music

الاثنين، 11 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الخامس )

 


انشرح قلبه من هذه اللقاءات التى أتت بها السماء ولم يكن ليتصور أنه ستأتيه بهذا الشكل ، لقد التقى بها مرة ومرتين وهاهو سيلتقى بها مجددا بعد يومين .. ماأقسى الانتظار ، أخذ يعد الساعات والدقائق والثوانى حتى جاء الموعد المنتظر لاستلام ملابس أمه الجديدة ، وأحس بلهفة إلى الذهاب كى ينعم بلقائها .. أخذ يستعد لهذا اللقاء منذ مطلع النهار ، حيث صحا مبكرا مع إشراقة هذا اليوم وبدأ فى تهيئة نفسه معنويا إذ أخذ يتأنق بأفضل ملابس عنده .. وبعد أن صفف شعره أخذ يتزين ويتعطر .. حتى صار العطر يفوح منه .. ولمسة الأمل تترقرق فى وجهه . ذهب وهو يحمل بين جنبيه حنينا جارفا لميرفت التى أزاحت عنه ستار الخجل وأعطته قبلة الحياة وسمحت له بالحديث معها . كان سعيدا بأنه كان يكتشف فى كل مرة يلقاها كوامن جديدة غير جمالها الغض الذى يبدو فى أوج روعته ودلاله من دقة تفاصيله التى تبهر العيون .. حيث ظهرت له مخلوقة عجيبة .. مرهفة الحس .. طيبة القلب .. نقية السريرة.. شديدة الذكاء .. رقيقة لطيفة .. حلوة الحديث ، وجد جمال باطنها لايقل عن جمال ظاهرها بل أكثر بكثير مما كان يعتقد . شرع ليرتقى درج السلم إلى الطابق الثانى قفزا وكأنه فى سباق قفز حواجز .. إنه يريد أن يسابق الزمن حتى بلغ باب الشقة ووقف أمامها ، ثم راح يدق جرس الباب بلهفة .. كانت الرنة صغيرة فيها إبطاء .. بينما هو أراد أن يجعلها بوقا يوقظ به سكان العمارة ، وماهى إلا لحظات حتى سمع وقع أقدام خفيفة تقترب من الباب ، كان قلبه يخفق بعنف كلما اقترتب الخطاوى ، ثم انفتح بهدوء نصف فتحة ، ورأى أمامه مدام صفا تقف فى فرجة الباب الموارب كأنها تسد عليه الطريق إلى الدخول ، فقال لها فى لهفة ونفاد صبر : مساء الخير ، أمى ترسل لك السلام وتسأل حضرتك هل الملابس جاهزة للإستلام اليوم ، قالت له : نعم فلتنتظر قليلا ، ولم تدعه للدخول . كان استقبالها له باهتا . وقف مصدوما فى كل شيئ كان يمنى به نفسه ثم تحطم وانهار ، وفى لمح البصر تبخرت أحلامه .. وتأجلت السعادة .. وأقفرت الدنيا فى عينه . عادت مدام صفا حاملة لفافة مغلفة بعناية بغلاف أنيق ، وأعطته أياها ، وقالت له : لاتنسى أن توصل سلامى لأمك .. الست الفاضلة وقل لها أن مدام صفا تود أن تراها مجددا . شكرها وقام بتحيتها ، وراح يهبط درك السلم بخطوات متأنية للغاية فى خذلان بعد أن ضاعت فرصة العمر التى ربما لاتتكرر مرة أخرى والتى أوقف عليها سعادته العميقة وفرحته الكبيرة التى طغت على قلبه وعقله وكانت قد وصلت لأوج عنفوانها منذ قليل ، والأن هو يشعر بانكسار الروح وغصة بالنفس ، ووجد نفسه واقفا فى مدخل العمارة مكسور الخاطر يلعن فيه صفعات القدر وانحسار الأمانى . طالت وقفته بعض الوقت دون أن يغادر .. وقف قلقا حائرا ، لايدرى ماذا سيفعل غير أنه سيعود لمنزله خائب الأمل حاملا فى يده اللفافة الأنيقة وبداخلها ملابس أمه الجديدة ، ثم بدأت خطواته تتحرك فى بطء صوب الشارع فى اتجاه منـزله ولم يكن يخطر بباله قط أنه سيلتقى بها . فجأة لمحها وهى مقبلة على منـزلها عائدة من حيث أتت ، وعندما رآها ، أخذه الذهول ، ولم يصدق بصره .. فطفق يفرك عينيه غير مصدق .. وخيل إليه أن قلبه على وشك أن يقفز من مكانه . تهلل فرحا محاولا لفت نظرها بوجوده ، شاور لها ولكنها لم تتبينه ، حيث رأى أن خطواتها تتباطأ وعيناها تبحثان فى حيرة عن الذى يلوح لها بيده . أدرك أنها لم تره وهمَّ أن يذهب إليها ليقول لها : أنا هنا . ولكنها أبصرته واتجهت نحوه مباشرة كأنها تريد أن تباغده فى مواجهة لتضعه أمام الأمر الواقع .. مدت يدها وصافحته وشدت على يده ومازالت يعلو ثغرها ابتسامة حلوة خجلى .. وظلت فترة من الصمت سمعت خلالها دقات قلبه وكأنه ينتفض ويكاد ينخلع من صدره ، وهمت أن تقول له شيئا وكأن فى عينيها قرارا .. أو اعترافا وتسليما لبداية علاقة لاتدرى مامداها .. جوارحها تحمل له عتابا وشوقا ورجاء . أشارت عليه أن يبتعدا عن الشارع ويسيرا فى اتجاه ميدان الظاهر .  

