music

الاثنين، 27 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الثالث )

إن أثر هذه الزيارة جعلت ميرفت فى حيرة من أمرها بسبب احساسها المتقلب التى تملكتها الظنون مابين الإقبال والإدبار فى خلق فكرة المقابلة التى كانت تتمناها ، والتى كان يجب أن يختلقها هو ولم يفعلها .. إذ أن دوامة من الفكر لازمتها واسهدتها وجعلتها تذهب إلى أبعد نقطة لعلاقة رأتها أنها لوشاء لها أن تكون .. فستكون علاقة مضطربة لاترى فيها بريقا من أمل ، حتى راحت تسأل نفسها هل خاب ظنى إلى هذه الدرجة وأعطيت مشاعرى لمن لايستحق ؟! ، وراحت تتخيل ماذا لو تجرأت وباغتته هى بالكلام ثم تنظر إلى انطباع هذا على وجهه فإذا بها لاتجد له أى نتيجة تذكر ، كأنها ألقت بكل مشاعرها فى مهب الريح فأخذها إلى مجهول لايبقى لها أثر .. أو كأنها ضربت رأسها فى أقرب حائط .. لاردة فعل ولاصدى ، وهنا أدركت أن المشكلة تكمن فى لو أنها هى التى بدأت بالكلام وهى التى تحدثت وتقول ، وهو لايقول شيئا ، وهى التى تحاول أن تستدرجه لكى يفتح فمه ويحدثها عن أى شيئ .. فلا يقول ، فكأن الذى قالته ليس سوى فقاعات فى الهواء ذهبت هباء.. كأنها لم تقل.. ظنت أنها ثرثارة . وأن كلامها فارغ .. وأنها أخطأت التقدير مادام كل ذلك لايلقى عنده أى اهتمام ، أنها رأته مثل التمثال لايتحرك ولايرى ولايسمع ، وتخيلت نفسها وهى تسأله : هل من المفترض أن أتكلم طول الوقت وأنت لا.. هل أنا أبدو لك تافهة لهذه الدرجة لأنك ترانى إنسانة عادية جدا وأنت أكثر منى عقلا  وحكمة . إننى لاأريد أن أتكلم طول الوقت وحدى بل أريد أن تتكلم أنت أيضا واسمعك وتسمعنى .. لابد أن تقول شيئا حتى لو هذا الشيئ لايفيد !  . ولكن عصام لم يأبه ولايقول . وإذا قال بالكاد كلمة أو كلمتين ، ثم أردفت وقالت له : لقد تكلمت معك فى كل شيئ .. تكلمت عن نفسى .. تكلمت عليك وقلت لك كيف أراك .. وتكلمت عن الناس من حولنا ورأيى فيهم ، فما هو نوع الكلام الذى تحب أن اتناوله لكى أرى وجهك المنغض أمامى منشرحا .. قابلا للتجاوب .. إننى أريد أن أرى شيئا  أخر غير ابتساماتك التى أصبحت بالنسبة لى عبئا ومجالا للشك والحيرة .. إننى أريد أن أرى درجة من الاهتمام بما أقول غير الصمت الذى يحتويك  .. قل لى أى شيئ وأنا سأطبق على لسانى ولا أنطق بكلمة واحدة وأكون مثلك .. هل ترضى أن أكون مثلك صامتة لاأتكلم .. قل لى ماالذى يريحك بحق السماء ؟ أنا أريد أن أريحك .. وارتاح أنا أيضا.. ماذا تريد !  أو أى شيئ تريد .. إننى لاأود أن أعرف عنك شيئا إذا كان هذا يرضيك .. ولكنى أود فقط أن أعرف مابك .. لعلى أستطيع أن أحمل عنك بعض حزنك الذى أراه فى نظرة عينيك .. لابد للإنسان من إنسان أخر يتحدث معه ويفضى إليه بهمومه وأوجاعه .. ليس هناك أقسى للمرء من ذلك الانطواء وتلك الوحدة .. ربما لم تجد قبل ذلك من يحاول أن يفهمك لكى تتحدث معه عن نفسك ، ولكنى واثقة من أنى أستطيع فهمك وتقدير مشاعرك ، فحدثنى عما بك ولاتخشى شيئا .. هل ترى حرجا فى أننا سنتقابل كثيرا .. هل تحب ألا نتقابل إلاعلى فترات بعيدة .. هل تحب لو تقابلنا ألا نكون وحدنا .. هل تحب أن نتكلم عبر الهاتف .. قل لى أريد أن اعرف ولاتجعلنى أكلم نفسى أو أحكم على نفسى بأننى إنسانة تافهة قبلت أن تتحدث إلى شخص لايسمعها ولايريد .. وإذا سمع فإنه لايرد ويكون عدم الرد هنا دليلا على أنك ترى كلامى لايستحق .. أو ليس عندك ماتقوله لى .. أو عندك ماتقوله ولكنك لاتحب ذلك . وأنا لاأعرف ماالذى يدور بداخلك . إننى أريد أن أعرف . ورغم كل هذه التوسلات لم يأبه لكلامها ولم يحاول أن يفتح مجالا بينهما. انتفضت فجأة من إغفاءتها منـزعجة وكأنها كانت تحلم حلما كئيبا مالبث أن تحول إلى كابوس رهيب .. شل حركتها وأطبق على فكرها ، ثم أفاقت منها بحالة من الضيق وقررت أن تنسى هذا الموضوع ولاتشغل بالها به نهائيا . بيد أن كل ذلك كان يتبدد فى لحظة كلما التقت عيناها بعينيه مجددا ، فتنبثق نفس الشرارة  التى تتولدت أول مرة رأته فيها .. فكانت تطرد كل الهواجس التى أسهدتها وجعلتها تظن كل الظن أنها خبت وانطفأت من قلة الحيلة ، فإذا باحساسها به يعود من جديد ليتعمق بداخلها بضراوة ويشعل بين جوانحها جذوة النار التى تأبى ألاتنطفئ أبدا .. شعور حائر بين الإحساس والغموض .. بين إقبالها على مشاعرها المفعمة بالحب وعدم اكتراثه وثقته الزائدة بنفسه ، ولكن احساسها بنظراته الحانية التى ظنت أنه صادق فيها كانت تغلب عليها ، فأحيا شيئا بداخلها حتى وجدت نفسها تختلق الأعذار للخروج بحجة شراء بعض احتياجات المنـزل على أمل أن تراه ليكون قريبا منها لايفصلهما إلا خطوات ضئيلة فى محاولة منها كى تؤكد فى نفسها الاحساس الجديد الوافد لها من حيث لاتدرى حتى تكتشف ماأعتراها من مشاعر لازمتها لم يكن لها وجود من قبل ولم تستطع الأن تجاوزها ، وإصرارها بينها وبين نفسها أن تكون مميزة عن أقرانها التى كانت تسمع حكاويهن من خلف الأبواب المغلقة التى كانت ترويها زبائهن عن الحب وماأكثرها حكاوى ، وهى التى كانت حياتها بعيدة كل البعدعن كل ذلك بحكم صغر سنها ، ولكن هى الأن صاحبة الخمسة العشر عاما من عمرها .. السن الذى يجب أن يكون مليئا بالحيوية والطموح ومن حقها أن تعيش وتحلم وتحب ويصبح لها كيانها الخاص فيه من الحماس والشغف لمعرفة كل شيئ يدور حولها بل وتنغمس فيه لتلقى ماشاء لها من نصيب .                                                                                      

       وإلى لقاء أخر فى الجزء الرابع 

   مع تحيات : محمد عصام                           القاهرة فى : 27 من إبريل 2026         

الاثنين، 20 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الثانى )

 

