت شيئا يذكرك بى .. فقط ابتسم بابتسامتك الحلوة التى كانت تعرف جيدا طريقها إلى قسمات وجهك الأبيض المشرق ، والتى كنت تقابلنى بها كلما أقبلت عليّ مبتهجا مسرورا فتغمرنا السعادة بما أناءه الله علينا من نعمه التى كانت سببا فى إسعادنا معا . وتذكر أن كل مااستطعت أن أفعله لك أنى تركت قلبى معك أمانة ، فهو لك وسيظل لك ، فصنه وحافظ عليه واجعل له مكانا دافئا فى قلبك .. أظل به بقايا وصال ، وأشلاء أحلام وراء باب موصود .. وإن كانت الأيام قد فرقت بين الأجساد ، فإنها لاتستطيع أن تفرق بين خلجات النفس وماتحمله القلوب ، وإن كان القدر لم يكتب لنا إن نكمل معا .. فإنه كتب لنا قصة حب كان وسيظل صادقا ولن يموت ، وسأذكره دائما بينى وبين نفسى ماحييت وسأعيش دائما على ذكراه . 

    حبيبى : 

إن أجمل ذكرياتى هى التى عشتها معك .. سأتذكركيف بدأت معك المستحيل ، وتكلمنا بعد معاناة ، ثم عشت معك أحلامى .. أجمل أيام حياتى ، كنت اتصور أنها ستطول ، وكانت نشوتى أنها تطول .. ولكن لكل شيئ نهاية ، فانكتب علينا الفراق .. جاء كإعصار من حولى استنفدت معه كل طاقتى ، فتوقف حبنا فجأة عند منتصف الطريق ، وتوقف معه العطاء لأسكب حكايتى معك فى خيالى وفى قلبى الحزين .. فهون على نفسك ولا تنسانى حتى ولو زهو الحب غادر .. وعش على أمل ربما يوما سأعود ، ولوالأمر بيدى لكنت وعدتك بالعودة وضمنت لك الوفاء بالوعود.

حبيبى : 

يكفينى فخرا أننى حققت الحب فى قلبك ، عانقت فيها مشاعرك الرقيقة ، لقد عشقتك فى الخيال من قبل أن نتكلم .. عشقتك من ابتساماتك ومن نظراتك .. وبعد أن تكلمنا صرت قريبا من نفسى ، وكأنى غدوت منك ، وأصبحت أنت بعضا منى .. كنت احتضنك تحت جفونى فأراك فى كل شيئ حولى .. كنت لاأرى غيرك ، وسيبقى عهدى معك أنى سأظل عالقة بك مثل بقايا العطور  .. تطل برائحتها من نوافذ ثيابك ولاتغادر الأنوف ، ومهما حاولت الأيام أن تمحوها ستبقى رائحتى فيك ترافقك  فى كل الدروب ، وسأظل أنا هكذا على العهد ولن أنسى ماكان لى من حب تحول إلى شجون .  

وختاما .. لك منى ألف سلام .. ومحبة وأشواق .. وإن كف الدمع عن الكلام .. تظل الحنايا فى آلام .. نبضها لايهدأ .. ولاتعرف سبيلا للمنام .. مستنفرة أيام كنا فيها على وئام ، وإن كنت عنك أغيب ، فإننى سأشرق فى ابتساماتك من جديد .. وسأعود كلما حل الربيع البهيج ، وسترانى فى وجه القمر كلما رفعت هامتك للسماء .. ونظرت لبهائه المضيئ .. وستجدنى مع تفتح البراعيم مستقبلة قطرات الندى على أوراق الزهور .. وستلمحنى كلما غضت الأغصان وترنحت بدعبات النسيم .. إننى سأظل على العهد مهما طالت بنا الأيام والسنين .. حتى ولو هدأ الحب فى قلبك .. سأذكرك أنا وحدى وأتوهم .. أنك مازلت تحلق فى مدارى .. وتحيا فى قلبى الوتين .

الوداع ياحبيب العمر ، يامن كنت لى والأخ والصديق والرفيق والحبيب ، وآخر ما سأقوله لك أنى أحبك حبا سيبقى أبد الدهر ولن يموت حتى المشيب .                                                                                                "حبيبتك المخلصة".

