music

الثلاثاء، 30 أبريل 2019

"يوم من عمرى" ( الجزء الخامس ) فلسفة الصنعة .. السينما ومحاكاة المستحيل




من المثير للدهشة، أن فيلم «يوم من عمري» له خصوصية معرفية وتاريخية؛ حيث نُوّه عنه أول مرة عام 1959 باسم «أهواك»، إلا أن هذا الاسم تبدل مع بدء التصوير الفعلي بعد عام من إنتاجه، ليبقى لنا باسمه الذي حفظه التاريخ والوجدان. استغرق تصويره نحو ثلاثة أشهر؛ من ديسمبر 1960 وحتى نهاية فبراير من العام التالي، ليعرض رسمياً في السابع عشر من مارس 1961. وإذا كانت لقطات البلاتوه قد صُورت في استوديوهات الأهرام، وسُجلت أغانيه في استوديو مصر؛ فإن الكاميرا خرجت لتلعب دوراً باسلاً في إضفاء الواقعية، متنقلةً بين شوارع القاهرة المهولة بزحامها وبريقها المسائي ومبانيها الفاخرة. فمن مكتب الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين بدار أخبار اليوم في مبناها القديم بشارع الصحافة صُورت مشاهد رئيس التحرير، ثم جابت الكاميرا شوارع مصر الجديدة، وميدان رمسيس بنافورته الشهيرة، وصولاً إلى طريق المطار ومدرج ألماظة، وشارع الهرم وفندق مينا هاوس، وميدان الأوبرا ووسط البلد، ومتنزه القناطر الخيرية؛ وهي أماكن حفرت لها في نفوس العاشقين مكانة أزلية. ولم يكن هذا الانتقال إلى الشارع إلا محاولة لجعل الفن المفترض أقرب إلى الواقع؛ حيث تضافرت العناصر لتخلق واقعاً افتراضياً كى يتمنى الناس أن يعيشوا تفاصيله الرومانسية، ليجابهوا به واقعهم النفسي؛ فالسينما في أصلها تصور للناس ما في الناس!ومع ذلك، تظل اللعبة السينمائية فخاً لذيذاً؛ فالأجواء التي تشحننا بالحماس تظل تستدرجنا حتى نصل إلى اندماج كامل، لنكتشف بعد تتر النهاية أنها كانت مجرد متعة مؤقتة لإنعاش ذاكرة مهيأة للشغف. وبدلاً من أن تدوم الغبطة، يرتطم المتفرج بضيق مفاجئ؛ لأن الفيلم أوهمه بنمط حياة يوازي حجم الحماسة التي استجمعها بفرط الحنين. فالشوارع في الحقيقة ليست كما ظهرت على الشاشة، ونفوس البشر ليست بتلك المثالية، بل هي لحظات مقتطعة تسلط الضوء على كل ما هو جميل. إن الحياة بطبيعتها لا تحتمل أن تكون كلها مثيرة، لتبق للسينما وحدها تحقيق هذه المعادلة الصعبة؛ عبر صنعة مدروسة ومحبوكة، تبدأ من حوارات وانفعالات صاغها كاتب ورسمها مخرج، ومرت بغرف المونتاج وتحميض الأشرطة وموسيقى تصويرية تفند أسرار القصة وتحرك شجن الروح. هذه الصنعة الدقيقة تسلب المرء إرادته بالإغراق التام، فإذا ما وافقت هواه أثارت حواسه فأراحتها، لكن الصدمة تترصد له عند العودة إلى واقع عفوي بلا نظام ولا ترتيب؛ حيث لا طاقة له بمواجهة الأيام، فيستبد به شعور بالخديعة وكأنه تجرع مسكناً سرعان ما يذوب في الحلق وينتهي مفعوله. والحقيقة أن هذا الاستدراج لم يتم إلا بمزاج المتفرج وعلى هواه؛ لأن الفيلم فضح رغباته المخبوءة وانتقم لآلامه. ودائماً ما نتحسر في حياتنا على لحظات السعادة القليلة؛ لأنها سرعان ما تمضي وتترك فينا غصة الفقد، فلا شيء يبقى على حاله. ولكن يظل للعمل الفني الأصيل رونقه، وتبقى متعة ما بعدها .. متعة أن تحاكي ما تتمناه نفسك ولو كان مستحيلاً؛ فالسينما وسيلة إمتاع وإيقاظ للمشاعر، تنقل أحلامك وآمالك من عتمة الأعماق إلى وهج الشاشة. من هنا، يتضح أن المتفرج هو جزء أصيل من هذه الصنعة؛ فلولا وجوده ما كان للممثل نجومية ولا شهرة. إن السينما لا تفرق بين صانع ومتلقٍ، بل تعلي من قدر المتفرج لأنها صُنعت له ومن أجله؛ كي تطرد من حياته الملل. وقد فعلها حليم في الفيلم حين تغنى بالضحك واللعب والجد والحب، تأكيداً على توجيهه بنواميس العاطفة نحو منافذ السعادة، داعياً إياه لفتح النوافذ ليدخل هواءٌ جديدٌ ودمٌ جديدٌ. وحينها، تتفتح النفس كتفتح الأزهار على الغصون، وتنتشر مساحات الخضرة والراحة والاسترخاء في بساط فكره؛ فاللون الأخضر هو زهو الرومانسية وباب الأمل، وتلك هي قمة انشراح النفس بالإبداع. إن الفن الجيد يظل معلقاً بروح الناس مهما بعد الزمان أو المكان، فاتحاً ذراعيه لقلوبهم؛ لأنه وسيلة ممتعة لغاية مفيدة. وليبقَ «يوم من عمري» على مدار التاريخ الفني والإنساني علامة بارزة.. ولمَ لا؟ فقد عاد عبد الحليم ليؤكد هذا بنفسه مرة أخرى حين تغنى به: «اليوم الّلي اتهنيت فيه، والّلي بكيت منه وعليه، وأفضل وحدي لآخر عمري مستنيه » .