بدت الجلسة غريبة حيث همت الست نزيهة أو مدام صفا من جلستها وجلست بجوار عصام وأمه على غير عادتها مما أوجس خيفته ربما ستشكوه فى أمر مطاردته المستمرة لإبنتها بابتساماته المبالغ فيها والمتكالبة عليها كلما مرت من أمامه ، وتصور أن ميرفت شكت لأمها هذا التصرف، كما شكت لها من قبل تعرضها لمضايقات كثيرة من بعض شباب المنطقة كلما تواجدت  فى الشارع ومحاولاتهم المستمرة أن يتكلموا معها عنوة للفوز برضاها قسرا بحجة أنهم متيمين بها ولاتبرح خيالهم . رغم أنها كانت تتجاهلهم وتنظر إليهم من أسفل إلى أعلى .. وترمقهم بنظرة كلها احتقار ، ثم تشيح بوجهها فى كبرياء إلا إنهم لم يكفوا عن ذلك .عندئذ انزعجت أمها وراحت تحذرهم تحذيرا شديدا من تكرار مضايقة ابنتها فى وجود بعض من رجالات المنطقة الذين أخذوا عهدا على هؤلاء الشباب بعدم التعرض لها مرة ثانية ، وهذا أمر يعلمه الشارع كله . تصور عصام أنه سوف يتعرض ماتعرض له هؤلاء ووقتها لايعلم ماالجزاء الذى سيناله من أمه . شعوره وقتها كان يملؤه التوجس والخوف ، إنه كان متوجسا خيفة من أن أمه تلحظ عليه اضطرابه الذى بدا على سحنته المكروبة الواجفة عندما جلست مدام صفا بجانبها . ولكن الست نزيهة بدت هادئة مرسلة ابتسامات مريحة تحمل رسائل الترحيب لأم عصام ، ثم أصرت على أن تصنع لها مشروبا فهذه أول مرة تقوم بزيارتها ، ومع إصرارها استجابت أم عصام وطلبت فنجانا من الشاى ، فنادت على ابنتها بأن تقوم بصنع فنجانين ، فنظرت أم عصام لميرفت وقالت لها فنجانا واحدا فقط ياابنتى لأن عصام لايحب شرب الشاى . بدا على عصام الوجوم محدثا نفسه معاتبا لأمه أنها قررت عدم احتسائه لشرب الشاى دون الرجوع له ، إنه كان يريد أن يشرب الشاى هذه المرة حتى ولو كان لايحبه بل سيكون عنده أحلى من العسل المصفى ، كان المهم عنده إنه سيحتسى أى شيئ من يد الفتاة  التى أعجب بها ، فلأول مرة يراها عن قرب وفى بيتها بل وكان سيحتسى مشروبا من صنع يديها . ثم بدا عليه الإستغراب فى حبور محدثا نفسه : يالها من صدفة غريبة وجميلة .. وسرح بخياله فى أمور شتى لشعوره بالخجل ثم نَكَّسَ طرفه فهو لم يعتد الذهاب عند أحد فى بيته ، حتى أقاربه لايذهب إليهم إلا فى المناسبات فقط ، وإذا ذهب لايبرح مكانه حتى ينصرف . لذلك أراد التخلص من خجله وكسوفه الذى سيطر عليه فأخذ يجول بنظره وعلى استحياء فى ابعاد المكان مسحا غير مقصود ، ولكن أدهشه جدا مارأى ، إذ وجد الغرفة فى مجموعها منسقة تنسيقا جميلا ورائعا يلفت النظر ، وأن كل مافيها يدعو للبهجة والروعة معا ، ورغم صغر المكان إلا أنه مرتب ترتيبا منظما .. قطع الأثاث فيه بسيطة مخملية .. تشتم فيه رائحة النظافة مع بقايا من شذا عطر عابق .. وأعواد من البخور الشامية الفواحة منتشرة فى أرجاء المكان ، فكان أريجها عبيرا يتضوع .. الحوائط مزدانة ببراويز تحمل صورا لأشخاص يبدو من وضعهم أنها خاصة بزوجها فيصل وولديها مازن وياسر كما أخبرت بأسمائهم لأمه .. الصور تحمل صفات المكان فى خلفية وقوفهم بين أشجار الزيتون فى أرض الوطن فلسطين ، كانت تحكى عنهم مع أم عصام باستفاضة على غير عادتها فهى لاتتحدث مع أحد ولاتريد ، وإن تحدثت لاتتكلم كثيرا ، ربما ارتاحت لوجود أم عصام أو رأت فيها مالم تره متوفرا فى زبائنها الأخريات ، ولكن الشيئ العجيب أنها كانت تصمت فجأة .. تتوقف لتلتقط أنفاسها المتهدجة لتزرف قطرات من الدموع تسقط تباعا مترقرقة من عينيها دمعة دمعة ثم تسيل على خديها مما أزدادت حمرتهما حنينا للغائبين ولبلدها المغتصبة ، ماأصعب أن ترى مشهدا بهذا الشكل حتى ينتفض قلبك لمجرد أنك تضع نفسك مكانها .. وتتصور شكل الغربة ، شيئ يصعب على أى إنسان تصوره أو تخيله . فى هذه الزيارة رأى وجه ميرفت عن قرب وهى تشارك أطراف الحديث الذى دار فى هذا اللقاء .. رآه والسعادة تكسوه بإشراقة ابتسامتها البراقة الواهجة .. فتاة مرحة .. مرهفة السمع .. رقيقة الحس .. مفوهة .. تجيد الكلام والإنصات .. فإذا تكلمت تعرف جيدا ماذا تقول .. وإذا أنصتت تركز جيدا فى كلام الأخرين حتى تستطيع الرد بلباقة وبفهم واعى .. لسانها ينطلق بسلاسة وإدراك .. صوتها ذو رنة محببة فيه عذوبة وجاذبية ورقة وطلاوة .. تحسن اختيار الأسئلة السريعة التي تربك الخجولين أمثاله ولها فى ذلك باع طويل . وهذا ترك فى نفسية عصام الكثير من الانطباعات التى اعتبرها غريبة بالنسبة لسنها ، وخاصة عندما رآها منذ البداية أنها لم تجلس معهم ، بل اكتفت بالوقوف قبالة جلستهم فضولا ، كأن وجودها وحده يكفى لمحاولة فهم أى أحد أمامها دون إقحام . اكتشف وقتها أن ميرفت مختلفة عن الأخريات فى كل شيئ . فكانت نظراته إليها تعجبا كيف لهذه الفتاة الصغيرة أن تكون على هذا المستوى من الفطنة والذكاء بجانب جمالها النضير .. ثم هز رأسه مبتسما .. ابتسامته هذه المرة لم تكن ابتسامة عادية ، بل ابتسامة بلهاء فيها إعجاب وترقب وفى نفس الوقت خيبة أمل ، حيث جال بخاطره أشياء كثيرة ، جعلته شارد الفكر حتى وصل به الحال أن الصمت عنده سيكون أفضل من الكلام لأنه لم يكن يعرف بعد رد فعلها إذا حاول أن يتكلم معها فى أى مواجهة مباشرة ولايدرى وقتها ماذا سيفعل إذا صدته .. أنها بالطبع فى هذه الحالة ستشكوه لأمها.. وأن أمها الأن تعرفت على أمه بل وارتاحت إليها فكان من الصعب أن يواجه أمه فى وجود مشكلة مثل هذه لأنه يعرف ماسيئول إليه الحال إذا واجهته ويعرف أسلوبها جيدا فى معاقبته .. الصمت القاسى فى البداية ، ثم تبدأ بمواجهته بحزم لتعلمه درسا لن ينساه . أما إذا استلطفته وبادرته هى وتكلمت فإنه لايعرف كيف سيجاريها فى أى حديث ، ولاعنده مهارة أن يحول صمته إلى حنين ورفقة كما كان يتوهم فى أحلامه الياقظة تجاهها ،  لقد بعدت المسافات .. والطريق القصير بين البيتين لم يعد قصيرا لأن خطواته مهما بلغت سرعتها فستكون أبطأ من الوصول إليها بسهولة . لقد أربكته ثقتها فى نفسها أكثر مما هو عليه من ارتباك ، وخاصة بعد أن رآها عن قرب وبهذه الهيئة التى أبهرته والتى لم يكن ليتوقع أن تكون عليها ، وقارن بين امكاناته المتواضعة وامكاناتها التى انبهر بها فأيقن تماما أن امكاناته لن تسعفه من إجراء أى حديث معها ولايستطيع أن يجاريها فيه أو على الأقل يستكمله . تملكته الحيرة وصعبت عليه فكرة الإرتباط بها ، فكان من المستحيل أن يتصور وهوعلى هذه الحالة أنها من الممكن أن تنظر إليه أو تحبه ، إنه لم يكن بوسعه أن يتخيل أنها لو سارت بجانبه والقلوب تقاربت .. تهامست ، وإذا تكلمت وتعاتبت .. اطمأنت وارتاحت ، وإذا