بدا المكان مشحونا قلبه ينبض بشدة وتتسارع أمام عينيه كل الصور التى كانت تترى على ذاكرته لتعيد له كل المشاهد التى تقابل فيها معها ، ولم يستوعب بعد أنها ستمضى إلى حالها بلا رجعة . كانت عيناه ترقبان باب العمارة بحذر تلاحقان المشهد بلهفة وتوجس ، بينما كانت روحه معلقة وعقله مشتتا يعد الثوانى فى انتظار قدوم الحافلة التى ستعلن بوقوفها أمام البوابة لحظة الرحيل الوشيكة . نبضات قلبه كادت أن تمزق قميصه ، وسرت فى أوصاله فجأة برودة مرعبة واقشعر كأنه سمع صوت النداء الأخير .. شفتاه ترجفان من شعور غريب اعتراه .. أخذت نظراته تتلفت فى عشوائية زائغة ثم نظر إلى الخلف وصمت . إنه لايريد أن يراها وهى تغادر أمامه بلا رجعة .. أقسى مايمكن أن يقهر الإنسان أنه لايستطيع أن يتحمل فوق قدراته النفسية وطاقته العصبية .. لذلك بدأ يشعر أن قدميه لاتستطيعان حمل جسده النحيل . ولكن تلك اللحظات أصبحت فارقة بالنسبة له استغرقها فى حيرة سويعات ، مرت كلمح البصر ، ود لو تتوقف عقارب الزمن ، ليتأمل ملامحها ماشاء فى هذه اللحظات الأخيرة ، لكن أمانيه تكسرت على صخرة الواقع حين لاحت الحافلة الكبيرة (ميكروباص) التى ستقلهم إلى تونس عبر المعبر الليبي .. تكدست الحقائب والأمتعة فى ردهة العمارة ، ولم تمضِ دقائق حتى بدأت عملية شحنها فوق شبكة السيارة . راقب من كثب وعن بعد حركة نقل المنقولات ، مشيعا إياها بنظراته قرابة نصف الساعة ، لاتفوته منها شاردة ولا واردة .. مرت برهة . ثم اتجهت عيناه لرصد الهابطين من العمارة ، أخذ يرمقهم بتفحص بالغ بحثا عن ميرفت .. وقف مجهدا صامتا ووحيدا .. لحظات بدت وكأنه أنفصل عن العالم بأسره ، حتى لاحت لنظره فلمحته .. نظرت إليه فى مشهد الوداع الأخير، تاه كل منهما فى هذه اللحظة ولكن لم يكن باستطاعته أن يفعل لها شيئا يطيب بها خاطرها .. لم يكن بمقدوره فى هذه اللحظة الفارقة التى ستفصل بينهما سوى أن يستوقفها ويفرد كفه ليحتضن يديها الحانيتين فى عناق أخير يودع فيه دفئهما للمرة الأخيرة ، ولكنه لن يستطيع ولم يجرؤ على فعل ذلك .. إلا من نظرة طويلة صامتة فيها كل المعانى التى طالما تمنيا أن يتكلما فيها معا ، عيناها فى عينه تملكتهما الدموع ، تحدثت جوارحهما ، احتضنها بأهدابه الجافة المتحجرة ، ثم مرت عليهما أقسى لحظات فارقة بصعوبة بالغة شاقة على نفسيهما . كان فزعها لمشهد الفراق هو الأكبر وهى تهم لتركب السيارة بجوار أمها .. كان المشهد مهوما بالحسرة وهى فى غياهب الحزن ، يبعث حرائق من قلبها وعينيها .. حقا إنها صدمة عنيفة ، فبعد قليل سوف يضيع كل شيئ ويتلاشى ، شرايينها أصبحت مستنفرة واحاسيسها تائهة كأغصان شجرة واتتها رياح عاتية فأخذت ترتطم بها بعنف فوق الجدران وقد ألقت بأوراقها بعد أن سقاها نعيم الحب حلاوته ، فإذا بالقدر يضرب أعماقها ويقتلعها من جذورها لتصبح يابسة فقدت ماتبقى لها من نفحات السعادة ، وهاهو القدر يقتلعها من مكان عشقته بجنون وتمنت أن تعيش فيه بقية عمرها . بدأت الحافلة فى التحرك ، وهى تشب من الشباك ملوحة بيدها وهى تبعد رويدا رويدا عن عينيه ، السيارة تجاوزت الشارع قبل أن تختفى عن نظره ، وعيونه كانت متعلقة بها حتى غابت ولم يرها ، تسمرت قدماه فى مكانها لحظات لايدرى إلى أين يذهب.