إن هذا التدفق العاطفي لم يكن مجرد أصداء غنائية عابرة، بل تجسد واقعاً حياً عبر الأداء العفوي الدافئ للثنائي عبد الحليم حافظ وزبيدة ثروت؛ حيث تحول الحب على أيديهما إلى ملاذ آمن للمتفرج، بعدما تبدلت الملامح الهادئة ولغة العيون إلى طاقة صامتة تبدد جفاف الواقع وقسوته. وقد تشابكت رؤية المخرج عاطف سالم مع عين مدير التصوير عبد الحليم نصر لصياغة كادرات سينمائية كلوحة بصرية تنبض بالحياة، مستلهمين هذا التباين البصري كي يحيل المساحات الرمادية في الحياة إلى وهج من نور يعطي دفقات من الأمل. هذا التمازج المكتمل العناصر من صدق الأداء، وبلاغة الصورة، وعمق الرؤية، هو الخلطة السحرية التي أحالت الرؤية إلى حقيقة، وجعلت المعادلة الصعبة للسينما تتحقق في أبهى صورها كى تخلد في وجداننا .                                                                                                                       

مع خالص تحياتى : عصام


القاهرة فى 29 إبريل 2019


الاثنين، 22 أبريل 2019

" يوم من عمرى " ( الجزء الرابع ) سحر الشاشة وصدمة الواقع

  