أحبت.. أعطت بلا حساب ، بل العكس من ذلك تماما إنه كان يرى أنها ستنفر منه وتوبخه وستوجه له لوما شديدا وعتابا قاسيا ، بل ومن الممكن أن يكون كلامها جارحا ، وأن الإقدام على محاولة الكلام معها ماهو إلامجرد اقتحام لخصوصيتها وأنه يفرض نفسه عليها فرضا ، واعتبر أن هذا التصرف فيه أنانية منه لأنه لم يعرف بعد مدى تقبلها لهذا الأمر من عدمه ، وخاصة أنه لم يكن متأكدا إنها ستكون مرتاحة له من الأساس أم لا ، حينئذ سيلوم نفسه ولن يحترمها. فأدرك أن هذا اللقاء البريء الذى جاء طبيعيا وبالصدفة فى بيتها ماهو إلاخطوة في طريق مسدود لإنه جاء أسرع مما كان يتخيل أو يظن بل و أيقن أنه حتما سيفشل إذا حاول . وهذا وضعه فى حالة من الإحباط الشديد فها هى أمامه والظروف كانت مواتية وسانحة لأن يتكلم ويسترسل دون عناء ويتحاور معها بلا مشقة أو مجهود فى وجود الأُمَّين ، ولكنه لم ولن يفعل لأن أفكاره صارت مختلفة وصعبت عليه فكرة الوصول إلى قلبها . أما هى بدت وكأنها صدمت فيما كانت تمنى بها نفسها أن تجده كما كانت تهوى .. مميزاعن أقرانه الذين يطاردونها بحثا عن أية فرصة ليتكلموا معها . إذ وجدته في دور لاعلاقة له بالمثالية كما توقعت .. المثالية التى كونها عقلها عنه وأخذ من تفكيرها الكثير . وجدته جالسا بجوار أمه لايحركه ساكن ، وكأنه لايعرف شيئا عن مايدور حوله ، وجدته كأنه إنسان بلا مشاعر ، ولكن الصدفة هى التى جعلت منه مثارا لفكرها ، وهيأت لها موعدا رسمها قلبها وكفى ، وأن الصدفة قد لا تخطئ الشعور ، ولكن هذه المرة أخطأت التقدير ، أنه لم يستطع فعل أى محاولة في الظاهر ولاالبحث فى إيجاد فرصة لحديث أو تحايل على لقاء مثل الذى كان يختلقه غيره من شباب المنطقة لمحاولة الكلام معها عنوة بلاسبب منطقى وبلا انتظار لوعود .. الابتسامة هى فقط عطاؤه الوحيد .. ابتسامة صامتة بلا كلام . ولكن فكرها حاول أن يجد له مبررا فهداها أنه إنسان مهذب وتربيته راقية ، جعلته لايريد فرض مشاعره على أحد ، وأن تردده إنما جاء مخافة وحرصا على مشاعرها .. وأن الصمت حينما يتكلم يبدو أكثر شاعرية والسكوت دلالته .. لغة لا تنطق وغالبا تأتى هادئة بلا افتعال ، فقط لايحتاج الأمر أكثر من إيماءة ، أو نظرة خاطفة فيها تركيز وتأمل وفكر عميق .. إن الذين يفهمون الصمت يدركون ذلك .. يدركون أن الحب الذى يأتى على مهل هو الحب الحقيقى .. معالم من الرومانسية الخالصة.. وهى تراه يفعل ذلك . ولكن شغفها التى طالما تمنت أن تجد وراءه شيئا بدأ يتلاشى بعد أن رأته فى هذه الوضعية وهو جالس بجانب أمه منطويا لايقدر على متابعة مايدور حوله ولم يحاول التدخل فى مسار الحديث على الأقل لإثبات وجوده إلا إذا وجه إليه الكلام وبالكاد ينطق ، وأيقنت أنه بهذا الشكل لايستطيع أن يجاريها فى أى شيئ ، بل أن خطواته التى تتسم بالبطء الشديد ستجعل محاولاته للكلام معها محدودة للغاية .. وأن اختلاق أى فرصة للقائها والتعارف عليها شبه معدومة .. فكم من فرص كثيرة واتته والتى منحتها إياه كى يتجرأ ويحاول أن يكلمها لكنه بقى على حاله . بدأت طموحاتها الخاصة التى كانت مليئة بوهج الحياة والعواطف الراقية تتلاشى ، وتبخرت معها أحلامها تماما عندما بدأ ينطق وهى تراقبه من كثب .. فإذا بكلماته متلعثمة فيها تردد وعدم ثقة عندما حاولت أمها أن تجعله طرفا مشاركا فى الحديث .. إذ سألته مداعبة عن اسمه ودراسته وفى أى مرحلة تعليمية ، تعثر فى الرد وكانت إجاباته كلها مقتضبة ، ولما أحست بحرجه وتوتره الذى انطبع على وجه احمرارا أثنت عليه وعلى أدبه وأخلاقه ، ثم انصرفت لمواصلة حديثها مع أمه . لم تستطع ميرفت أن تلتمس له أعذارا مقبولة ، ولم تستطع أن تسمى هذا خجلا أو رهبة البدايات إزاء تصرفاته وتعثره فى الكلام التى لامبرر لها .. بل وفى حركاته وسكناته وسكوته المحير ، ولفتاته الشاردة المتكررة مسحا للمكان الذى جمعهم . كانت ترقبه بنظرات حادة فى محاولة مستميتة لفهم أبعاد شخصيته المبهمة كعادتها فى قراءة زوارهن ، فلم تصل لشيئ ولكنها أيقنت أن شخصيته تعد من الشخصيات الغريبة إذ لم تر مثلها قط قبل ذلك ، فأصبحت بالنسبة لها شخصية محيرة . إنها كانت تطمع أن تجد فيه ضالتها أو أحلامها الوردية التى رسما لها ذهنها صورا جميلة عن الشخصية التى مال له قلبها ، وكانت تتمنى أن يكون هذا الشخص التى تراه الأن عاجزا أن يثبت فيها وجوده أمامها ، وهى التى كانت ترقبه من بعيد وكانت ترى فيه الشخصية المتزنة.. الرزينة الواعية التى رأت أنها من الممكن أن تتوافق مع طاقتها الشبابية من أفكار ومشاعر بدأت تعتمل بداخلها تجاهه والتى لم يسبق وسمحت لأحد أن يجسر ويطرق بابها من قبل ولم تسع هى أن تكلم أحدا مهما كانت رومانسياته أو وسامته أو لباقته ، بل أن كل شباب المنطقة هم من كانوا يسعون لطلب الرضا منها إذ كانت تمثل لهم حلما ، فهى تعلم قدر نفسها ثقة وجمالا وذكاء . وإنما جاء مناط أعجابها به على مضض حيث مالت لأدبه ووسامته الهادئة وجاذبيته التي لاقت استحسانها ، وكان هو يستقبل كل ذلك بابتسامة رقيقة ، لايملك سواها .. ابتسامة بلا محاولات ولا تحمل أى معنى . لذلك خيبة الأمل جعلتها تتمنى على الأقل أن تجد فيه الصديق المخلص الذى يستطيع أن يجعل حياتها مليئة بالحيوية والطموح دون الخوض فى مسألة المشاعر التى يفتقدها ، ففاقد الشيئ لايعطيه إذ أن شخصيته ربما تنتمى للنـزعة الواقعية التى لاتميل لمسألة المشاعر والأحاسيس ، لذلك صدمتها فيه جعلت مشاعرها تتحول تحولا جذريا فى احساسها به لأنها أصبحت الأن مغطاة بغبار سوء الظن وملقاة في زاوية منسية في قبو من الحيرة والشكوك . انتهت الزيارة وغادر مع أمه غير مأسوف عليه بعد أن تولدت بينهما أحاسيس ومشاعر متباينة ، خرج كل منهما منها بخيبة أمل ، ليبق الموضوع على غموضه وليسير كيفما يشاء . إن مادفعها لاستطلاعه هو ذلك الشيئ الذى أيقظ فى قلبها الأخضر هذا الإحساس الوافد الجديد التى لم تكن لتعرفه من قبل .. إنه الحب .. مفتاح السعادة ومناط الفرح كى تخطو به أولى خطواته وتتعرف على مشاعره الإيجابية الهادئة من خلاله ، فراحت تستشفه فيه وتتطلع إلي فكره عنه والتحدث معه كى تعرفه أكثر . أما هو راح فى دوامة .. الخوف يكتنفه ، والاحباط يحتويه ، وعدم الإقدام صفة لازمته ، فلا جديد عنده سوى أنه سيحاول الهروب من نفسه .. أنه أراد أن يقول شيئا ولكنه لم يجد ، ولما كان لابد له من النطق .. فقد نطق ، ولكنه تمتم وهمهم ، ثم فر إلى الداخل .. داخل نفسه التى مازالت تتحمله وحدها إذ أنه لم يستطع الهروب منها.  