 

ومشيا جنبا إلى جنب أحس بمتعة شديدة والراحة تملأ نفسه عندما شعر بها تسير بجواره .. بل تتبعه فى استسلام .. وجهها المشرق مكسو بنفس الابتسامة المتلالئة ، بدأت هى بالحديث بدعابة عن توقعها ذهابه لمنـزلها ولم يجدها .. فسألته متغابية بخبث أنثوى ظاهر وعيناها تلمعان بالمعرفة .. هل كنت عندنا اليوم ؟! ، فهز رأسه بالإيجاب ، فعادت وسألته : هل كنت تتوقع وجودى وأنا سأفتح لك الباب .. أومأ برأسه وقال لها : للأسف نعم ، قالت : ولماذا للأسف ، قال : لأنى كنت أتمنى وجودك . نظرت إليه نظرة طويلة ثم هزت رأسها ببطء وقالت فى صوت منخفض .. أظن أننى فهمت الأن . أصابه الارتباك وشعر بالخجل وهى ترمقه بنظراتها حتى أحمر وجهه وتوردت وجنتاه ولم ينبس ببنت شفة وأردفت وهى تقول :

ـــ أليس من المفترض أن تسألنى ماذا أنا فهمت ؟! أم ستظل هكذا مكسوفا طول الوقت 

ـــ أنا .. 

ـــ نعم أنت بالطبع ، فليس من المعقول وأنا أكلمك تنظر لى فقط ولاتتكلم .. ولست أدرى إلى متى ستكون مكسوفا بهذا الشكل .. أرجوك عندما أكلمك ترد علىّ . وتعالى هنا منذ متى ونحن نرى بعضنا البعض وكلما كنت ترانى تبتسم ولم تحاول فى أى مرة أن تكلمنى .. رغم أننى استقبلتك عندما جئت فى بيتنا وبدأت بالكلام معك ، وبعد هذا تصورت أننا سنتكلم فى أى وقت أراك فيه ، ولكن حدث العكس تماما فى اليومين الماضيين عندما رأيتك فى الشارع ورأيتنى توقعت إنك ستقبل علىّ لتسلم وتكلمنى ، إلا إنى تفاجأت بإنك نظرت ناحيتى ثم أشحت بوجهك عنى ومشيت ، والأن تهرب من الرد على كلامى ، قل لى صراحة ماذا تريد منى؟ .. من فضلك أريد أن أعرف .

ـــ كنت أريد أن اتكلم معك ولكن لم أكن متأكدا من إحساسك بي .      

ـــ أى إحساس هذا الذى تبحث عنه ، وأنت فى الأصل لم تحاول فعل أى شيئ يدل على وجوده .. كيف تطلب أثرا لإحساس وأنت لم تُبد له دليلا ؟ ياأخى من يطلب إحساسا فليقدم أسبابه أولا.. لذا أجدنى مضطرة لسؤالك ، وأرجو منك الصراحة التامة : كيف ترانى أو كيف كنت ترانى؟!.  

ـــ كنت أراك بقلب نقى وبعقل واع ، ولكن لم أتوقع غير صدك لى .. مثلما فعلت مع الأخرين أو لم أكن أتوقع أن أجد منك قبولا ، وربما هذا هو الذى صعب علىّ محاولة منح نفسى الجرأة الكافية للكلام معك أو حتى أنطق بأى كلمة .

ـــ أنت إنسان غريب جدا .. من أجل الذى قلته سوف أصدك وأصدمك الأن ، اسمعنى جيدا .. من الأخر لو أنت معجب بي قلها لى صراحة ، نعم قلها فى وجهى بدلا من اللف والدوران ، وثق أننى أعرف جيدا كيف سأتعامل معك دون أن أجرحك حماية لقلبك إذا كنت تخشى عواقب المواجهة فى حالة الرفض ، إنما تتهيب مواجهتى وتُراوغ بالتلميح خوفا من أننى أصدك أو مثلما تقول مراعاة لمشاعرى ، وتكتفى بإيماءات خجولة ، مُراهنا على ذكائي وعمق فهمي ظنّا منك أننى سأفهم حيرتك وصمتك وأننى سأشعر باحساسك تجاهى بكل بساطة هكذا .. أعتقد أنك ستكون مخطئا .. لم تعد هناك أى فتاة تحب الشاب المنطوى الخجول بهذا الشكل الذى أنت عليه .. أى فتاة ياعزيزى تحب الشاب الطموح المرح الذى يعرف كيف يقنعها بشخصيته ويعرف يوصل لقلبها وعقلها .. وأنا أرى أن الشخص الذى لم يكن على قدر المواجهة عليه بالإبتعاد أفضل له ولايتعب أحدا معه .. وطول عمرى أكره الإنسان الحذر والمتردد والضعيف ومع ذلك لم أرك بهذه الصورة لأنى قرأتك جيدا ولدى القدرة على تحليل شخصيتك .

ـــ كيف !! ...

ـــ ألم تعلم إنى أعرف عنك كل شيئ .. أعرف ألاتنقصك القدرة .. ولكنها الثقة والجرأة والإقدام ، لأن الإنطباع الخارجى عنك والذى يراه الناس يختلف كل الإختلاف عن الذى يحتويك بداخلك ، وأنت لم تكن عاجزا أو ضعيفا بل تملك القدرة ولكن لاتستطيع أن تتعدى النطاق الضيق الذى حبست نفسك فيه أو الذى حبسوك فيه ، فكان لابد أن تخرج من ذلك النطاق وتحس بالأنظار التى تتطلع إليك وتحب أن تتعامل معك ، وقتها ستتعرف على الناس أكثر وتعرف كيف تتعامل معهم بسلاسة وسهولة .. ولكن خانتك الثقة وطارت منك .. وتملكك الخوف والاضطراب ، وبالطبع أنا لاأعرف السبب الذى وصل بك لهذا الوضع رغم امتلاكك لكل المقومات التى يحلم بها أى شاب فى الدنيا ويتمنى أن يتصف بها . لقد حيرت نفسك وحيرتنى معك ، ولم أكن لأغفر لك ، ولولا أننا تكلمنا لكنت حملت في قلبي غصة منك ، ولأبقيت نفسي واجدة عليك .. وكنت سأتحين أى موقف لأحرجك فيه بأشياء لايمكن أن تخطر على بالك .. بيد أننى لاأعرف ماذا سأفعل وقتئذ .. ولكن كنت سأفجئك بأى شيئ يضايقك ليس مثل مافاجأت بها غيرك ، لأن الفارق واضح لدى ، والسبب سأحتفظ به لنفسى ولن أقوله لك . فكان لابد أن تجعل الشجاعة تملكك ويكون لديك الجرأة الكافية لتؤازرك كى تستطيع أن تدافع بقوة عن إحساسك بحبك مهما كانت العواقب ، ووقتها كنت ستعرف إحساسى بك منى أنا . وعلى الأقل ستكون أفضل بكثير من الذين حاولوا أن يتكلموا معى وكان يعلمون إنى سأصدهم لكن لم يهابوا أو يخافوا مثلك وفعلوا مثلما أنت تقول ، وماأكثر الناس الذين أتصدموا ولم يحدث لهم أى شيئ . 