خريف الوجدان.. وربيع العندليب

إنها رحلة البحث عن "يوم من عمري" في شوارع الواقع  

لأنني دائماً أضع قلبي فوق عقلي، فيغدو غير قادرٍ على الرؤية والرأي، ولأن طبيعة الحياة نفسها تغيرت وإيقاعاتها تبدلت؛ كان من الطبيعي أن يستشعر قلبي الغربة. لقد ارتبط بأشياء غابت عن عيني واختفت من واقعي، لكنها انتقلت إلى أعماقي، وبين الحين والحين أستوحيها وأنقلها إلى قلمي لأذرفها كالدمع على أوراقي، أو على وقع نفسي.أجدني أغمض عيني عن واقعٍ غابت عنه بعض المؤثرات المسببة للدلالات؛ ويتجلى هذا الاغتراب النفسي بشدة في ذلك الارتباط بوجداننا، ومنه غياب عبد الحليم حافظ، والتغير الحتمي في عموم الجو الفني نفسه في مصر بطبيعة تغير الزمن وتبدله. فكان من الطبيعي جداً أن أحلم بالقديم حتى أملأ الفراغ الفكري بالانشغال الخيالي؛ فأنا لا أحب هذا الواقع ولكني أحب واقعاً خيالياً أو واقعاً نفسياً.. واقعي أنا! والناس يصدقون الشعراء برغم أن أشعارهم ما هي إلا ترجمة لهروبهم من واقعهم، حيث تحلق خيالاتهم في رحاب الصورة الجميلة التي يحبونها أو يحبون أن يروا أنفسهم عليها ويستغرقون فيها. وإن كان هذا انشغالاً بالذات، إلا أن الواقع يستحق أيضاً أن نهرب منه.من هنا تأتي أهمية الذكريات وحب الارتداد للماضي والوقوف عند دلالاته طويلاً، وخاصة عند مأثورات الحياة الفنية التي كانت لها الريادة والإبداع. إنها لا زالت متوافقة مع هوى النفس، وإن كانت إحدى مؤثراته قد غابت إلا أن دلالته لا زالت موجودة بوجود العمل نفسه؛ الذي أصبح تراثاً فكرياً يستوحيها الخيال ويشكل منها معادلاً موضوعياً بعالم جديد.وهنا تبرز مهمة صناعة السينما عن غيرها من الفنون، بحكم أنها تصور الواقع بصورة مؤقتة تثبت بعض الوقت ثم تتلاشى في واقع مفترض جديد، فيه إيجابية وفيه انشراح؛ وخاصة في الأفلام الرومانسية ذات الحبكة المدروسة وموسيقاها التصويرية التي تُسعد المتفرج وتستعيد له الجمال الذي يحتويه بداخله وليس له مردود في واقعه الحقيقي، فتقتل عنده إحساسه بالملل ولو إلى حين.وهذا كان شأن صناعة السينما في مطلع الستينات التي حققت طفرة من خلال أفلام كثيرة أُنتجت في هذه الحقبة عبرت بشكل واضح عن هذا الاتجاه، وتعتبر أحداث فيلم «يوم من عمري» في مقدمة هذه الأفلام التي واكبت هذا الاتجاه الجديد وجعلت له الريادة الفنية، فمثَّل بحق ربيع عصر السينما الذهبي؛ لأنه يصور قصة من واقع الحياة ولكن برؤية مختلفة ومعالجة مثيرة. لدرجة أنني كنت أشعر في كل مرة أشاهده فيها، بأنه يبدو وكأنه يقدم الجديد الذي يعالج الفراغ النفسي الذي يملأ حياة الناس من واقع الملل الذي يمتص أجمل ما في حياتهم. ومهمة الفنان أن يشرح أو يقدم للناس ما يعينهم على رتابة الأيام وعلى أنفسهم بعد أن يسلط الأضواء على الذي يتغلب على متاعبهم، أي يصور للناس نموذجاً صارخاً لما يجب أن تكون عليه حياتهم كبديل موضوعي لتحقيق أمانيهم وتطلعاتهم؛ فهناك فرق بين الصورة التي عليها الناس، والصورة التي يتمنى الناس أن يروا بها أنفسهم.