 وإلى لقاء أخر فى الجزءالثالث 

 مع تحيات : محمد عصام                                    القاهرة فى : 20 من إبريل 2026                                                                               

الاثنين، 13 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى (الجزء الأول)



 


مقدمة

فى الدنيا مسارات كثيرة تتشابك فيها حياة البشر بشكل يبدو لنا أنها فوضوية ولكن فى علم الله منظمة غاية فى التنظيم ومبررة فى شكل علاقات إنسانية منطقية لاتخرج عن الواقع الذى نعيشه بحلوه ومره . ومن قلب الحياة ستجد حكايات وروايات وقصصا كثيرة يبدو بعضها طبيعيا والبعض الأخر مثيرا قد لايقبلها العقل بسهولة ولكنها تدعونا للتأمل ، وفى قصص الحب الكثير منها مايدعو للعجب .. إنها الحياة التى لاحيلة لنا فيها .                                           

كان فيه زمان قلبين .. الحب تالتهم  .. فردوا الهوا جناحين .. والدنيا ساعتهم .. ضحكت لهم يومين .. وفى ليلة خانتهم ..  اتفرقوا الاثنين .. فى عز فرحتهم ..ليه وعشان إيه .. كل ده    يجرى  ليه .. ليه           

هذه الغنوة غناها عبد الحليم حافظ فى فيلم دليلة ، من كلمات الشاعر الكبير حسين السيد ولحن الموسيقار القدير محمد الموجى ، وهذا الكوبلية الأول تحديدا فيها ملخص للحكاية التى كتبتها، طب إيه هى الحكاية؟! .. تعالوا نشوف مع بعض إيه هى الحكاية .....    

                                                                                                               