ـــ للعلم أنا فكرت أكثر من مرة إنى أكلمك، لكنى كنت أتردد وأطلب من قلبى أن يتمسك بقليل من الصبر حتى أتحقق من شعورك ناحيتى ، لإنى لاأستطيع تحمل صدمة .

ـــ  أى صدمة التى تتحدث عنها ، وللمعلومية أنا لم أرك إنسانا ضعيفا حتى تقول هذا الكلام .. بل لديك ملكات ولكن لاتعرف كيف تستغلها أو كيف توجهها .. بسبب عدم ثقتك بنفسك . لقد كنت ابتسم لك بين الحين والأخر لأشجعك على الجرأة حتى تجد سبيلا وتحاول أن تكلمنى ، ولكن حين استبد اليأس منى ، توارت ابتساماتى .. إذ خُيل إلىّ أن كبرياءك ماهو إلا استهزاء واستهتار بى ، لذلك كنت ترى وجهى وقد تبدل لوجه عبوس متجهم حين أراك وكنت لاأستطيع كظم غيظى منك . وهل يعقل فى الدنيا أن من يبتسم لأحد سيصدمه ، وعلى فرض أنى سأصدمك أليست الصدمة ستكون أخف وطأة وأهون من لغة العيون الزائغة وابتساماتك المستباحة التى لايرجى من ورائها طائل والتى لم تكن لتوصلك لشيئ ، بل العكس كان ممكن تخسرك كل شيئ .. كان ممكن مثلا تخسرك حب الناس لأنهم سيرونك بشكل أخر مثلما كنت أحيانا أراك .. تبدو لهم وكأنك تتعالى عليهم أو تستهون بهم ، فكنت ستخسرهم وتخسر كل شيئ أنت أحببته وكنت تتمناه . 

ـــ حاولت ولم أستطع وكنت خائفا أن أعمل لك مشكلة .  

ـــ لست أدرى لماذا تقارن نفسك بمن كانوا يضايقوننى ، أنت غيرهم تماما بالمناسبة ، وعمرى ماكنت أفعل معك بالذى فعلته معهم وأشكوك لأمى وأسبب لك مشكلة أعرف مدى تأثيرها عليك . وأكررها لك ثانية أنه كان واضحا من نظرات عينى إننى كنت متقبلة الكلام معك .. ولم أبد لك مايجعلك تظن  أننى لاأريد أن أكلمك بالعكس كنت مرحبة جدا .. وحتى ولو لم أشعر تجاهك بأى مشاعر كنت أتمنى أن أتكلم معك كأصدقاء .. أليس من الممكن على الأقل إننا نكون أصدقاء ، أنا أحب الناس .. وليس أى ناس .. أحب الناس التى أجد نفسى فيهم وأحس أنهم قريبون منى ، الحياة فى مصر علمتنى هذا . بعد إذنك والأن ومن غير لف ولادوران ، ماذا تريد منى ؟!.         

ـــ لاأعرف .

ـــ  براحتك .    

ـــ  ألم تقلى الأن إننا نكون أصدقاء .  

ـــ أولا أنا لم أقل هذا ، أنما قلت على الأقل ممكن نكون أصدقاء ، وهذا فى حالة عدم وجود مشاعر بيننا ، وقلت هذا من أجل أن أطمئنك فقط .. إننا ممكن نتكلم مع بعض تحت أى مسمى .

ـــ إننى لاأريد أن نضحك على أنفسنا ، لأنه لايمكننا أن نكون أصدقاء .                                     

ـــ ممكن أعرف السبب .  

ـــ بسبب .. بسبب .. بسبب أنى أحبك وصورتك لم تفارق خيالى ليل نهار ، ولاأستطيع أن انساكى ولاعندى المقدرة بألا أفكر فيك ، ولكن شعرت فى نظراتك تعاليا ، لذلك كنت أتعمد ألاتشعرين باهتمامى بك ، رغم إنى كنت أحيانا لاأطيق أن يمر يوم دون أن أراك فيه ولاأستطيع أن أمنع نفسى من الضيق إن غبتى يوما عنى ، أو الفرحة إذا رأيتك .. وكنت لاأنقطع عن التفكير فيك طيلة ليلى ونهارى .. رغم أنها كانت فى البداية مجرد احساس من داخل نفسى .. بدأ خفيفا ، وكلما رأيتك كان يكبر ، لدرجة إنه جاء اليوم الذى لم أستطع التحكم فيه ، وفى نفس الوقت لااستطيع أن أفرضه عليك .. كنت دائما أحاول أقنع نفسى بإنه مجرد شعور خاص بى لايستدعى أن ازعجك أو اشغل بالك وتفكيرك به وأسبب لك ضيقا . ولكن المسألة بدأت تتطور بالنسبة لى .. وبدأت أشعر أن بيننا شيئا ، ذلك الشيئ اعتبرته ودا صامتا كالذى يسرى بين أى طرفين عند بداية وجود مشاعر بينهما.. لايفصح عنه إلا نظرة أو بسمة .. لذلك كنت أنظر إليك وابتسم .          

ـــ ياه أخيرا نطقت .. تعرف أنت فعلا تعبتنى وأخذت من تفكيرى وقتا كبيرا . وتعالَ هنا من قال لك إننى أنظر إليك بتعال .. أليس من الممكن أن تكون هذه نظرة إعجابى بك ، لماذا لم تفهمها هكذا .