لقد صهرت قصة الفيلم التراجيديا والكوميديا في بوتقة رومانسية عذبة ومشوقة، شحنت إيقاع المشاهدة بالتدفق والإثارة في مواقف شتى، وعززت موسيقى «علي إسماعيل» التعبيرية هذا السحر حيث واكبت التحولات الدرامية والعاطفية بدقة مذهلة، لتظل روعة العمل متصدرةً المشهد السينمائي حتى يومنا هذا. ولعل السر في هذا الخلود يكمن في بقاء هذا الأثر كـ «دلالة» حيّة؛ فبرغم أن «المؤثر» قد غاب، ورحل أبطاله عن دنيانا وطالت غيبتهم، وبرغم أن الأماكن التي شهدت تصوير مشاهده الخارجية قد طالتها يد التغيير وتبدلت ملامحها، إلا أن روح الدلالة ظلت شاخصة في تفاصيل الفيلم. وفي كل مرة تقع العين عليه، يستوحيها الخاطر من خلال خيال ارتبط أزلياً بالربيع؛ ذلك الفصل الذي غدا توأماً لـ «عبد الحليم حافظ» وليلة شم النسيم التي تربع على عرشها بلا منازع.من هنا، أصبح «يوم من عمري» مستحوذاً على فكري كلما أوشك الربيع على المجيء، وتستدعيه الذاكرة كلما حلتِ الأيام المبشرة بقدومه؛ ذلك الشعور الذي يملأ الوجدان إقبالاً على الحياة والحب، فإذا ما عاد الربيع.. عادت معه الحياة. وهناك، يقفز مباشرة إلى خاطري العندليب، مستشعراً غيابه ومقدراً للفراغ الكبير الذي تركه وراءه، والذي لم ولن يملأه أحد غيره؛ فبموته توقف الإبداع، وانطوت حفلات ليلة شم النسيم، ولم تعد لأعياد الربيع تلك البهجة التي كنت أفيض بها، ولا عدت أحس لقلائد قدومه أي معنى، فيتملكني الإحباط والملل.ولم أجد أمامي من سبيل سوى الارتداد بكل الحنين إلى الماضي؛ لغياب المؤثرات الحية بعد أن انقضى زمنها ولم تبقَ منها سوى ذكريات هذا الفيلم التي تتجلى كـ «دلالة» باقية، غدت هي كل ما أملك اليوم عياناً ويقيناً. فمع كل حضورٍ ربيعيٍّ كمؤثر كوني يتجدد كل عام ليملأ الوجود ببهائه طبقاً لنواميس الطبيعة، تتهيج في داخلي المشاعر وتعود بالذهن قسراً إلى الوراء.. إلى تلك الذكريات الساكنة؛ ليعود معها صراعي الأزلي لطرد الملل من حياتي. إنني ما زلت وثيق الارتداد بالربيع، وما زلت مسكوناً بوجدان هذا الفيلم؛ فلا يقتصر طربي بمشاهدته على فصل الإزهار فحسب، بل أستسلم له أينما صادفت رؤيته، حتى صارت مواقفه وحواراته تستغرقني بشغف متجدد في كل مرة أراه فيها وكأنها المرة الأولى، فيغالبني البكاء مع شارة نهايته، وكأنني أريد أن أعيد مشاهدته مرات متتالية.ومِن تلك القمة الرومانسية والشاعرية في فيلم «يوم من عمري» مع مطلع الستينات، هبطنا إلى مستنقع أفلام المقاولات، والإثارة، واللحم الرخيص، والعنف في بدايات السبعينات. تبدل الحال حيث فرضت هذه النوعية من الأفلام نفسها وسيطرت سيطرة كاملة على صناعة السينما آنذاك فأحدثت تغييراً جذرياً وهبطت بمحتوانا الفكري والفني إلى مستوى متدنٍ للغاية، ولا تزال إلى يومنا هذا تعاني انحداراً وتدهوراً كبيراً إذ أصبحت هذه الأفلام هي الموجة المسيطرة على قلوب الناس وعقولهم، وبالتالي ظهرت أجيال لا تعرف جماليات الفن الراقي بما تحمله من رومانسية تغلب فيها المشاعر الرقيقة والأحاسيس الراقية، وانحسرت الأفلام الرومانسية تماماً.