ما أن طوى الرسالة حتى انزوى فى ركن قصى ، يجهش ببكاء مرير ، ثم آثر العزلة متواريا عن أهله ، غارقا فى صمت ذهولى وذهن شارد لايتكلم .. بقى على هذا الحال حتى قلت شهيته للطعام وتقلصت وجباته فهزل وأصبح جسده واهنا نحيلا . تفرست أمه بقلبها الدليل على تبدل حاله ، فقد أحست أن الذهول صار ديدنه وغدا ظلا يلازمه حيث كبله بصمت مريب .. وهى بمشاعرها القريبة وحدسها العاطفى العميق لابنها لم يخف عليها هذا التبدل الغريب ، فعلاقتها به يجرى منها كجريان الدم فى العروق ، ومن غيرها يلاحظ هذا ويستكين ، إنها أول من فى البيت أحست مااعتراه من تغيير ، وعندما سألته لم يستطع أن يقول لها شيئا ، لذلك دأب على محاولاته المتكررة فى الهرب من نظرات عينيها التى كانت تلاحقه بها ، وخاصة أنه سهل عليها جدا أن تكتشف مابه وحتما ستعرف إذا أرادت . ومن ثم كان يلوذ بالشارع فرارا من حدة هذه النظرات المتفحصة ، يرسف فى حاله .. غارقا فى يأسه الذى ألفه حتى صار جزءا لايتجزأ من كيانه ، فإذا بعينيه ترى أضواءه باهتة .. أحس بفراغ فى الطريق .. وسكونه المريع إلا من هبة هواء رطبة لفحت وجهه بشيئ من برودة الجو أحس كأنه السقيع .. إنه يكاد يفقد حواسه .. عيناه الزائغتان تتجهان نحو العمارة التى كانت تقطنها ميرفت وأمها وجدها كالأطلال .. مظلمة إلا طفيف أضواء تناثرت من نوافذها .. وعلى امتداد الشارع ترامى وراءه الفراغ الفسيح يلفه وشاح من الظلمة والوحشة والصمت المطبق الحزين . إن حزنه سيطر عليه ولم يعد ينشد الراحة فى أى شيئ .. خطواته ثقيلة .. تنقلها قدماه ببطء شديد وصعوبة بالغة.. ومع ذلك لم يحاول التوقف .. أخذ يجرهما جرا ، وعندما بلغ العمارة أشاح بوجهه إلى أعلى تجاه الشرفة التى كانت تقف فيها ميرفت والتى كان يطريه أن يراها وهو فى قمة السعادة . فجأة استوقفته لافتة لم يلحظها من قبل ، وما أن حدق فيها عبر نطاق الضوء الكافى وسط الظلمة المحيطة بالمكان  ، حتى تبينت له أنها مكتوبة بخط يدوى مرتجف : " الشقة للإيجار " . تجمد فى مكانه ، وأطبق الصمت على أنفاسه وهو يطرق برأسه ، لتشق دمعتان حارقتان لاهبتان مجراهما على خديه ، ثم نكس رأسه إلى الأرض انكسارا ، ومضى لحاله  . 

       "انتهت القصة ولم ينته الحب"

  مع تحيات : محمد عصام                                         القاهرة فى : 25 مايو 2026




الاثنين، 18 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء السادس )

 