ـــ هذا إحساسى الذى كنت أراه من نظراتك لي ، كنت أحسها أحيانا إنها نظرات فيها قسوة .. حادة .. حارقة فيها شرر أربكتنى وجعلتنى لاأستطيع أن أحدد ماذا تريدين بالضبط . أنا أحببتك فى صمت ولم أكن متعجلا فى الكلام معك ، فقط كنت خائفا من إحساسك بي ، لأنى أعرف ماذا تعنى كلمة حب .. وأعرف مقدار وحجم الصدمة إذا فشلت فيه ، لأنى شغلت تفكيرى بنا نحن الاثنين وليس فى نفسى فقط ، لأن الحب لم يكن أنانية .. بل هبة ، وربنا هو اللى كتب لنا إننا نشوف بعض ونحس ببعض ، وأنا كنت فرحان لأنى بدأت أحس ولأول مرة بمشاعر حقيقية .. وكنت أقول لنفسى هو الحب إيه غير قلبين عطفوا على بعض وحسوا بسعادتهم فيه ، علشان كده كان يهمنى أعرف إحساسك بي  

ـــ خلصت كلامك .   

ـــ أه خلصت كلامى .. وقلت مالم يستطع لسانى أن ينطق به من قبل .. ولم أعرف كيف قلته الأن بلاخوف ولاتردد ولامواربة ، لكن الذى أعرفه أنى ارتحت كأنما كان على صدرى جبل جاثم وانزاح ، وصدقينى أنا هذه المرة مرتاح ولن أزعل من أى رد فعل منك مهما كان ، ولو كلامى ضايقك ممكن تمشى لوعايزة . 

ـــ أه طبعا همشى بس كنت عاوزه أقولك أنت غلطان فى تقديراتك .. ومش بتعرف تقرأ اللى قدامك كويس ، وكنت دايما بسأل نفسى عنك أنت بتبصلى علشان معجب بيا ولاده غرور منك . وأنا عمرى مافكرت فى حد بالشكل ده ، لكن معاك أنت الوضع اختلف .. ياترى ممكن يكون معجب بى ولا مش ممكن .. ولو معجب بى ليه بيكتفى ويبص لى ويبتسم وبس وماحاولش يكلمنى ، ومع ذلك ابتسمت مثلك علشان أشجعك .. وفهمت نفسى علشان ارتاح أن فيه قلوب فى الحب مش بتعرف تتكلم ومبتعرفش تعبر عن نفسها ، لكنها لاتخطئ احساسها .. بل وممكن يكون احساسها أقوى بكتير من اللى بيعرفوا يتكلموا ويعبروا عن احساسهم اللى جواهم كويس . ورغم إنى ماكنتش بفكر ممكن أعجب بأى حد لكن أنا معملتش كده معاك ، أول ماشفتك وأنا لقيت نفسى بفكر فيك ، وكنت بسأل نفسى ياترى ده اسمه إيه! .. ياترى هو ده الحب وكنت بقول لنفسى ممكن ليه لا ، لكن لما مالقتش منك استجابة ، حاولت أبعد أيا كانت بقى الأسباب وقتها ، لكن كنت عاوزه أخرج من حكايتك وأنا بتمنى لو كنت معاك ، أنت خلتنى أحب كلمة ممكن ويمكن حبيتها أكتر لما حاولت أبعد عنك ، أنت اللى خلتنى أحبها ، وقلت لنفسى ممكن تحاولى أنت وتحركى مشاعره وتكلميه .. وأنا كنت عارفه إن ده تجربة صعبة على أى بنت إنها تحاول تتجرأ وتبدأ هى بالكلام مع اللى بتحبه ، وكنت راسمه سيناريو إنى أول ماأكلمك أدلل عليك شوية .. حاجة من اللى بتحفظ كرامة البنت علشان مافيش بنت هى اللى بتبدأ بالكلام الأول .. كنت أقولك أنك ماتحولش تبص لى تانى .. وأمثل عليك إنى مش حابه أتكلم معاك مع إنى كنت بحلم بك كل ليلة ، كنت بحس وأنا بفكر فيك بالأمان وماكنتش عارفة ليه وإيه مصدره .      

ـــ يعنى لو كنت كلمتك كنت هتعملى كده .

ـــ أه كنت هعمل كده ، وكنت عارفه إنك هتتصرف إزاى؟ ، وكنت عارفه برضه أزاى هأحتويك؟ ، يعنى كنت أعرف ألحقك ، وعمرى ماكنت أفكر إنى أخسرك أو أفرط فيك ، تعرف ليه ولا مش عاوز تعرف دى كمان .

ـــ لا . عاوز أعرف .

ـــ أنا لن أفعل مثلك وأتلبخ ، وسأقولها لك بكل بساطة .. لأن ليس هناك مايخجلنى ، ولايوجد شيئ يجعلنى أتردد وأنا أقولها طالما عندى ثقة فى نفسى ومتأكدة من أن إحساسى صادق .. وأن مشاعرى معك حقيقية ، وأن الحب عمره ماكان عيبا ولاخطأ .. من أجل هذا أقولها بملئ الفيه وأنا فى كامل وعيى .. أنا كمان حبيتك ، وكنت بشوف كل حاجة حلوة من خلال تفكيرى فيك ، وكنت باستغرقك وبستوحى كلامى معك .. يعنى كنت بتخيل ده مع نفسى حتى شعرت بأن تيار الهوى جرفنى نحوك بشدة وأخذ ينساب فى هواك ، ولما أيقنت أن موجة الحب غمرتنى ولاسبيل للنجاة منه ، لجأت للكتابة حيث لم أجد من سبيل أمامى سواها .. فأقبلت عليها بشغف وباندفاع مجنون ، وكل هذا كان بسبب خجلك .. لذلك دفعتني رغبتي أن أسجل إعجابى بك .. وكنت أحس مع كل كلمة أكتبها وكل سطر أخطه بمتعة كبيرة .. ياما تخيلت أشياء كثيرة جدا حلوة واستطعت أن أعبر عنها وكان هذا سببه إنه كان عندى شك كبير أنه سيأتى يوم سوف أتكلم فيه معك  .

ـــ إننى لاأستطيع أن أصدق نفسى فى الذى اسمعه منك الأن، هو ده حقيقى ولا أنا بأحلم . 

ـــ نعم تلك هى الحقيقة ياعبيط ، وهذا إحساسى بك ، وكان نفسى توصل له بنفسك ، وتعرفه من غير ماأقوله لك .. لأنه كان من الأفضل أن تحسها فى قلبك ويستوعبها عقلك .             