الحقيقة أن التحول الذي حدث في منتصف السبعينيات كان نتيجة لعدة عوامل كثيرة غيرت وجه الفن، منها تغير طبيعة الجمهور، وتبدل التركيبة الاجتماعية الاقتصادية، ومعها تغيرت الاهتمامات وظهرت أجيال تبحث عن الإثارة السريعة والأكشن كبديل للمشاعر الهادئة. إن الإنتاج التجاري (أفلام المقاولات) حوّل الفن لدى البعض من رسالة جمالية وإنسانية إلى تجارة بحتة تبحث عن الربح السريع بأقل التكاليف، والاعتماد على إيقاع العصر المتسارع الذي تميز بالعنف والإثارة، حتى أضحى واقعنا أكثر قسوة وصخباً، فانعكس ذلك على شاشات السينما التي بدأت تعرض واقعاً مشوهاً بدلاً من أن تقدم لنا "المدينة الفاضلة" كرومانسية خالصة كان الناس يهربون إليها.إنني أتذكر جيداً كم كان للأفلام الرومانسية مكانة كبيرة في نفوس الناس، حيث كانوا يقبلون على دور العرض ويتزاحمون عليها ليحجزوا مكاناً لهم كي ينتزعوا تذكرة عبور إلى قاعتها، فإذا ما حجزوا استراحوا وإذا ما استراحوا انتظروا؛ إنهم ينتظرون اللحظات التي ستريحهم وتجعلهم ينعمون بلحظات رومانسية حالمة تأخذهم للبعيد الذي سيخرجهم خارج نطاق همومهم الدنيوية والنفسية. إنهم يشترون لحظات من الحب بالمال.. ويشترون لحظات السعادة بالوقوف أمام شباك التذاكر، فالناس لم تكن لتشتري مجرد تذكرة، بل كانت تشتري لحظات من السلام النفسي.إنني كنت وما زلت واحداً من هؤلاء الذين يبحثون عن هذه السعادة.. إنني أريد أن أرتاح هنيهة، كنت أعود إلى الوراء.. إلى زمن كان يفيض بالود والنوستالجيا.. إلى زمن كان فيه الفن مرآة للروح والمشاعر الصادقة.. كنت أرى في تذكرة السينما "بطاقة عبور" مؤقتة كي أخرج من ضغوط الحياة اليومية إلى عالم موازٍ.. عالم مليء بالجمال والشاعرية. كنت أفعل ذلك كله التماساً للراحة، وكم كنت أجدها وأنا أستغرق في هذا العمل الذي استوطن هوى نفسي وتأثرت به حتى بكيت، شاهدتُ بَطَله وتعاطفت معه، وخطفتني شخصيته بدرجة جعلتني أشعر كأنني تقمصت روحه لدرجة التلاحم والتوحد.لكن الصدمة كانت تترصدني عند عتبة الخروج من دار العرض؛ حيث يصفعني جوٌ آخر خارج قاعة السينما، جوٌ يورثني الحزن، وضيق الصدر، وخيبة الأمل، لأنني سأعود لتوّي إلى حياتي العادية أبحث عن الشيء المثير الذي عشت فيه منذ لحظات واستغرقني في زمن الفيلم؛ ذلك السحر الذي أنقذني، وخطفني من نفسي، وانتشلني من رتابة الأيام ومن بلادة النفس التي طال مداها كقسوة شتاء طويل وكآبة لياليه، فإذا بالفيلم يحطم الفراغ الذي احتواني.لذلك كنت أرى أن « يوم من عمري» لم يكن مجرد فيلم، بل كان حالة شعورية تُغذي هذه العاطفة وترتقي بالذوق العام. ورغم انحسار هذه الموجة، إلا أن حنيننا لهذه الأعمال يثبت أن الفن الراقي لا يموت، وظل حياً في ذاكرة من عاصروه وفي قلوب كل من يبحث عن الجمال الحقيقي. وأتوق لبعثه في نفسي طوال العمر لأشعر بأنني أفضل حالاً، وأرتدي عباءة الارتياح والرضا، ولكم تمنيت لو أن هذا الزخم الرومانسي المثير الذي عايشته في شوارع الفيلم، يختطفني ويلقي بي في شوارع الحياة.. ولو بالقوة .