مرت أيام عاشا فيها أجمل أيام عمرهما حيث تكررت لقاءاتهما العفوية الجميلة . أما هو فكانت السعادة لاتسعه بل تعدت ذلك بكثير إذ رأى نفسه أنه ليس من أهل الأرض .. حيث أن خياله الخصب حلق به فى مدار السماء ليطوف به على سحابة بيضاء إلى آفاق لم يتسن لأحد قبله أن يصل إليها ، وأدرك أن نعمة الحب واتته وبه أصبح يعيش أجمل أيام عمره ، وتعجب من خجله الذى كان سيكلفه إقصاء هذه النعمة عنه ، نعمة لم يكن ليشعر بها إذا أصر على انطوائيته . أما هى فقد شعرت بالحب يسرى في كيانها الأنثوى . وأنها ولأول مرة تشعرأن قلبها ينبض ويدق على رأسها بقوة ويجعلها تحلم بالليل وتسرح النهار .. إذ أن الحب حول حياتها إلى نعيم مقيم ، بعد أن عاشت وهمه فقط فى القصص التى كانت تسمعها وتقرأها ولكنها لم تكن لتشعر بما تشعر به الأن من جمال فاق كل حد . مرت عليهما أيام ومضت ليالِِ، عاشا فيها أجمل أيام عمرهما .. ليتها دامت ، فقد كانت أجمل وأحلى مافى الحياة . ولكنها الدنيا .. وماأدراك ماالدنيا .. فلكل شيئ إذا ماتم نقصان .. فلا يُغَر بيطيب العيش إنسان .. وماحلا صفو عيش إلا وكُدر بزواله .. وهاهى الدنيا لاتُبقى على أحد ولاتدوم فيها سعادة مهما طالت .. ووهج الحب وإن طالت شعلته لن يستغرق عمرا ولاشيئ فيه يبقى على حاله . ففى أحد الأيام التي أعقبت أجمل حلم عاش عصام حقيقته وجد نفسه يواجه مالم يخطر على باله . فى صباح ذلك اليوم المشؤوم وقفت ميرفت فى الشارع ترقبا لظهوره .. على غير عادتها ، شاردة الذهن واجمة تقلب بصرها فى وجوه المارة القادمين فى الاتجاهين بشغف ، عيناها شاخصتان معلقتان بالطريق فى قلق بالغ ، وماأن رأته حتى أقبلت عليه فى لهفة . رمق خطواتها المتناقلة ، وقد أوشكت على السقوط من فرط الإعياء ، وعندما أقتربت منه أكدت عليه ضرورة مقابلتها بعد منعطف الشارع لأمر طارئ لايحتمل التأجيل .. تفرّس فى وجهها فرأى أنفاسها المتلاحقة غشاها الذعر ، ويديها ترتجفان بارتعاشة .. وبدت مكفهرة الوجه  تتراقص ظلال أهدابها الطويلة على خديها المتقدين كأنهما جذوة من نار .. مدت أناملها المرتعشة إلى عينيها الجميلتين وجففت بعض الدموع . بدا القلق ينتابه بشدة عندما شعر بما يشبه الضيق يطبق على أنفاسها ويكاد يخنقها . واجهته بانزعاج بالغ ، فقد أضناها البحث عنه يومين ، تترقبه بلهفة أى سانحة لتبلغه بالأمر ، ولكن أعياها الأثر ، وأُغلقت فى وجهها سبل الوصول إليه ، حتى رأته فى ذلك اليوم الذى سوف يشهد سلسلة من الأحداث لم يكن بالإمكان أن يتوقعها ولاتخطر بباله أن تأتى بهذا الشكل . أخذ ينظر إليها .. وينظر .. وينظر ، إلى أن أغمض عينه ، بعد أن أبلغته بأنها ستسافر عصر اليوم ولن تعود ، الصدمة جعلته لايريد أن يسمع منها أى شيئ أخر .. سكت ولم يستطع أن ينبس بكلمة من هول الصدمة وكأن صاعقة من السماء انقضت عليه لتتركه حطاما عاجزا عن الحراك والتفكير .. أطبق على رأسه بكلتا يديه كى يمنعه من الانفجار والتطاير .. حتى أوصاله اضطربت أشد الاضطراب.. وأسودت الدنيا فى عينيه ، ورفع لها وجهه الفاقد لكل معانى الأمل وقد ازدرد ريقه، وغاب عقله المشتت بين الحقيقة المرة والتمنى . إن عقله لم يستطع استيعاب الموقف حيث أدرك أنها هذه اللحظات ستكون هى اللحظات الأخيرة التى سيتكلم فيها معها . كانت أعماق الاثنين تموج بانفعلات شتى ساد الصمت خلالها .. صمت أليم موجع . تساقطت دموعه صامتة كخيوط خفية لتستقر عند شفتيه ، مد طرف لسانه يقتات