كانت لدهشته مع حالة الفرحة التى انتابته أثر كبير فى كسر الحاجز الزجاجى الضخم الذى كان يرى الناس من ورائه .. والذى حال بين إنطوائيته غير المبررة وبين تفاؤله الشبابي ، فتبتسم  ضاحكا وشعر أخيرا أن الدنيا فتحت له ذراعيها أكثر من أى وقت مضى . إن أسمى لحظات الوجود هي تلك التي يعترف فيها قلبان أضناهما الشوق والانتظار بصدق حبهما بعد رحلة عناء طويلة استغرق كل منهما فيها البحث عن الأخر تجسيرا للهوة النفسية التى عانا كلاهما منها بعد طول كفاح من المخاض العسير من الحيرة والمكابدة ، فإذا بهما يعبران مشاق الفوارق التى سببتها العوائق النفسية ، وكسر طوق الحيرة التي تسبب فيها عصام بخجله الشديد والذى أوشك أن يخنق أسمى العواطف التي كادت أن تئد بأجمل المشاعر ، حتى أثمر طول صبر ميرفت وفطنتها وصالا عذبا ، أزال وحشة الاغتراب لديهما ، وأعاد لروحيهما المودة التي كادت أن تتلاشى .. وكادت أن تعصف بأجمل المشاعر بينهما . وقبل ان يغادرا المكان اقترح عليها أن تختلق أي فرص أخرى ليلتقيا وفقا لظروفها ، ويتحينا أى وقت للدردشة .. كانت تستمتع بطريقته فى الحديث بعد أن فك قيود انطوائيته فأحست بصدق إنسانيته ، وتجاوزت أنسُها به حدود المراهقة السطحية ، لتشعر بقيمتها وجاذبيتها كإنسانة ناضجة . تعززت صداقتهما بسرعه حيث أظهر كل منهما اهتماما حقيقيا بالأخر، وخيل إليه أنه مدفوع إليها بقوة لايدريها ، وأنها قطعة منه وأعتقد أنها تبادله نفس الشعور . ومرت الأيام بعد ذلك وكأنهما فى حلم جميل .. فيه من الشوق واللهفة .. حيث وُجدا أن كليهما ممزوج بالأخر ، وأنهما كطرفين تحولا من شخصين مستقلين إلى "كيان واحد" يجمعهما الاحترام ، والصدق ، والحرص المتبادل على السعادة ، ليصبح قُربهما المتعمد حالة طبيعية لنمو حبهما لدرجة أنه ماكاد يغمض عينيه كل ليلة ليحيا الحلم حتى غرقت هى فيه وكأن أحلامهما انصهرت فى حلم واحد . إنه إحساس بالدفء ، والبراءة ، والراحة النفسية العميقة . ظل الحب بينهما يتأجج يوما عن يوم ، وظل هو يغمض عينيه فلا يرى إلا حلما جميلا ، وهى كذلك غارقة فى أحلامها لاتريد أن تفيق منها أبدا .

       وإلى لقاء أخر فى الجزء السادس

       مع تحيات : محمد عصام                    

                                     القاهرة فى :11 من مايو 2026

                                                                                                                       

الاثنين، 4 مايو 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الرابع )

 

عاشت ميرفت على أمل ظل يداعبها رافضا فكرة الإخفاق وخاصة أن القدر أتى لها بالشخص الذى مال له قلبها .. جاء ليطاردها بابتسماته وأحبت هى ذلك .. رأته عن قرب .. بعد أن شغل فكرها .. وغير إيقاع حياتها .. وأصبحت أهدأ حالا .. وجهها بدا مشرقا وازداد نورا .. وعينيها فيهما بريق غريب . لابد وأن هناك شيئا ما طرأ على حياتها .. زميلاتها فى المدرسة قد لاحظن هذا التغيير بل وأكدن أن تحولا غامضا اكتنفها وجعلها فى حالة شرود دائم .. تقضى معظم وقتها معهن ساهمة سارحة إلا من ثمة إبتسامة خفيفة ، وعندما كانوا يسألونها عن سبب ذلك كانت لاترد ولاتشاركهن فى حديث ولاتمرح معهن كعادتها بل مستغرقة فى صمت مبهم أعياهن فهمه .. وكانت تفعل ذلك عن قصد ، رغم إغواء حديثهن الذى كان يطريهن بعذوبة واستساغة لأنه لايخرج عن حب المراهقات وتجاربتهن العاطفية مع الأولاد فى مثل عمرهم .. إنها لم ترد أن تفصح لهن عن شيئ اعتبرته من خصوصياتها التى يجب ألا يعرفها أحد مهما كان درجة القرب منها . وحتى فى تصرفاتها مع أمها فعلت ذلك أيضا ولم تبد لها بإحساسها الوافد الجديد .. رغم أن قلبها بدأ يُملي على عقلها ، ففاض التفكير عمقا ، وتجلى الوجدان نداء في رحابة القلب .. لم تقو على مصارحتها بأنها على وشك دخولها فى تجربة عاطفية لم تعرف بعد مداها .. حيث وجدت ألا تصارحها بما تشعر به من إحساس فياض ، وفضلت خوض غمار تجربة مجهولة العواقب ، وترك الأمر لمجريات الأقدار لترى أولا ماكتبه الله لها من نصيب . عاشت ميرفت فى دوامة من الفكر كانت أحيانا تناقض فيه نفسها وتفعل العكس . لاحظت مدام صفا هذا التغيير المفاجئ على ابنتها .. أحسته تغييرا إيجابيا .. إنها لم تعد كسولة تصحو متأخرة كعادتها بل دب فيها نشاط غريب وأصبحت تصحو مبكرة على ابتسامة عريضة تبثها لأمها أول وجه تراه فى الصباح .. ثم من تلقاء نفسها ولأول مرة فى حياتها تعد بنفسها طعام الإفطار لها ولأمها . تعجبت مدام صفا على مااستجد فى تصرفات ابنتها، ورغم أنها كانت مسرورة لسعادتها ولكن فى ذات الوقت تريد أن تعرف سبب ذلك ففاجأتها وقالت لها : ماذا جرى لك ياميرفت ؟ أراك فرحة جدا هذه الأيام ياترى لماذا ؟ هل هناك شيئ جد عليك لاأعرفه ؟! وتؤكد لأمها أن شيئا لم يحدث . ولكن هذا التغيير أفضى إلى ظنون وتكهنات بل وأصبح مثارا لأسئلة الكثيرين ممن حولها ، فأصبحت محاطة بهمهماتهم .. يتهامسون أمامها ويتغامزون حولها .. وأصبحت عيونهم ترقبها بشغف .. وتوجساتهم كلها تئول لسؤال واحد فرض نفسه عليها فرضا .. ماذا جرى لميرفت ؟ سؤال أعياهم وحيرهم ، ولكنها تعود لتؤكد للجميع أن شيئا لم يحدث . غير أن الذى بداخلها واحتوى قلبها وسيطر على عقلها ولم يعرفه أحد .. هو ذلك الشخص المنطوى الذى كانت تراه مصادفة وحاصرها بابتساماته ودار بينهما حوار صامت بلغة العيون .. ثم تكررت الصدف حتى علق فى ذهنها ورأته أجمل شخص فى الدنيا . أنها كانت قبل ذلك تسمع قصصا كثيرة عن زميلاتها .. وعن حكاوى الزائرات .. وعن جاراتها وعن الذى قرأت وعن الذى سمعت .. ومن بين كل هذه الحكايات كانت تختار الحكاية التى تعجبها وتناسب منطق حياتها لترى نفسها فيها وتتمنى أن تعيشها .. حتى جاءت حكاية هذا الشاب العجيب المبتسم دائما . حكايتها معه كيف ستبدأ وإلى أى مدى ستئول وعلى أى وضع سترضى .. إنها لاتعرف. 