وإلى الملتقى فى الجزء الخامس

مع خالص تحياتى : عصام


القاهرة فى 22 إبريل 2019

                                                                                                                                                                                                                                                                    


الاثنين، 15 أبريل 2019

" يوم من عمرى" (الجزء الثالث): بطل الظل وعبقرية الأوركسترا





تُعدّ الموسيقى التصويرية لفيلم «يوم من عمري» قمةً في المتعة، والإثارة، والمهارة؛ إذ جعلت الخلفية اللحنية تفشي لنا بأسرارها، وتكشف عن مكنونات هذا العمل الفني الرائع. فهي التي تُكمل الصورة الرومانسية الحالمة، بتحويل المشاعر المكتظة في الفيلم إلى ما يشبه السحر المتناغم الذي يعزف على أوتار القلوب ويستحوذ عليها قبل أن تستوعبها العقول.مع الموسيقار الكبير «علي إسماعيل»، وصلت الموسيقى التصويرية إلى مرحلة من النضوج الفني والرسوخ العبقري؛ فقد استطاع في هذا الفيلم أن يتفوق على نفسه مثل «حليم» تماماً، ليكون هو البطل الخفي، أو "بطل الظل" الذي لا تراه العين ولكن يحس الوجدان بوجوده سارحاً في تفاصيل الحكاية.لقد قدم لنا تراكيب وجمل موسيقية رافقتنا على مدار العرض، وتنوعت بتنوع المشاهد والحوارات؛ فاستشعرنا حركاته، ومشاغباته، ومداعباته لكل الأحاسيس الكامنة، مستخدماً الأوركسترا في ألاعيب آلاته، ومتمكناً من التوزيع والتنويع حتى أصبحت لموسيقاه هويتها الخاصة من واقع مفرداتها وقوالبها. فقد زاوج بين الكلارينيت، والساكسفون، والفلوت، مع الترامبيت، والكمنجات، والتشيلو، في جمل لحنية حفظناها عن ظهر قلب؛ فبمجرد أن ترتقي إلى أسماعنا وتستقبلها آذاننا، نعرف على الفور أنه علي إسماعيل وليس أحداً آخر.وبمنتهى البساطة، يمكننا التعرف على شخصيته الفنية من خلال التوزيع الأوركسترالي، وتآلفات الآلات الكثيرة المستخدمة، ولاسيما الآلات النحاسية وآلات النفخ الخشبية بجانب الآلات الإيقاعية والوترية، والتي كانت تجتمع لتصنع تناغماً هارمونياً عالياً. لقد صال علي إسماعيل في هذا الفيلم وجال بمنتهى الحرية في المساحات الواسعة للمشاهد وبين نقلات المواقف، فأبدع بتوظيفه لهذه الآلات بأريحية تامة، وأفصح عن هويته الحقيقية متأثراً بالفترة الذهبية التي عمل فيها مع «فرقة رضا»؛ فخلق خلفية للتوزيع نابعة من تمكنه من دراسة هذه الآلات واستغلال إمكاناتها الراقصة، عرافاً كيف يتحكم في الصوت هبوطاً وصعوداً.وربما تجلى هذا في مواقف عدة؛ منها – على سبيل المثال – مشهد "الهروب" بما فيه من توتر، وحذر، وخوف، وترقب؛ إذ نجد أنه استخدم الآلات ذاتها التي أعطتنا إحساساً بالسعادة والفرح، ولكن توظيفه لـ «الكروماتيك الصاعد» في هذا الموقف شحن الأجواء بالتوتر الحاد، فنقل إلينا ذات الإحساس بالاضطراب والترقب الذي انتاب البطلة جراء موقف الأب الصادم الذي سبق عملية الهروب، وهو يقدم لها خطيباً لا تعرف عنه شيئاً.  