عاد إلى منـزله متوترا حزينا .. دخل غرفته متواريا عن أمه حتى لا تراه على هذه الهيئة التى بدت على سحنته الواجفة .. حاول أن ينام ولم يعرف ، أفتكر الرسالة وراح يسحبها من جيب سترته .. تردد فى فتحها.. إنها رسالة الوداع الأخيرة .. لم يشأ أن يفتحها إلابعد أن تغادر احتراما لرغبتها التى وعدها إياها فتمالك نفسه ولم يفتحها إلا فى المساء بعد أن رحلت بسويعات، فإذا بكلماتها حارقة .. مؤلمة .
"حبيبى :
عندما تكون كلماتى بين يديك ، أكون قد غادرت القاهرة فى رحلة طويلة بلا عودة .. إلى أرض غير الأرض .. وإلى سماء غير السماء.. بلد عربى أخر دون الوطن .. ذهبت إليه قسرا .. فلاحيلة لى فى السفر ، بل إنني أجبرت عليه .. إنها الحياة عندما تقسو وتجبرنا على أن نمضى فى طرق لانريدها، ولاتترك لنا فرصة للاختيار وتجعلنا نودع من تمنينا أن يكونوا معنا إلى نهاية العمر . لقد وضعتنى الظروف أمام أحد أمرين أحلاهما مر .. كنت بالأمس أعيش فى بلد أحببته وعشقت أرضه وتعودت على ناسه .. وطنى الثانى .. مصر الحبيبة .. عشت فيها أيام هى أجمل أيام عمرى ، وعندما التقيت بك وعرفتك تمنيت أن أعيش معك فيها عمرى كله من أجلك أنت . واليوم أغادرها ولكن من أجل العودة للم شمل الأسرة مرة أخرى بعد سنين عانينا فيها ألم البعاد وقسوة الغربة .. إننى ذاهبة أنا وأمى لنلتقى بأبى وأخوتى فى تونس التى سافروا إليها هربا من وطأة الإحتلال ، وهناك استطاعوا أن يعملوا ويجتهدوا حتى دانت لهم الحياة وأصبحت ميسورة الحال فتمكنوا من استئجار شقة تسمح بأن نقيم كلنا فيها ونستقر هناك إلى يوم العودة لوطننا .. ورغم فرحتى بلقائهم إلاأن البعد عنك سيؤلمنى أيضا لأنى سافرت تاركة أحلامى وطموحاتى وقلبى الذى لم أعد أملكه . إننى أكتب إليك بوجع الكلمات التى تحتوينى وكأن كل حرف انتزعه من قلبي انتزاعا قبل أن يصل إليك.. إننى لم أحب سواك .. ولم أختر أن أتركك ، ولابعدت عنك بإرادتى، لذلك سيصبح البقاء معك حلما أكبر من قدرتي على تحمله . كثيرا ماوقفت لأتأمل قصة حبنا ، كيف كانت وكيف صارت .. وتعجبت من الأيام ، وغدر الأيام ، لأننى لم أكن أتخيل يوما أن أكتب لك هذه الكلمات وأنا أستعد للرحيل دون عودة .. وكيف سأعيش بدونك ؟! ، سؤال لم أكن أتصور أنه يخطر ببالى البتة.. كيف أنهى القدر ماتمنيته فى حياتى وعشته أخيرا ، كيف صدقت يوما بأنك ستبقى لى العمر كله ؟!.. كأن القدر قرر أن يختبر حبنا اختبارا قاسيا فضغط علينا بمنتهى القسوة . إننى أعلم أن رحيلي سيؤلمك .. كما سيؤلمني فراقك .. ولاأتصور أننى لن أراك مرة أخرى .. وسامحني إن كنت قصرت فى حقك لأنني لم أستطع أن أبقى .. ولكن أرجو بعد ماقلته لك عن سبب الرحيل .. أن يكون سببا مقنعا وكافيا لك ، ولاتكن قاسيا فى حكمك علىّ لوأخذك ظنك أننى كنت على علم بالسفر منذ مدة وأخفيته عنك ، وأنى خدعتك عندما لم أخبرك به .. فالسفر جاء فجأة وكان علينا أن نجهز أنفسنا له خلال يومين فقط ، والذى شغلنى وشل تفكيرى منذ أن عرفت به هو أن أخبرك فى حينه ، وكان منتهى أملى أن أشبع منك بأكبر قدر ممكن