ظلت ميرفت فى حالة مابين الترقب والتمنى ، لاتعرف ماسيئول إليه مصير ماتفكر فيه ، وكيف ستخرج من هذه الحالة حتى جاء القدر باللقاء الثانى ، حيث ذهب عصام بمفرده إلى بيتها فى الميعاد التى حددته مدام صفا كى يستلم ملابس أمه الجديدة التى من المفترض أنها انتهت من حياكتها . وإنه سيرى ميرفت دون أن تكون أمه معه فهي مَن أوفدته لاستلامها دونهـا . تجاوز درج السلم بعد أن صعده بسرعة وفى لهفة ، ثم وقف فجأة وسار للباب ببطء شديد ، بل وتردد وهو يهم ليضع يده على جرس الباب قبل أن يقرعه حتى استجمع قواه النفسية وحبس أنفاسه متجرئا على مخاوفه وطرق الباب بدقات فى تتابع تسارعت معها دقات قلبه الذى خفق بنبضاته المضطربة اللاهثة تـزامنا مع دقات الجرس في إيقاع مرتجف ، لم يحسم بعد كيف ستكون اللحظات القادمة وماقد تحمله من مفاجأت ، بعد لحظات مرت كالدهر فتحت ميرفت الباب ، وكالعادة بدا عليه الارتباك من المواجهة ، وتعثر فى بداية الكلام ولكنه نطق ، كانت أقرب الألفاظ إلى شفتيه .. كلمات التحية المعتادة .. قالها .. أكتسب بها بعض الوقت .. تمالك أعصابه واستعاد طبيعته وقال أن والدته أرسلته لاستلام الملابس . دعته للدخول بعد أن أبدت شيئا يشبه الاستغراب وهى تنظر إليه مستهجنة اضطرابه : إذن فلتتفضل . ولكن الباب لم يكد يوارب حتى احتلت الفتحة وظلت واقفة فيها ولم تبرحها كى تسده عليه كحائل يمنعه من الولوج إلى الداخل حتى ترقب حركاته وسكناته لترى كيف سيكون حاله فى مواجهتها .. وقالت فى نفسها : سأضعه في موقف يتطلب الشجاعة ولنرقب مآله لنرَ كيف سيواجه الموقف ! .. إنها أرادت أن تواجهه بالتحفز ربما يستطيع أن يكسر حاجز الخوف ، عله يبدو بعد ذلك إنسانا طبيعيا ويضطر للمواجهة والتحدث ، وخاصة أن هذه الفرصة قد واتته مرة أخرى بل وفى أبهى صورة حيث جاء بمفرده فلايوجد قيود ولاعوائق تجعله يحجم عن التجاوب ، إنها تريد أن تسمع له ، أما هو فمازال مرتبكا .. العرق يتفصد من جبينه بغزارة يبحث في نفسه عن مخرج من هذا الموقف المحرج الذى وضعته فيه .. أخذ يبحث فى نفسه عن كلمة .. عن جملة ، عن أي شيئ لكنه لم يجد مايسعفه ويدفع عنه ذلك الحرج فرفع رأسه وابتسم بخجل أقل . ابتسمت هي الأخرى وأفسحت له الطريق للدخول .. ابتسامتها جعلته يشعر بشيئ من الاطمئنان ، ثم هم بالدخول .. خطواته تبدو ثقيلة ، لايدرى كيف دلفت قدماه إلى الصالة وجلس على أقرب كرسى . تتبعته ميرفت ثم وقفت على بعد خطوات وفى تواصل أخذت تتفحصه فى صمت .. نظراتها فيها تعجب وفيها تساؤلات كثيرة : علام يحدث كل هذا ؟! ولماذا هذا الإرتابك الذى بلا مبرر .. إنه لايتكلم إلا همسا .. ولايعرف كيف ينطق بجملة مكتملة .. مجرد إيماءات وتبادل نظرات قصيرة مشتركة لشييء ليس له مايبرره . ساد الموقف بعض الوجوم لم تجد ميرفت مفرا من أنها تكسر حدته حين أخبرته أن والدتها تصلى وسوف تحضر بعد أداء الصلاة ، ثم اقترحت عليه أن يطلب مشروبا لحين قدومها ، أومأ برأسه شاكرا ، ولكنها باغتته وقالت له إذن سأحضر لك كوبا من عصير الليمون ، انفرجت أساريه وبدأ الصمت يتبدد ويتبدل إلى حديث له ملامح وإيقاع مألوف ، هى من بدأت به بعد أن أحضرت له كوب العصير المثلج لينعش اللقاء  وربما ينعشه