الجزء الأول

كان لعصام سحرلا يقاوم منذ نعومة أظفاره ، ولكنه في نفس الوقت هذا السحر دمره وجعل حياته لاتسير وفق إرادته ، ربما لطبيعتها المضطربة التى شب عليها .. فحياته كانت منغلقة جعلته عازفا تماماعن التعامل مع الناس وخاصة فى تعاملاته مع الفتيات ، فهناك ثمة شيئ جعلته يعرض عن التعامل معهن وخاصة ممن تصادف منهن فى حياته ، حتى أضحي لايعرف منهن من تتحلى بالثقة الزائدة أومنهن من تتوق الى شغف أو منهن من تسعى لاستعاده احساسها بذاتها ، خط رفيع جدا يفصل بينهن فى هذه الخصال لم يميزها ولايستطيع رغم أنه كان يتمتع بثقة ونضج يتجاوزان سنوات عمره بفضل طوله الفارع الممشوق الذي بلغ  وقتها ستة أقدام تقريبا مما جعل ماحوله يشعرون أنه أكبر من سنه، حيث كان دائما ملفتا للأنظار أينما ذهب، لكن الأمر لم يكن يتعلق بمظهره فقط ، فقد كان يمتلك شخصية مغناطيسية فيها من الجاذبية والفتنة بريقا جعلت كل من يصادفه فى حياته يشعر بأن حضوره مميزا رغم انطوائيته الشديدة . نشأ على يد أمه التي كانت تمتلك شخصية فطنة قوية .. متزنة تعرف قدر نفسها وتعلم جيدا بما تملكه من ملكات لاتتمتعن به الكثيرات من أقرانها اللاتى فى مثل سنها ، كانت من أعظم هذه الملكات مهارة قراءة الناس وفهم اغوارهم بمنتهى البساطة والسلاسة قبل أن يدركوها هم بأنفسهم .. إنها فطنة مابعدها فطنة ، كانت هذه المهاره تخدمها جيدا في تعاملها مع الناس وفى كل حياتها اليومية ، كما كانت تخدم كل من حولها .. ليس فقط أسرتها بل والديها وإخواتها وأقاربها وجيرانها فكانت كثيرة السخاء مع الكل . إنها أرادت أن تضفى على شخصية ابنها مما وهبها الله من نِعم .. الحضور الطاغى .. والثقة العالية بالنفس .. والتمتع بالشخصية القوية .. والقدرة على اتخاذ القرار.. وكيفية التعرف إلى الأخرين .. وتحدي المشاكل .. والعيش بإيجابية ، والتخلص من أى شيئ يعوق مسيرة حياته ، إنها أرادت ذلك ولكن لم يتحقق من كل هذا إلا حضوره المميز .. واتزان شخصيته .. وأدبه الجم ، ودماثة الخلق فقط ، وذلك لافتقاره الدائم إليها واعتماده فى كل أموره الكلية عليها ، حتى أصبحت بالنسبة له الشخصية المحورية فى حياته والتى ساعدت فى تشكيل وجدانه حتى أضحت بالنسبة له كل دنياه منذ أن كان طفلا صغيرا فى الحضانة وحتى بعد تخرجه من المدرسة الثانوية ثم تخرجه من الجامعة ، إذ لم يكن متحمسا للبدء بمفرده فى أى مرحلة من هذه المراحل ، فهى التى كانت تضع له الخطوط العريضة فى تحديد أسلوب ومنطق حياته حتى فى أدق أدق التفاصيل .. اختيار ملابسه الذى كانت تملك فيه ذوقا رفيعا .. أكله وشربه ووقت نومه وصحوه ، أما خططه المستقبلية رغم أنه كان يراها خططا غامضة ولكنه كان راضيا مستسلما في حينها ، بل كان راضيا تمام الرضا بالاستمتاع بمن يخطط لحياته ويخاف عليه ويحبه حبا حقيقيا صادقا ويتمنى أن يراه فى أبهى وأحسن صورة .. إنها الأم ياسادة ، المرأة الوحيدة التى لا ترى عينه غيرها فهى بالنسبة له أفضل سيدة فى الوجود ، فلايعرف فى هذه الدنيا سواها ، ولكن لم يكن يعلم بأن هناك متسعا من الحرية التى قد يكتشفها يوما ما إذ تجاوز ذلك الأمر وترك لنفسه العنان لمتابعة مايدور حوله نهما ولو لفرصة واحدة حتى يتعرف على عالم المرأة والدخول فى مسار حياتها ، من المؤكد أنه سيكتشف الكثير والكثير وسيزال عنه هالات الغموض التى تكتنفه تجاه هذا العالم المتنوع فى صفات شخوصهن المتباينة أشد التباين . ولكن كيف سيخلص يوما من خجله؟! ، إن هذا الأمر يعد من المستحيلات ، لذلك لم تجد الفتيات اعذارا مقبولة لهذا الخجل الشديد غير المبرر حتى جاء إعجابهن به على مضض وذلك لوجود جاذبية خاصة فى تركيبة شخصيته التى كان يتحلى بها .. والجاذبية هنا ليست متعلقة بالشكل بقدر ماكانت متعلقة بالطبع وحسن التربية التى كان لايمتلك غيرهما ، فكان هذا عنوانا لمعظم تعاملاته مع من حوله من فتيات ، لايوجد مجال لكلام بل يكتفى بابتسامة رقيقة لايملك سواها .. ابتسامة بلامحادثات ، رغم أن الصمت أحيانا يحمل قوة أوجاذبية أكثر لاتقل عن الكلام ، لكن فى عالم المراهقة رغم بساطته الظاهرة ومشاعره الصادقة لايستطيع الوصول لهذا المفهوم العميق الذى يبنى على فهم الحياة أكثر من خلال معايشة تجاربها ، فللصمت والخجل لغة خفية لايفهمها إلا من يحسن الإصغاء ويقرأ قراءة جيدة للطرف الأخر ، ولكن فى مثل هذه السن لايمكن استيعاب ذلك كله بسهولة لحداثته ولعدم اكتمال الرؤية ، إلا أنه قد تنشأ أحيانا نوع من العلاقات حين يخرج الآخرون عن الأدوار المتوقعة منهم تتهيأ معها مشاعرهم فى علاقة أصدق من يقال عنها إنها عفوية لاتستطيع أن تجد لها مسمى ولامسارا ، ومنها علاقات كثيرة نجدها عند شباب المراهقين لظروف تربيتهم المنفتحة على عوالم أخرى التى أتاحت لهم ذلك ، فانعكست على رؤيتهم للحب والحياة . عصام لم يكن من بين هؤلاء ، إذ أنه لايستطيع أن يجازف ويصنع لنفسه فرصة يبدأ بها مبادلة حديث مع أى فتاة ، لذلك جاء لقاؤه مع بنت الجيران أشبه بالمعجزة أو من قبيل الصدفة ، لم يلفت نظره يوما أنهن اللاتى يبدأن بمحاولات التحدث معه على غير العادة المتعارف عليها فى عالم الحب وخاصة عند المراهقين ولم يكترث لذلك . هن من يبدأن بالمحاولة ، فكانت أول محاولة فى حياته ميرفت فتاة فلسطينية فى مقتبل العمر .. عمر الزهور .. جميلة أشد الجمال .. أنيقة أكثر أناقة .. جمالها يسحر العيون .. شقراء البشرة ، زرقاء العينين واسعتهما ، ذات أهداب طويلة تعكس ظلا ظليلا على خديها الموردتين دائما ، قوامها فاتنا ، وشعرها أشقر ذهبى .. قصير وناعم . لفتت نظره بشدة بعد أن رآها أكثر من مرة وهى تمر من أمامه فى الشارع مصادفة ، فأعجب بها أشد مايكون الأعجاب . وراح يسأل عنها القاصى والدانى حتى وعى عنها كل شيئ .. علِم أنها جاءت مع أمها الست نزيهة فى أعقاب حرب 1967 ليستوطنا فى مصر بعد احتلال اسرائيل لبعض الأراضى العربية فى مصر وسوريا وأرض غزة فى فلسطين التى كانت تحت القيادة المصرية آنذاك قبل حرب 1967 . الست نزيهة أو مدام صفا كما كانت تحب أن ينادوها به . استأجرت شقة فى العمارة الوحيدة التى كانت جديدة فى ذلك الوقت من بين الأبنية القديمة فى شارع الشيخ القويسنى بحى الظاهر .. كانت تبعد عن العمارة التى كان يقطنها عصام بعمارتين ، عملت فى حرفة الحياكة ، تميزت بمهارتها الهائلة فى حياكة ملابس النساء وخاصة الفساتين ، فكانت تعمل ساعات طوال منكفئة على ماكينة الحياكة التى عملت عليها منذ أن وطأت قدماها أرض القاهرة كى تعينها على سبل الحياة الجديدة التى فرضت عليها فرضا بسبب هذا الإحتلال الغاشم على أرض غزة ، لم تكن لتظن أن هذا كله سيحدث وأنها ستترك الديار التى طالما عشقتها عشقا لاحدود له ، وتترك بسبب ذلك العشيرة والأهل والوطن حيث كانت من أسرة عريقة ميسورة الحال . نزحت هى وابنتها فقط وتركت بقية الأسرة الزوج والولدين ، والأن وهى فى الغربة أصبحت مضطرة للعمل لتنفق على نفسها وعلى ابنتها الوحيدة ..  تبدو سيدة هادئة هدوءا عجيبا أميل إلى الصمت معظم الوقت .. ساهمة واجمة لاتحب أن تسترسل فى الكلام مع أحد ، تعامل زبائنها بالقطارة ، ورغم ذلك استطاعت فى وقت وجيز أن تستحوذ على معرفة جميع السيدات فى الشارع وتتعامل معهن لمهارتها فى الحياكة ، وكانت هى تفخر بهذا . تقضى يومها منكبة على ماكينتها ساعات طوال .. تمكث دون أن تحرك بنت شفة أو ترفع رأسها من على المنضدة التى أحكمت جلستها فى مكان واحد لاتبرحه معظم الوقت ، وبجوارها أباجورة صغيرة ترسل ضوءها كله على ماكينة الحياكة إلا من منسرب لضوء شارد هادئ ينعكس على وجهها الأبيض الذى مازال يحمل مسحة من جمال فطرى المعروف عن جمال الشاميات ، لم يؤثر فيه بعض التجعيدات ولاالشعر المائل إلى اللون الرمادى الأقرب منه للسواد ، مما تجعلك كما لو تود أن تعود بها إلى الماضى لتتخيل كيف كان يحمل هذا الوجه فى سن الشباب من عنفوان الجمال والفتنة ، هذا الجمال الفطرى للسيدة نزيهة انتقل بمجمله إلى ابنتها ميرفت بجمالها الرائع الساحر . استقوت مع الوقت بعملها الذى كانت تحبه وتجيده والذى هون عليها غربتها ، وهذا كان دافعا مهما أن تعلم ابنتها مبكرا الاعتماد على نفسها ، فكانت ميرفت تساعد أمها ، وأحيانا كانت تتولى التعامل بنفسها مع زبائهن بدلا منها رغم حداثة سنها ، فتعلمت ميرفت مهارة قراءة الناس ومعرفة احتياجاتهن وفهم أذواقهن ورغباتهن بما يتناسب مع أجسادهن من موضات حديثة وهى فى هذه السن المبكرة ، فضلا عما كانت تخترعه أمها من لمسات ساحرة فى خلق موضة غير التى كانت تحتويه الكتالوجات الحديثة أنذاك ، فكانت مصدر جذب للزبائن اللاتى تزايد عددهن يوما بعد يوم ، فاستطاعت ميرفت رغم صغر سنها أن تطور نفسها بنفسها بسرعة من كثرة تعاملاتها معهن ، كانت هذه المهارة تخدمها جيدا في تقربها من الناس ، فلم يعد لديها الاحساس بالغربة ، فسرعان ماأصبحت المفضلة لدى الزبائن المنتظمين وغيرالمنتظمين . جاءت بداية تعارف أم عصام  بها عن طريق السيدة سناء الموظفة فى هيئة الاستعلامات التى كانت الجارة الأقرب لها ، حيث كانت تسكن فى الشقة المقابلة وكانت من بين زبائنها وعرفت منها بالصدفة أثناء تجاذبهما لحديث البلكونات اليومى الذى اعتادا عليه بعد عصر كل يوم عقب الانتهاء كل منهما من أعمال المنـزل ، إذ تناول الحديث ذات مرة عن مهارة مدام صفا فى الحياكة وعرضت عليها التعامل معها وخاصة أنها تجيد إرضاء أذواق النساء من جميع الأعمار . فكان أول لقاء مباشر حينما ذهب عصام مع أمه ليرى ميرفت بعين رأسه عن قرب .. لايفصله عنها سوى خطوات بسيطة ، حيث كان يراها فقط وهى تمر من أمامه فى الشارع ، وكثيرا ماكان ينظر إليها بابتسامة أراد أن يلفت بها نظرها بوجوده ، وكم من مرة تواجد فى الشارع عن قصد ليمنى نفسه ويراها على أنها من قبيل المصادفة . وعاش فى هذه الأيام حالة من الزهو فى سماع كل أغانى عبد الحليم حافظ إذ أنها كانت توقظ فيه إحساسه المرهف ، حتى انغمس فى معانيها إلى درجة العشق .. وعاشت بداخله معبرة عنه ، وراح فى أحلام اليقظة يتخيل أنه هو الذى يتغنى بها ولها .. أى بلسان حاله ، ويريد أن تصل إليها معانيها وتبلغها إياها بإحساسه ،" كانت العيون تقابله وتلمح بالكلام .. يهرب من قبل حتى مايرد لهم سلام ". وأيضا "وألاقيك مشغول وشاغلني بيك وعينيا تيجي في عينيك وكلامهم يبقى عليك وأنت تداري "وغيرهما كثير . استغرقته أغانى عبد الحليم حتى عاش فى حالة من الإرتياح ولكن مع نفسه ، واكتفى فقط برؤيتها فكان يخترع من الحجج والأسباب للنـزول إلى الشارع كى يلفت نظرها إليه وتظفر عيناه برؤيتها ولكن لاسلام ولاكلام ولايهمه أن يعرف عما إذا كانت تبادله نفس إحساسه أم لا .. كل الذى يهمه رؤيتها فقط ، لذلك كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة له أن يراها وفى حضرة من ؟! فى حضرة أمه التى ربته على الشكيمة والشِدة بألا يتكلم مع البنات البتة .