دمعة مالحة ساخنة بمرارة ألم فاق طاقة احتماله . أما هى خانتها عيناها ، فاستسلمت لغزارة دموع انهمرت وأبت أن تعرف طريقا للحبس .. دموع متمردة على محاولات الكبح كجدول حزين لايكف عن التدفق . كان هو أول من حاول جاهدا التماسك بأن يسيطر على دموعه كى يركز معها ويستوعب كل كلمة تقولها حيث رفع إليها بصره وقال لها فى مرارة : لا تصعبى علينا الموقف أكثر من هذا ، ماعدت أقوى على التحمل ، فكل شيئ تقريبا قد انتهى . حاولت تضميد انكساره وبث أمل واهن فى نفسه ، بينما كانت هى ذاتها غارقة فى دمارها ، تتحدث بكلمات لاتعيها ودموعها تسابق كلماتها حتى غمرت وجهها دون أن تشعر فقالت له : ولكن ربما نتقابل مرة ثانية ، مين عارف . قال لها باقتضاب : وماذا يفيد ذلك الأن؟ ثم صمت . أطرقت برهة ، تترقب منه كلمة تجبر كسرها . لكن بدا على عصام أثر الصدمة التى أصابته بعنف حيث لزم صمتا أخرس .. عاجزا عن التدارك . أحست ميرفت بتقلص وجهه وبدا لها كأنه قدُ من حجر . ثم نظر إليها بإشفاق بعد أن جثم الحزن على كامل هيئته ونطق بعد فترة صمت طويلة والدموع تغالب عينه : إننى لاأجد ماأقوله .. ثم أشاح بوجهه عنها ولم يستطع النظر فى وجهها العابس الذى امتقع لونه وأكفهر . أما هى سكتت فى وجوم ولم تجد أيضا ماتقوله سوى أنها واصلت دموعها المنهمرة الهاطلة التى تبكى تباريح الحياة والمكان .. ثم عادت لحظات الصمت بينهما من جديد .. الصمت الذى لم يكن وراءه إلامجهول .. إذ لم يعد هناك مجال لكلام يُقال . انتهى اللقاء الصعب عند هذا الحد ، استأذنت حتى لاتغيب عن أمها فالساعات المقبلة متخمة بتجهيز الشنط والمنقولات والأمتعة . وقبل أن تمضى مددت يدها وأخرجت من جيب معطفها ظرفا أغلقته بإحكام ، وبدا عليها ألم مروع .. كانت تُطبق على الظرف بعصبية وهى تدسه فى جيبه وتهمس له : عصام يمكن مش هنشوف بعض بعد كده ، ولاأتصور الحياة بدونك وهتشتاق إليك كثيرا ، من أجل هذا سأترك لك هذه الرسالة فيها من نبضات قلبى .. وفيها من دموع عينى .. وفيها كل إحساسى ومشاعرى وعواطفى تنبض مع كل حرف كنت أكتبه لك .. وهذا أخر مايمكن أن أمنحك إياه .. إنها ليس رسالة فحسب وإنما وثيقة حبنا .. احتفظ بها واجعلها تذكارا من أحبتك بكل جوارحها . وأرجوك ألا تفتحها إلا بعد أن أغادر . سكنت ولكن جسدها كان يصرخ بانهيار تام وينتفض لاإراديا .. فما بعد هذا الصمت إلا الفراغ . أخذت خطواتها تجرها من أمامه فى إطراق ،  وكلما بعدت خطوة من أمامه تلفتت وراءها وتنظر له بنظرات حانية تريد أن تملأ عينيها بكامل صورته لتحتفظ بها على الدوام . أما هو لم تعد أعصابه تستطيع تحمل هذ الموقف ، فالرجوع لايفيد والفراق يطرق أبوابه بعنف ، أخذ يتابع خطواتها حتى غابت من أمام عينيه ثم تلاشت . تسمرت قدماه ولم يستطع أن يتحرك ولم يصدق نفسه أنه لم يرها بعد اليوم .. ولن يسمع صوتها بعد هذه اللحظة .. وإنها ذاهبة وستغدو ملامحها فى ذاكرته مجرد طيف أو صورة مرتسمة فى قلبه وعقله .. وعيناها التى طالما تمتع بالنظر إليها ستصبح مجرد وهم .. وصوتها فى أذنه مجرد رجع صدى بعيدا ، بعد أن كانوا جميعا حقيقة أيامه . إن حبهما سيغرق فى غياهب الزمن القاسى ، لتنتهى حكاية المشاعر الحقيقية وتصبح مجرد خيبة أمل تطوى معها كل شي إلى الأبد .

   وإلى لقاء أخر فى الجزء السابع                                  

مع تحيات : محمد عصام                                      القاهرة فى : 18 مايو 2026