ويعرف سبيلا للكلام . كانت تتحدث معه ببساطة شديدة وكأنها تعرفه ، تحدثت معه بلا خوف ولاحواجز ، تناول الحديث أشياء مبعثرة أحيانا عن أمور عادية ، عن مدرستها وزميلاتها ، عن الطريق ، عن يوم مر سريعا ، وكيف تقضى وقتها فيه ، بعد ذلك تسللت لتسأله عن كل شيئ يتعلق بحياته ، وقالت له أنها لاحظت خوف أمه عليه وحبها الشديد له . ثم تتوقف فجأة كما لو أنها تترك له مساحة تنتظر أن يملأها بأى حديث أو على الأقل يجاريها فيما تتحدث به ، كانت كلماته مقتضبة لاتخرج عن الجواب على أسئلتها التى كانت تحاصره بها ، ولكنه كان سعيدا ، حيث كان لايتصور أنه سوف يأتى يوم يجلس فيه مع فتاه وجها لوجه ويكون بينهما حوار ، ولكن جاء هذا اليوم وليست مع أى فتاه بل الفتاه التى أحبها وأختارها قلبه .. وإنه ولأول مرة استطاع أن ينطق ، بل وعرف أكثر من هذا .. عرف كيف يختلس نظرة سريعة إلى عينيها الجميلتين ووجهها المشرق عن قرب فى جرأة دون انكسار وبلا خجل . كانت هذه اللحظات من أجمل اللحظات التى عاشها فى حياته ، لحظات أفاضت عليه سعادة خالصة جعلته يشعر بمعنى الحياة ، وجعلته يحس بأنه إنسان آخر يعيش ويطرب ويضحك ، ويريد من الحياة كل شيئ مادامت فيها هذه المصادفات الجميلة ، ومنها هذه الصدفة السعيدة التى ألقتها إليه السماء حين جمعته بهؤلاء البشر الذين يحبهم ويحبونه والتى أحالت حياته إلى سعادة مقيمة . ليكتشف بعد ذلك أن لديه قدرات لم يكن يعلم عنها شيئا من قبل ، وأصبح لدية رؤية ونظرة فاحصة فى تقييم الأشخاص بدقة .. حتى رآها أنها ليست كأى فتاة ، بل أرقهن قولا ، وأشدهن شغفا لمعرفة كل شيئ يدور حولها . سرح وهو فى قمة سعادته بإحساسه الراقى الذى دب فى قلبه وذهب به إلى أخر الدنيا مستلقيا على سحابة بيضاء نقية تفتح لأحلامه الوردية أحضانها مد السماء لم يفق منها إلا على صوت أقدام مدام صفا حين أقبلت بخطواتها المتأنية وسلمت عليه وأخبرته بأنها لم تنته بعد من تشطيب ملابس والدته وأنها فى حاجة ليومين أخرين حتى تكون الملابس جاهزة ، فهب واقفا وتهيأ للمغادرة وقد بدت عليه نواجز السعادة بأن هناك لقاء أخر سيجمعه بميرفت وفى بيتها للمرة الثالثة . انطلق إلى بيته فرحا مسرورا ، أبلغ أمه بما قالته مدام صفا انها لم تنته بعد من تشطيب ملابسها وأمهلت نفسها يومين أخرين للإنتهاء من تجهيزها ، ثم أوى إلى فراشه خفيفا رشيقا ، كما يأوى العصفور إلى عشه بين الخمائل ، بيد أنه ماكاد يلقى برأسه على الوسادة حتى استعاد مشاهد هذا اللقاء الجميل ، وتمثلت لعينيه فتنة جمال ميرفت وروعته .. فما وجد أروع  من أنه  يسرح بنفسه فى هذا اللقاء الذى انتظره ولم يتخيل أن الزمان سيجود به بهذه الصورة التى تمت عليه  ، وكأن نسمة عابرة مرت أمامه فتوقفت تصغى إلى مادار بينهما من حديث، ثم جاءته لتعيد عليه ماسمعته ، فاستعاد كل شيئ وكأنه يستعرض شريطا سينمائيا يمكن أن يعاد بثه ويتخيله مرات أخرى ، فتملكته سعادة غامرة لم يشعر بمثلها من ذى قبل ، حتى غض فى نوم عميق فراحت أحلامه تشاركه فرحته فى دنياها وراح يحلق بها فى السماء وجاب بها على جناحى طائر أبيض جميل يسمونه السعادة ، إن أحلامه لم تكن هذه المرة أحلام يقظة بل هى ولأول مرة أحلام حقيقية.