كى اختزله لأيام لاأعرف كيف أعيشها فيها بدونك ، ولكن جن جنونى لأنك تبدو وكأنك اختفيت .. ومع تسرب الوقت وأوشك على النفاد وجدت نفسى لاأستطيع أن أتحمل السفر دون أن أراك ، أو أتكلم معك أو حتى أودعك ولو بنظرة .. وبدأ الدم يغلى فى عروقى وأنا لاأعرف كيف أصل إليك ، وكنت أتلمس شتى الأعذار لأهبط إلى الشارع مرارا فى اليومين الماضيين كى أراك ولكن لاجدوى ، وبسببك غرقت فى هم مقلق ولوعة دافقة خلالهما ، وجاف النوم عينى طيلة ساعات الليل ران فيهما السهاد ، لأنك حرمتنى أن أحيا معك سويعات لأوثق عُرى صلتنا الروحية . وعندما أصابنى اليأس فكرت فى زيارة لمنزلك متذرعة بسلام أمى قبل السفر ، وكان الهدف الحقيقى أنى أحظى برؤيتك قبل أن أرحل عنك ، ولكن التردد أثنانى ، فآثرت كتابة هذه الرسالة وسأوكل طرفا من صديقاتى لإيصالها إليك لو أن قدرى أن أسافر ولا أراك .. فأرجو أن تلتمس لى العذر .. لأنى لاأريد أن تتألم بسببى من صدمة المفاجأة ، ورجائى إن مررت يوما بمكان جمعنا ، أو سمعت شيئا يذكرك بى .. فقط ابتسم بابتسامتك الحلوة التى كانت تعرف جيدا طريقها إلى قسمات وجهك الأبيض المشرق ، والتى كنت تقابلنى بها كلما أقبلت عليّ مبتهجا مسرورا فتغمرنا السعادة بما أناءه الله علينا من نعمه التى كانت سببا فى إسعادنا معا . وتذكر أن كل مااستطعت أن أفعله لك أنى تركت قلبى معك أمانة ، فهو لك وسيظل لك ، فصنه وحافظ عليه واجعل له مكانا دافئا فى قلبك .. أظل به بقايا وصال ، وأشلاء أحلام وراء باب موصود .. وإن كانت الأيام قد فرقت بين الأجساد ، فإنها لاتستطيع أن تفرق بين خلجات النفس وماتحمله القلوب ، وإن كان القدر لم يكتب لنا إن نكمل معا .. فإنه كتب لنا قصة حب كان وسيظل صادقا ولن يموت ، وسأذكره دائما بينى وبين نفسى ماحييت وسأعيش دائما على ذكراه .
حبيبى :
إن أجمل ذكرياتى هى التى عشتها معك .. سأتذكركيف بدأت معك المستحيل ، وتكلمنا بعد معاناة ، ثم عشت معك أحلامى .. أجمل أيام حياتى ، كنت اتصور أنها ستطول ، وكانت نشوتى أنها تطول .. ولكن لكل شيئ نهاية ، فانكتب علينا الفراق .. جاء كإعصار من حولى استنفدت معه كل طاقتى ، فتوقف حبنا فجأة عند منتصف الطريق ، وتوقف معه العطاء لأسكب حكايتى معك فى خيالى وفى قلبى الحزين .. فهون على نفسك ولا تنسانى حتى ولو زهو الحب غادر .. وعش على أمل ربما يوما سأعود ، ولوالأمر بيدى لكنت وعدتك بالعودة وضمنت لك الوفاء بالوعود.
حبيبى :
يكفينى فخرا أننى حققت الحب فى قلبك ، عانقت فيها مشاعرك الرقيقة ، لقد عشقتك فى الخيال من قبل أن نتكلم .. عشقتك من ابتساماتك ومن نظراتك .. وبعد أن تكلمنا صرت قريبا من نفسى ، وكأنى غدوت منك ، وأصبحت أنت بعضا منى .. كنت احتضنك تحت جفونى فأراك فى كل شيئ حولى .. كنت لاأرى غيرك ، وسيبقى عهدى معك أنى سأظل عالقة بك مثل بقايا العطور .. تطل برائحتها من نوافذ ثيابك ولاتغادر الأنوف ، ومهما حاولت الأيام أن تمحوها ستبقى رائحتى فيك ترافقك فى كل الدروب ، وسأظل أنا هكذا على العهد ولن أنسى ماكان لى من حب تحول إلى شجون .