 تمصير النغم ومحاكاة الدراما

ولم تنجُ ألحان الأغاني من إبداعات علي إسماعيل؛ حيث صهر فِكر ملحنيها بوضعها في بوتقته التوزيعية، وجعلها نسيجاً واحداً يمثل أرضية للموسيقى التصويرية، فضلاً عن أنه كان يستعير منها بعض المقاطع والتيمات الموسيقية ليفرد لها مساحات خاصة في منتجه اللحني، ولكن بتوزيع آخر يتناسب مع الخلفية الدرامية للمواقف.ويظهر ذلك بوضوح في أغنية « ضحك ولعب وجد وحب »، التي تعتبر من أقوى أغنيات الفيلم نظراً لثرائها الموسيقي الشديد؛ إذ استخدم فيها أوركسترا كاملاً أضاف إليه الآلات النحاسية إلى جانب الآلات الكلاسيكية، مستعيناً بـ « المزمار الشرقي » بعبقرية غير مسبوقة. وفضلاً عن كون الأغنية بحد ذاتها محركاً خارج السياق الجامد للدراما بموسيقاها المعبرة عن الحركة، فقد منحه ذلك القدرة على تنويع توزيعها في أكثر من موضع داخل الفيلم.وربما يرجع هذا التفرد غير المسبوق إلى أن الأغاني في الفيلم كانت محدودة ونابعة من صلب الموقف ولم تشغل حيزاً كبيراً من المساحة الزمنية؛ فكان هناك متسعٌ للموسيقار بأن يخرج بكل ما في جعبته. وقد نجح إلى حد كبير في تحويل اتجاه الموسيقى التصويرية في ذلك الوقت من "الموسيقى المقتبسة" عن الأفلام الأجنبية والمقطوعات العالمية، إلى موسيقى مصرية خالصة تجابه هذا المقتبس وتتفوق عليه.لقد استطاع أن ينوع فيها ما بين الشرقي والكلاسيك، وموسيقى الدراما، والـ «فانتازيا» السريعة، ثم وظفها بشكل ذكي أخرج لنا خلفية إبداعية لا أروع ولا أجمل. فقد اعتمد كثيراً على النغمات السريعة، والقصيرة، والمتلاحقة، ونغمات «النصف تون» التي تريح الأذن، مطوعاً استخدام الآلات وفقاً لطبيعة الموقف؛ فجعل الكمنجات والتشيلو أرضية دافئة للكلام والحوارات، تملأ الخلفية دون لفت الانتباه إليها وكأنها غير موجودة، لكنها في الوقت ذاته مؤثرة غاية التأثير.بينما جعل «الصولو» هو الأساس؛ فكان الكلارينيت والفلوت ويليهما «الهارب» في مواقف الدراما والحب، ولاسيما آلة الهارب التي عبر بها بعمق في المشاهد الرومانسية التي تجمع البطل بالبطلة. كما نراه يلاعب الكلارينيت بتوازن دقيق مع الفلوت بشكل راقص وسريع بمنتهى البراعة في مواقف السعادة، والجرى، والفرح. أما في المواقف الكوميدية الضاحكة، فكان يميل إلى صياغة «الكروماتيك الهابط»؛ لما يضفيه على هذه اللحظات من بهجة وسرور. وفي النقلات بين فواصل المشاهد ومع بداية كل كادر جديد، كان يستخدم الكمنجات بـ «كروماتيك صاعد سريع»؛ ليسلّمك للمشهد التالي بنعومة وسلاسة، معطياً الإحساس بأن شيئاً جديداً ومثيراً على وشك الحدوث. تلك كانت قمة المتعة والإثارة الموسيقية؛ ولأجل هذا كله، فاق علي إسماعيل أقرانه من صناع الموسيقى التصويرية في العالم العربي، وغدا مدرسة مستقلة بذاتها أحدثت طفرة غير مسبوقة، تميزت بمعزوفات خالدة يعرف قيمتها كل من يحكمه الذوق الراقي في السمع، والأذن الواعية الحساسة في التلقي .