                                   

              وإلى لقاء أخر فى الجزء الخامس                                                       

مع تحيات : محمد عصام                                    القاهرة فى : 4 مايو 2026

 


الاثنين، 27 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الثالث )

إن أثر هذه الزيارة جعلت ميرفت فى حيرة من أمرها بسبب احساسها المتقلب التى تملكتها الظنون مابين الإقبال والإدبار فى خلق فكرة المقابلة التى كانت تتمناها ، والتى كان يجب أن يختلقها هو ولم يفعلها .. إذ أن دوامة من الفكر لازمتها واسهدتها وجعلتها تذهب إلى أبعد نقطة لعلاقة رأتها أنها لوشاء لها أن تكون .. فستكون علاقة مضطربة لاترى فيها بريقا من أمل ، حتى راحت تسأل نفسها هل خاب ظنى إلى هذه الدرجة وأعطيت مشاعرى لمن لايستحق ؟! ، وراحت تتخيل ماذا لو تجرأت وباغتته هى بالكلام ثم تنظر إلى انطباع هذا على وجهه فإذا بها لاتجد له أى نتيجة تذكر . ثم أغفت وهى على هذا الحال وخمن عقلها الباطن ماشاء لها من ظنون وتوهمات ، كأنها ألقت بكل مشاعرها فى مهب الريح فأخذها إلى مجهول لايبقى لها أثر .. أو كأنها ضربت رأسها فى أقرب حائط .. لاردة فعل ولاصدى ، حسِبت أن المشكلة تكمن فى أنها هى التى بدأت بالكلام وهى التى تحدثت وتقول ، وهو لايقول شيئا ، وهى التى تحاول أن تستدرجه لكى يفتح فمه ويحدثها عن أى شيئ .. فلا يقول ، فكأن الذى قالته ليس سوى فقاعات فى الهواء ذهبت هباء .. كأنها لم تقل .. ظنت أنها ثرثارة . وأن كلامها فارغ .. وأنها أخطأت التقدير مادام كل ذلك لايلقى عنده أى اهتمام ، أنها رأته مثل التمثال لايتحرك ولايرى ولايسمع . وفى غمرة من الضجر والضيق راحت تسأله : هل من المفترض أن أتكلم طول الوقت وأنت لا.. هل أنا أبدو لك تافهة لهذه الدرجة لأنك ترانى إنسانة عادية جدا وأنت أكثر منى عقلا  وحكمة . إننى لاأريد أن أتكلم طول الوقت وحدى بل أريد أن تتكلم أنت أيضا واسمعك وتسمعنى .. لابد أن تقول شيئا حتى لو هذا الشيئ لايفيد !  . ولكن عصام لم يأبه ولايقول . وإذا قال بالكاد كلمة أو كلمتين ، ثم أردفت وقالت له : لقد تكلمت معك فى كل شيئ .. تكلمت عن نفسى .. تكلمت عليك وقلت لك كيف أراك .. وتكلمت عن الناس من حولنا ورأيى فيهم ، فما هو نوع الكلام الذى تحب أن اتناوله لكى أرى وجهك المنغض أمامى منشرحا .. قابلا للتجاوب .. إننى أريد أن أرى شيئا  أخر غير ابتساماتك التى أصبحت بالنسبة لى عبئا ومجالا للشك والحيرة .. إننى أريد أن أرى درجة من الاهتمام بما أقول غير الصمت الذى يحتويك  .. قل لى أى شيئ وأنا سأطبق على لسانى ولا أنطق بكلمة واحدة وأكون مثلك .. هل ترضى أن أكون مثلك صامتة لاأتكلم .. قل لى ماالذى يريحك بحق السماء ؟ أنا أريد أن أريحك .. وارتاح أنا أيضا.. ماذا تريد !  أو أى شيئ تريد .. إننى لاأود أن أعرف عنك شيئا إذا كان هذا يرضيك .. ولكنى أود فقط أن أعرف مابك .. لعلى أستطيع أن أحمل عنك بعض حزنك الذى أراه فى نظرة عينيك .. لابد للإنسان من إنسان أخر يتحدث معه ويفضى إليه بهمومه وأوجاعه .. ليس هناك أقسى للمرء من ذلك الانطواء وتلك الوحدة .. ربما لم تجد قبل ذلك من يحاول أن يفهمك لكى تتحدث معه عن نفسك ، ولكنى واثقة من أنى أستطيع فهمك وتقدير مشاعرك ، فحدثنى عما بك ولاتخشى شيئا .. هل ترى حرجا فى أننا سنتقابل كثيرا .. هل تحب ألا نتقابل إلاعلى فترات بعيدة .. هل تحب لو تقابلنا ألا نكون وحدنا .. هل تحب أن نتكلم عبر الهاتف .. قل لى أريد أن اعرف ولاتجعلنى أكلم نفسى أو أحكم على نفسى بأننى إنسانة تافهة قبلت أن تتحدث إلى شخص لايسمعها ولايريد .. وإذا سمع فإنه لايرد ويكون عدم الرد هنا دليلا على أنك ترى كلامى لايستحق .. أو ليس عندك ماتقوله لى .. أو عندك ماتقوله ولكنك لاتحب ذلك . وأنا لاأعرف ماالذى يدور بداخلك . إننى أريد أن أعرف . ورغم كل هذه التوسلات لم يأبه لكلامها ولم يحاول أن يفتح مجالا بينهما . انتفضت فجأة من إغفاءتها منـزعجة وكأنها كانت تحلم حلما كئيبا مالبث أن تحول إلى كابوس رهيب .. شل حركتها وأطبق على فكرها ، ثم أفاقت منها بحالة من الضيق وقررت أن تنسى هذا الموضوع ولاتشغل بالها به نهائيا . بيد أن كل ذلك كان يتبدد فى لحظة كلما التقت عيناها بعينيه مجددا ، فتنبثق نفس الشرارة  التى تتولدت أول مرة رأته فيها .. فكانت تطرد كل الهواجس التى أسهدتها وجعلتها تظن كل الظن أنها خبت وانطفأت من قلة الحيلة ، فإذا باحساسها به يعود من جديد ليتعمق بداخلها بضراوة ويشعل بين جوانحها جذوة النار التى تأبى ألاتنطفئ أبدا .. شعور حائر بين الإحساس والغموض .. بين إقبالها على مشاعرها المفعمة بالحب وعدم اكتراثه وثقته الزائدة بنفسه ، ولكن احساسها بنظراته الحانية التى ظنت أنه صادق فيها كانت تغلب عليها ، فأحيا شيئا بداخلها حتى وجدت نفسها تختلق الأعذار للخروج بحجة شراء بعض احتياجات المنـزل على أمل أن تراه ليكون قريبا منها لايفصلهما إلا خطوات ضئيلة فى محاولة منها كى تؤكد فى نفسها الاحساس الجديد الوافد لها من حيث لاتدرى حتى تكتشف ماأعتراها من مشاعر لازمتها لم يكن لها وجود من قبل ولم تستطع الأن تجاوزها ، وإصرارها بينها وبين نفسها أن تكون مميزة عن أقرانها التى كانت تسمع حكاويهن من خلف الأبواب المغلقة التى كانت ترويها زبائهن عن الحب وماأكثرها حكاوى ، وهى التى كانت حياتها بعيدة كل البعدعن كل ذلك بحكم صغر سنها ، ولكن هى الأن صاحبة الخمسة العشر عاما من عمرها .. هذه المرحلة السنية التى يجب أن تكون مليئة بالحيوية والطموح ومن حقها أن تعيش وتحلم وتحب ويصبح لها كيانها الخاص فيه من الحماس والشغف لمعرفة كل شيئ يدور حولها بل وتنغمس فيه لتلقى ماشاء لها من نصيب .                                                                                      

       وإلى لقاء أخر فى الجزء الرابع 

   مع تحيات : محمد عصام                           القاهرة فى : 27 من إبريل 2026