وختاما .. لك منى ألف سلام .. ومحبة وأشواق .. وإن كف الدمع عن الكلام .. تظل الحنايا فى آلام .. نبضها لايهدأ .. ولاتعرف سبيلا للمنام .. مستنفرة أيام كنا فيها على وئام ، وإن كنت عنك أغيب ، فإننى سأشرق فى ابتساماتك من جديد .. وسأعود كلما حل الربيع البهيج ، وسترانى فى وجه القمر كلما رفعت هامتك للسماء .. ونظرت لبهائه المضيئ .. وستجدنى مع تفتح البراعيم مستقبلة قطرات الندى على أوراق الزهور .. وستلمحنى كلما غضت الأغصان وترنحت بدعبات النسيم .. إننى سأظل على العهد مهما طالت بنا الأيام والسنين .. حتى ولو هدأ الحب فى قلبك .. سأذكرك أنا وحدى وأتوهم .. أنك مازلت تحلق فى مدارى .. وتحيا فى قلبى الوتين .
الوداع ياحبيب العمر ، يامن كنت لى والأخ والصديق والرفيق والحبيب ، وآخر ما سأقوله لك أنى أحبك حبا سيبقى أبد الدهر ولن يموت حتى المشيب . "حبيبتك المخلصة".
ما أن طوى الرسالة حتى انزوى فى ركن قصى ، يجهش ببكاء مرير ، ثم آثر العزلة متواريا عن أهله ، غارقا فى صمت ذهولى وذهن شارد لايتكلم .. بقى على هذا الحال حتى قلت شهيته للطعام وتقلصت وجباته فهزل وأصبح جسده واهنا نحيلا . تفرست أمه بقلبها الدليل على تبدل حاله ، فقد أحست أن الذهول صار ديدنه وغدا ظلا يلازمه حيث كبله بصمت مريب .. وهى بمشاعرها القريبة وحدسها العاطفى العميق لابنها لم يخف عليها هذا التبدل الغريب ، فعلاقتها به يجرى منها كجريان الدم فى العروق ، ومن غيرها يلاحظ هذا ويستكين ، إنها أول من فى البيت أحست مااعتراه من تغيير ، وعندما سألته لم يستطع أن يقول لها شيئا ، لذلك دأب على محاولاته المتكررة فى الهرب من نظرات عينيها التى كانت تلاحقه بها ، وخاصة أنه سهل عليها جدا أن تكتشف مابه وحتما ستعرف إذا أرادت . ومن ثم كان يلوذ بالشارع فرارا من حدة هذه النظرات المتفحصة ، يرسف فى حاله .. غارقا فى يأسه الذى ألفه حتى صار جزءا لايتجزأ من كيانه ، فإذا بعينيه ترى أضواءه باهتة .. أحس بفراغ فى الطريق .. وسكونه المريع إلا من هبة هواء رطبة لفحت وجهه بشيئ من برودة الجو أحس كأنه السقيع .. إنه يكاد يفقد حواسه .. عيناه الزائغتان تتجهان نحو العمارة التى كانت تقطنها ميرفت وأمها وجدها كالأطلال .. مظلمة إلا طفيف أضواء تناثرت من نوافذها .. وعلى امتداد الشارع ترامى وراءه الفراغ الفسيح يلفه وشاح من الظلمة والوحشة والصمت المطبق الحزين . إن حزنه سيطر عليه ولم يعد ينشد الراحة فى أى شيئ .. خطواته ثقيلة .. تنقلها قدماه ببطء شديد وصعوبة بالغة.. ومع ذلك لم يحاول التوقف .. أخذ يجرهما جرا ، وعندما بلغ العمارة أشاح بوجهه إلى أعلى تجاه الشرفة التى كانت تقف فيها ميرفت والتى كان يطريه أن يراها وهو فى قمة السعادة . فجأة استوقفته لافتة لم يلحظها من قبل ، وما أن حدق فيها عبر نطاق الضوء الكافى وسط الظلمة المحيطة بالمكان ، حتى تبينت له أنها مكتوبة بخط يدوى مرتجف : " الشقة للإيجار " . تجمد فى مكانه ، وأطبق الصمت على أنفاسه وهو يطرق برأسه ، لتشق دمعتان حارقتان لاهبتان مجراهما على خديه ، ثم نكس رأسه إلى الأرض انكسارا ، ومضى لحاله .
"انتهت القصة ولم ينته الحب"

مع تحيات : محمد عصام القاهرة فى : 25 مايو 2026

.png)
.png)
.jpg)