          وإلى لقاء أخر مع الجزء الثانى

   مع تحيات : محمد عصام                                                                 القاهرة فى : 13 إبريل 2026                   





الجمعة، 10 أكتوبر 2025

وللحب بقية

 

كلما حاولت إخباء حرائقك بداخلى

جئت بصبا حنين فى خاطرى

لتشعلها أوبتك

فأُشعل بك من جديد

فلا حيلة لى فى إضرامك

ولا أملك فى نفسى إخمادك

تبدو وكأنك زرعت نفسك فى نفسى

جذورا عميقة لاأعرف لها انتزاعا

و لااستطيع إقلاعك

ولكن شاء النصيب أن يكتب بعادك

كأن القدر أحب لى ابتلائك

جمع بيننا يوما ثم فرق الأجساد

وترك روحى تهيم فى عناقك

تشتهى من الشوق اشتياقك

وكلما هب النسيم

تنتشر حولى ابتهجاتك 

وكلما استدار القمر

ينتشى الكون ضوة ضيائك

لتسرى مع الليل بستره العميق

تستعيد فى ظلمة النفس تلميحاتك

ملمحا به وَجْدُك وخلجاتك

حتى أبصرت وشوش الناس ابتسماتك

واسمع صوتك حين يطول الصمت

فيملأ الفراغ حولى بوهجاتك

فإن خبا يسرى فى الروح ترنيماتك

كل شيئ يمضى كأنك هنا

وكأن حضورك يأتى فى غيابك

يمد يده الخفية ليعيد فى نفسى

كل حساباتك

وكل ماكان ومافاتك

من همسى وهمساتك

وسحر كلامى وكلامك

فلا فقد بعد ذلك  يشبه فقدانك

ولاأى بعاد يشبه نسيانك

فلو كنت نسيتك يوما

لما أبقيت نفسى

على قيد اشتياقك

لأنى مازلت على عهدى بك

أعيش لأستقى من ذكرياتك

كى أرى الدنيا بعيونك

ومن خلالك

 قلب يتنفس بعطر هواك

ويأبى ألا يفرط في أحلامك

وعاش يتذكر فرط حنانك

نبضاته دوما تستلهم التماساتك

فأنت سرى الذى لايمحى

مهما طال انتظارك

ولايقدر الزمن على زوالك

إننى أعرف أن الطريق لم يعد يجمعنا

ولكنى أعرف أيضا 

أن طريقى فى مهجاتك

فإن لج بى الشوق المستحيل

أقف على حافة التمنى

متمنيا تدنياتك

وأن يبقى قلبى باعتلاقك

مع خالص تحياتى : عصام                               أكتوبر  2025                                                                                                      

                                       


 


الأربعاء، 24 أبريل 2024

حكاية الأستاذ جميل

 

من المضايقات التى كانت تثقل حياتى وتسبب لى إحساسا بالكآبة والمتاعب الكثيرة ، الثقة المفرطة فى الناس وخاصة إذا ماوثقت فى أحد لم يكن مؤهلا لهذه الثقة ، ولكن تعزيتى فى ذلك هى أننى لا أحمل إلا وجها واحدا ، ولاأملك سوى المشاعر الطيبة فحسب ، وأصدق كل مايقال لى ، وإن كانت هذه الصفات هى صفات حميدة فى ذاتها إلا أنها لم نجد لها صدى فى عالمنا اليوم ، فليست كل المشاعر طيبة ، وليس كل مايقال نصدقه ، وإنه يتعين علينا إن كنا نريد أن نكسب ماحولنا فعلينا أن نحمل عدة وجوه ونتلون بلون كل شخصية من الشخصيات التى تصادف حياتنا ونقابلها كى نستطيع أن نتعامل مع الناس بإرياحية ، والذى يغيظ فى ذلك هو أن هذا الأسلوب هو السائد والمستحب لمعظم الناس بكل أسف ، وأن طيبة القلب أصبحت تتصف بالبلاهة والعبط ، والذى يغيظك أكثر أنك لاتستطيع أن تعرف بسهولة الشخوص الخبيثة من بين هؤلاء .. فهى أصبحت من الدهاء والمكر مايجعلك تثق فيهم ثقة عمياء ، ثم تجد بمرور الوقت والعشرة مايحيرك فى تصرفاتهم أو من فلتات السنتهم ما تحمله من أكاذيب وافتراءات تجعلك تتنبه أن هناك ثمة شيئ لاتتبينه وتقف أمامه كثيرا حائراغير مصدق وقد تجرك  هذه الشكوكك لفترات طويلة حتى تكتشف أنك كنت مخطئا فى تقديرك لهم ، وأنك كنت ساذجا فى مشاعرك إلى حد البلاهة والحماقة، وأن إحساسك مازال يغض فى ثباته العميق أو فى غيبوبة تصديقهم ، حتى يأتى اليوم لتجدنفسك فيه أنه تم التلاعب بك  بألاعيب ممنهجة. وهناك مقولة جميلة جدا أعجبتنى تقول " اختر  من تزرعهم فى قلبك بدقة  لأن اختيار البذور أسهل بكثير من اقتلاع الجذور " إننى لست حزينا ولا آسفا على اقتلاع هؤلاء من حياتى .. بالعكس .. إننى أحس براحة غريبة وأعصاب هادئة ، فبالرغم أنه ليس هناك أبغض على الإنسان من معرفة حقيقة لايرغب فى  تصدقها لتفادى مرارة صدمتها ، ولكن ليس أهون  من العيش على التعللات بالباطل والتعلق بالترهات . لأن الحقيقة إذا ظهرت على الأقل لن نجدها تحمل تمويها ولازيفا ، لتجلو صورة أى شخص خُدعنا فيه حتى نراه على حقيقته العارية محتالا ومنافقا.. وأن  هيئته ماهى إلامجرد دسيسة كبيرة لمشاعرباطلة استطاعت الأيام فى النهاية أن تكشفها رغم إجادة صاحبها فى التخفى ، لنعود ونلوم أنفسنا أننا عشنا فى رحاها  سنوات نحيا تضليله لنا ، ولكن رغم ذلك نشعر بسكينة وراحة أن الله منَّ علينا باكتشافه ، لأنه ليس فى بقية أعمارنا أوقات مؤجلة لكى نفهم  أكثر ونعى أكثر مما فهمناه  وواعيناه.                                                                                                                                  

                                                                       

وكنت قد كتبت قبل ذلك أن  فكرة الكتابة عندى تنبع من فكرة لامن شخوص ، وكتبت كثيرا عن أفكار مختلفة  كنت أرى إنها تستحق الكتابة ، ولكن عندما كنت أكتب عن شخوص  كنت قاصدا إياها وماكنت ألجأ إليها  إلا قليلا  لأسباب فى الغالب كانت ملحة وتستوجب ذلك  ، ربما كان أساسها هو ماتربيت عليه من ترسيخ مبدأ الأخلاقيات الذى تربيت عليه  كمنهج  ودستورحياة ، وهو ماشكل فى النهاية الأسلوب الذى انبنت عليه تركيبة شخصيتى ، والتى من قواعدها الأساسية أنها تحترم الصغير وتوقر الكبير ولاتقف عند صغائر الناس ، لذلك لم تكن الكتابة عن شخوص عندى  إلا لشيئين أثنين فقط : أولهما للذين لهم منى كل التقدير والاحترام الذى يليق بدورهم فى حياتى بما انعكس عليها من جوانب إيجابية ساهمت إلى حد كبيرفى اتزان  ونزاهة شخصيتى أنها حظيت بكل تقدير واحترام الأخرين ، وثانيهما : للذين كانوا مبعث شقائى وسببوا لى قدرا كبيرا  من التعاسة وماترتب عليها من خسائر نفسية ومادية . والكتابة عن هؤلاء لم تكن تشفيا فيهم فطبيعتى ترفض فكرة الإنتقام من أحد أيا كانت صورته  حتى ولو بالكتابة عنهم  . ولكن عندما تصادفك شخصية سفيهة مثل شخصية الأستاذ جميل ذات دلالات واضحة على وجود تركيبة نفسية معقدة وسيكوباتية .. مغايرة تماما لكل أنواع التعامل الإنسانى المتزن  فى الشكل والمضمون ، تجد أن الأمر حتما يستحق الدراسة ويستوجب الكتابة عنه. فكلامه لايدل على مايضمره داخله .. مخلوق ينطوى على سره الذى لايعرفه غيره ..لديه ذكاء خارق فى كيفية التخفى وراء أستار طيبة النفس .. يظهر للناس على كل مايتصف به الجود والكرم .. طبيعته أملودية ناعمة .. لينة التطويع فيعرف كيف يجارى الناس .. وكيف يستخلص المواقف منهم حتى يتمكن من الوصول إلى مبتغاه الذى يريده..إنه كان يخفى وراء شكله المريئ المستحب وجها آخر قبيحا  لايعرف سوى  الكذب  والخداع والتدليس .. يغلظ أيمانات الله أنه على حق وهى أيمانات فاجرة ، لأن الله يعلم أنه لكاذب .. أعجزه شيطانه أن يبدى ندما  أويشعر بوخز من ضميرعند تسببه فى إضرار الأخرين مثلما فعل معى على غير المتوقع وعلى غير  الذى كنت أراه من قبل . ومن عجيب الأمر أننى فكرت كثيرا قبل ذلك  فى الكتابة عنه ليس بمنظور اليوم ولكن بفكر البارحة عندما كنت أراه شخصية من الشخصيات المحورية  المحترمة التى أثرت حياتى إذ أنهاكانت تمثل لى حينذاك  إضافة كبيرة مثل الذى كتبته عن أمى وأبى ، ولكن كلما كنت أشرع فى الكتابة  تتوه منى الكلمات بل وتبدو وكأنها تنمحى من ذهنى تماما ويستوقفنى هاجس لم أتبينه  فى حينه  ولم أعرف له سببا ولا من أين جاء مصدره  ، ليأتى اليوم الذى أكتب فيه عنه عكس ماكنت أريده  قبل ذلك .. سبحانه مغير الأحوال ..وأكتشف سر هذا الهاجس ، وأعرف بعد كل هذا العمر الذى تجاوز عقوده الخمسة ، وبعد مرور زمن ليس بالقليل من  صداقتى له  أن شخصيته معقدة الدواخل يشوبها الكثير على المستويين الأخلاقى والإنسانى ، أخذتها أطماع الدنيا ونسيت أن الرزق بيد الله وحده .. يعطيه لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء.                                                             

    

لنعد لمستخلصات القصة ذاتها ، كان الاستاذ جميل بالأمس يواجه  تحديات الجوع والصعلكة واليوم وضع نفسه أمام تحديات الثراء الواهم الذى خلق منه  أسطورة لايكاد يراها إلا داخل نفسه .. سطت عليه حتى تملكته ولايكاد يصدق غيرها .. أنه اختط شكلا جديدا لحياته ليبعث فى نفسه ثقة من اختلاقه حتى يقنع نفسه أنه ليس أقل من زوجته التى كانت أفضل منه بكثير ثقافة وعلما ووظيفة مرموقة ، فهولم يستطع مسايرتها فى شيئ .. راتبه من وظيفته كمدرس لم يكمل تعليمه العالى لايتجاوز ربع ماكانت تتقاضاه ، فاتجه إلى ماارتضاه لنفسه حتى يعوض هذا العارض الفج ، فكانت هذه الشخصية المهلهلة ، وهو الأن فى السبعين من عمره ، لم يحاول أن يصحح نفسه احتراما وتقديرا لسنه ومكانته الزائفة التى كان يريد أن يصورها للناس .. لأن صورته الحقيقية تكاد تهتز بعنف حيث تكالب عليها الزمن وهو على ماهو عليه من تخبط وأذى .. إنه يحب ألا يراها، ولكنه كان يتفنن فى وضع الرتوش لها لتراها الناس على غير الحقيقة  تماما مثلما كنت أراها وكما يراها الناس . أعطيته مكافأة نهاية خدمتى بلا تفكير ودون وعى وهوكل ماأملك من مال ولم أفكر حتى فى استشارة أحد .. إنه سلبنى حق التصرف فى مالى.. والكل حذرنى حذار من جنون تصديقى له . فى الوقت التى كانت فيه ظروف البلد تبدو عليها علامات استفهام مختنقة ومهرولة .. وبعد سنوات خمس كاملة مضت .. الأموال متوقفة تماما بل كانت تفقد قيمتها كل يوم .. والدنيا تدور بقوة من تحت أقدامنا  ..كل شيئ يتبدل بسرعة مخيفة ، كيف يمكننى اللحاق بمستوى أفضل لى ولأولادى وأنا فى وضع الثبات منكبا على وجهى وكأن الدنيا غشيتنى ، فالواضح أمامى أن الإيقاع يتضاعف والجنون لازال يتفشى فى كل شيئ . لقد أختلت الأمور  ولم استطع رؤية واضحة أمامى ولا حولى وكنت أعنف نفسى  بشدة عندما كنت أعود وأتذكر ثقتى المفرطة فى تعاملاتى معه إذ أننى لم أكن على دراية بمدى سذاجتى ، ولم أتنبه لكيفية استغلاله لها فى عمليات نصب واحتيال ..أتذكر كم التحذيرات التى قيلت فى أقوال الأشخاص حولى من أهل بيتى وأصدقائى على خلفية هذا ولم أع ذلك .. ولم أدركه  فى حينه .. كأن أحاطنى سياج غريب احتوانى وفصلنى عن عالم تحيطه المخاطر من كل جانب واتجاه .. كيف عاد إلى ذهنى كل خواطر الباطن دفعة واحدة وتجسدت فى رأسى الذى أصابه الخرس ، مددت يدى عليه مسحا ، إنه لم يعد هناك أى مجال  للتفكير ، وجعلت أتأمل الهرب منه فكنت أقع فيه أكثر .. الأيام تمر وأنا لازلت أتفرس الوجوه من حولى أنظر إليهم  متسائلا بدهشة وإنكار : أين أيام زمان  و أخلاق زمان عندما كنا نتعامل بسجايانا الكل فيه يعلم مايدور فى خلد الأخر .  ياله من زمن عجيب أشعر وكأننى كنت فى غيبوبة ، ثم بعد إفاقتى وعيت وتفصحت تماما مكنون هذه التركيبة البشرية العجيبة وقدانجلت عنها صورتها المزورة  وإن شئت قل "بعد خراب مالطة". إننى أبدو وكأننى لم أكن  أعى شيئا عن هذه الهيئةالمنخدعة التى تبدو  مهندمة ، ثم وعيت وعرفت تفصيلات أظهرتها شواهد كثيرة .. وعلمت كيف كانت تحكمها عقلية تستطيع الإحتواء وتعرف كيف تستدرج مشاعر الأخرين وتجعلها فى حوزتها ، بل وتقدم لك خدماتها الجليلة على أنها بلا مقابل ، وإنما محبة فى الله و للصداقة والأخوة التى لاوجود لها من الأصل . ولم يكن فى مقدور  أحد أن يظن فيه مجرد الظن وأنت تنظر إليه وتجلس معه وتتأمل وجهه المتغضن وهو مسترسل فى أحاديثه العذبةالتى كان يرسلها بأعذب الحكم وأنت تستمع له منصتا عن حكاياته التى كان لايكل ولايمل من حكيها مرات ومرات بنفس الألفاظ وكأن حياته مختزلة فى مخطوطة نادرة لاتقبل التبديل أوالتعديل عن قصة كفاح مناضل واجه ظروف شقائه العاتية فى الحياة ومالاقاه فيها من متاعب وأهوال عانى فيها من أشد أنواع الفقر الحرمان .. وكيف تعلم منها ؟ وكيف خرج  بها من مكاسب بعد طول صبر ومعاناة ، ليحكى لنا والبراءة فى عينيه كيف كافأه الله ومنحه مالم يُمنح لغيره نتيجة هذا الصبر على هذا الجزع المفرط  وهذه اللوعة التى عانى من ويلاتها دروبا، بأن أعطاه ماجناه من آلاء ونعم حتى أصبح فى وضعيته التى هو عليها الأن  كصورة ناصعة البياض يقطر منها النور فتنسحب عليها صفاء وطهرا ، ولإجادته التمثيل الرائع تجد نفسك أنك لست فى مجال شك فيما يروى من أحاديث كثيرة ملت أسماعنا منها سواء بالصدق أو الكذب ، لأنه يعلم أنك لن تتبينه ، فالعلم عند الله ، تماما كما كان  ينسحب لأصدقائى وناسى وأحبائى المقربين بعد أن يدرس نفسيتهم ويعرف مداخل شخصيتهم ليبدأ فى التقرب منهم ليفصح عن أسلوبه فى التعرف على الناس بنفس الصورة و النهج الذى اتبعه معى فى بداية صداقته لى، فهو يملك ملكة سرعة التعرف على الناس لدرجة أننى كنت أصدقه تماما  كلما نظرت فى عيون أطياف كثيرة من البشر من الذين يعرفهم وممن يعيشون حوله وخاصة أسرته وذويه  حيث يشكل لهم الصدر الحنون ، وأنهم يرونه نبراثا لحياتهم لما يقدمه لهم  من تضحيات .. وقته وجهده ليضعها فى خدمتهم ، ولكن لم يعرفوا بعد أنه من مال الأخرين التى كان يتفنن فى الحصول عليها بدافع توظيفها لهم ، وللأسف كانت فرائسه كثيرة لتعرف مدى استخدامه لذكائه الفطرى فى تنوع الآعيبه الإحتيالية  ومدى قدرته على الوصول إلى من يرى مصلحته عنده بمنتهى الحرفية والدهاء ، وكنت أتعجب كيف لهذا الشخص سريع التعرف على الناس  وليس له أصدقاء  البتة، وعندما كنت أسأله عن ذلك لم يعطنى إجابة مقنعة حتى أشفقت عليه وقدمته لأصدقائى ليصبح صديقا لهم ، والأعجب من كل ذلك أن معظم أصدقائى قراؤه جيدا قبل أن أتنبه لحقيقته المرة . لأقف بعد ذلك كثيرا أمام نفسى حزينا .. مبهوتا لعدم درايتى بالناس بعد هذا العمر ،  ومذهولا  أمام  تصرفاته لديهم فى الأمور  التى كانت تستهويه  فكنت أراه بعين الأخر كيف كان يحشر نفسه فيها ، وبين زواياها الضيقة التى كان يعلم  بأمور ها وأحيانا كثيرة لايعلمها ولكن لديه الإصرارعلى أن يعلمها وكثيرا ماكان يلجأ لى لمعرفتها منى ، وكنت أضلله فى أحايين كثيرة  وأرقب تصرفاته فأجده يسلك حلولا أخرى ، فمازال لديه الكثير منها حتى يستطيع أن يُدخل نفسه  فيها عنوة  لمعرفة أدق تفاصيلها ليبدأ بعد ذلك فى استخدامها الاستخدام الأمثل فى الإفتئات والغش والتضليل .. كنت لاأتصور أنها فى النهاية  هى مجرد وسائل لتحقيق غاية مرسومة بمنتهى الدقة للوصول إلى مآربه . إننى لازلت أتعجب لرؤيتى العمياء له قبل ذلك وكيف كنت أمضى وراءه وكأننى معصوب العينين منشرحا لأسمه الذى كان يتردد بين الأفواه بالحب والفخار ، وكم كنت معجبا باعتزاز الناس به عندما يلجأون اليه فى كثير من أمورهم وخاصة حينما كانت تضيق بهم دنياهم ، ويسمعون منه كلاما منطقيا مقنعا تنشرح له صدورهم ، فلطالما كان يردد أقوالا ألفوها منه كانت تمثل لهم قمة الطهر والعفة و التعقل لم تشأ الظروف أن يعرفوا أن فى  باطنها العذاب حيث كانت تحمل الوجه الأخر الذى يريحهم ثم يعودون إلى أحاديث النفس أو هواجس خبرتهم  فيشعرون بتضليله لهم بعد إحساسهم  بمرور الكثير من  الوقت فيجدوها  تكذب وهمهم ، لقد ألفوا كلامه المعسول أطوارا لم يكتشفوافيها كذبه فهو كان كثير الكذب ، وأسفاه لقدكنت أنا أولهم . كان يحكى الشيئ وينسى ثم يحكى نقيضه فى موضع أخر ولحسن حظه أن أحدا لم يلتف لأحاديثه الملفقة إلابعد فوات الأوان مثلى.                                                                                                                                                                               

                                                                                                   

انتهت علاقتى به وإلى الأبد فعند مفترق الطرق تحتدم العواطف ، وتنبعث الذكريات التى كانت وكيف أصبحت ، إنها أصبحت فى أسوأ حال ، وليس أمامى الأن إلا تحد واحد كيف أحصل على حقوقى منه ، مسألة مضنية للغاية .. ماأشد اضطرابى ، يلزمنى قدرة خارقة للسيطرة على مشاعرى بعد أن فقدث الثقة فى كل شيئ  . لم أجد أمامى بعد الإفاقة سوى الإستعانة بأصدقائى  المحترمين سرعة التدخل .. ربما أضطررت إلى ذلك فيقينا انقلب الملاك عندى شيطانا .. والأستاذ جميل لم يعد جميلا بل أصبح قبيحا دميما..يالها من ضربة قاضية مفعمة بالحنق والغيظ والكراهية ،  ربما اندفعت بقوة طائشة كى استرد مالى المنهوب  ونسيان تام لكل الأحداث السابقة التى لاوقت لإحصائها، لننظر للعواقب اللاحقة وماذا سيترتب عليها من خسائر محتملة بعدمرور سنوات خمس كاملة ضاعت فيها الحقوق سدى على يديه واضطربت وتداخلت فى حقوق الأخرين. لقد كان لجهد الأصدقاء الأثر الكبير فيماقدموه لى حيث ضاعفوا فيها كل السبل لاسترداد حقوقى التائهة والمنهوبة التى أضحت بلاسند قانونى يحميها .. فالشيكات كانت كلهامزورة ومضروبة وفاسدة عن عمد والمحاكم لاتحمى المتغافلين ولاتحمى أصحاب النوايا الطيبة ولامن يحسنون الظن بالناس . لذلك كان لجوئى مضطرا لمستشار  وفقيه قانونى محنك فى إيجاد حلول غير تقليدية فى مثل هذه القضايا المعقدة غاية التعقيد ،  فإذا به يتصل عليه حتى يُسمعنى مالم كنت أصدقه .. كانت هذه المهاتفة تحمل مفاجأة كبيرة لى أفقدت كل ماكان متبقيا من أثر العلاقة التى استمرت لسنوات .. جاء صوته فى أذنى كنعيق الغراب ماأشدعلى النفس أن تتيقن مالحق بالنفوس من فساد دينى و أخلاقى واجتماعى أخذ يتمدد ليستشرى فى كل شيئ حولك ، وأن الحب تم اقتلاعه عنوة فى عملية تصفية جامحة من القلوب حتى تحجرت.حقا كان عالما غريبا لأول مرة أحس أن كل عقبة يمكن أن تحل إلاهذه العقبة .. مرت أيام ثقيلة بين شد وجذب حمّلت فيها على صديقى الصدوق الذى آل على نفسه أعباء التفاوض معه وحوارات  طويلةامتدت شهورا  انقضى معظمها لايرجى منهاطائل حيث كان ينكص فى كلامه وينقض فى عهوده ويرتد عن اتفاقاته مثل الحيات التى تتلوى لتغير جلدها فلا تستطيع أن تأمن لها جانب .. يكذب وينسى وينكر ماسبق واتفق عليه .. كنت لاأنام ،  أغمض عينى فلا تنطبق الأجفان، وفى الصحو لأجد ماأريده .. أغفو وأصحو متمنيا أن كل شيئ قد تم  .. تتصاعد من صدرى أبخرة تطمس كل الأشياء حولى لتطفئ غمرات حنين الماضى المضل  ، حتى أفاء الله لنا بالوصول إلى حل لتنقضى حكاية الأستاذ جميل .. الثعبان المتلوى الذى مالبث أن آثر الإختفاء ليلوذ إلى جحره منتظرا فريسة أخرى. وهكذا انتهى كل شيئ واكتشفت أخيرا معنى أن تمدد قدميك وتترك عينيك تتحركان بحرية فى كل اتجاه  ..وتمد يدك إلى كل ماحولك لتسرح فى أطياف من نور  واللحظة تمتد وتكبر.. وتقول وقد طبت نفسا هكذا كنت .. وهكذا أصبحت. إننى أتوق أن أبقى أبدا بلاعودة إلى الوراء.                                                                  

                                                                                                

 القاهرة فى إبريل 2024   

مع تحيات : محمد عصام