وإلى الملتقى فى الجزء الرابع

مع خالص تحياتى : عصام


القاهرة فى 15 إبريل 2019



السبت، 6 أبريل 2019

"يوم من عمرى " (الجزء الثاني): إيقاع الفصول وشجن العندليب


(الجزء الثاني): إيقاع الفصول وشجن العندليب

من منظور نفسي بحت ، أرى أنه مع انكسار حدة الشتاء وظلمته، وتلويح الربيع بقدومه ، تنتعش أرواحنا. أنا ممن تتراقص أمزجتهم على إيقاع الفصول .. أنتظر الربيع بشغف منذ أواخر الصيف ، وهو ما تدعمه دراسات السلوك البشري التي تفسر تفاعلنا مع الطبيعة ؛ حيث يؤدي قصر النهار وتراجع أشعة الشمس بالنسبة لى إلى الاكتئاب الموسمي ، وما يعقبه من خمول وميل للعزلة. إن نفسيتنا هي التي تدير دفتنا الداخلية وتتحكم في مشاعرنا ، وطبيعتي تواقة وحساسة للغاية؛ فكلما اقترب الدفء وحلّ الصيف، تبددت الغيوم، وانجلى صدري بالبهجة والسرور في أجواء مفعمة بالرومانسية، إذن الحالة النفسیة هي التى تدير حركة الإنسان الداخلية، فهى مؤلفة من إشعاعات داخلیة إما متنافرة وإما متجاذبة من شأنھا التأثیر على الحالة المزاجية والنفسیة. لذلك يظل الربيع في وجداني أبهى فصول العام، ويُذكيه ذاك الشغف الذي يسكنني كارتباط وثيق منذ بواكير الصبا بروافد الفن العندليبي .. نعم الفن العندليبى كما يحلو لى أن أسميه . لقد تماهى صوت العندليب بربيع أيامي ، وخاصة بليالي شم النسيم الساحرة والتى انسحبت معها أجواء فيلم يوم من عمرى وعند أغنية بأمر الحب تحديدا تتوقف الكلمات عاجزة عن تقدير محاكاة المشهد العاطفى التى أبداه كل من البطل والبطلة ليظهر الكادر وكأنه مشهد حقيقي وليست تمثيلا داخل إطار أحداث فيلم ؛ إذ أن هذا التناغم رسم في الذاكرة نوعا من الشجن ممزوجا من ذكريات فنية راقية تواءمت مع روح الطقس الربيعي ليشكل فى النهاية بداخلى لوحة متكاملة مملوءة بالزهو والمرح النفسى . هذا المزج الفريد أعطى إيحاءات كانت كفيلة بأن تملك سلطاناً على الروح ، فيُهذب خلجاتها، ويفتح نوافذها على بهجة التشوق والإشراق ، ومن المؤكد أيضا أن مردودها سيكون مؤثرا وباعثا قويا لدور الفن الراقى فى حياتنا ، ذلك الانبعاث الذى لم ولن يخبو ولايُطفئه الزمن فى نفوس المحبين للأصالة مهما تعاقبت عليه الأيام والسنون ، ليبق كامنا ومرتبطا به وبنا ارتباطا وثيقا ومحفزا لمناط عواطفنا الشخصية تجاه فن عبد الحليم حافظ الذى احترم عقولنا واستولى على قلوبنا منذ نعومة أظفاره فى الفن ، فأصبح فنه الراقى ربيعا دائما فى نفوس الأجيال التى ارتبطت به وماتلاها من أجيال لازالت تعشق تراب فنه كعشقها لتراب هذا الوطن الغالى الذى أنجبه . هذه الموالفة هى التي شدتنى إلى الكتابة عن فيلم يوم من عمرى تحديدا دون غيره من الأفلام الخمسة عشر الأخرى التي قام عبد الحليم ببطولتها ، إذ إن ظروف هذا الفيلم، وما صاحب توقيت تصويره وعرضه، وما انطوت عليه مشاهدُه الخارجية، تطابقت مع مؤثراته وارتبطت بتلك الفترة ذات التأثير النفسي المبهج. فأصبح فيلم (يوم من عمري) من الذكريات التي توثقت في ذاكرتي بارتباطات نفسية انبثقت من هذه المؤثرات؛ فلا انفصام بين كل ما يدخل في صياغة دلالات هذا التطابق، ليصبح الوعي قادراً على إيصال الرسالة التي أردتُ الكتابة عنها.والتي استطاع عبد الحليم حافظ - بما يملكه من صفات كاريزمية وهبة إلهية منحها الله له - أن يوصلها لنا بمنتهى الحرفية؛ حيث لعبت جاذبيته دوراً كبيراً في توظيف التفاصيل التي حققت شروط المواءمات النفسية الدقيقة للشخصية الرومانسية الحالمة التي تقمصها إلى أقصى درجة ممكنة، ليصبح المشاهد هو الرهان الذي يغامر من أجله في توظيف هذه الرموز الحاملة للدلالات. لقد تماهى (حليم) مع شخصيته، مما جعل المتلقي يقع في أسر حالته الوجدانية، مُمكّناً قوة تأثيره النفسي والعاطفي من انتزاع الآهات من جوانح جمهوره العريض ، وسلب مشاعرهم لصالحه تماماً وأمام هذا السحر، كان من الطبيعي أن يتقبل الجمهور منه أي توجّه، فما بالنا وهو يُعلي من القيم الإنسانية التي كان يلجأ إليها في جلّ أعماله؟ حيث عمل على تحويل القيم النفسية والعاطفية إلى قيم اجتماعية وثقافية عبر استكشاف عقلاني للأشياء، يعيد به اتزان نفسية مشاهديه. لذلك، كان سهلاً عليه إقناعهم؛ لأن أعماله صَادفت هواهم واتفقت مع منطق عقولهم، مستندةً إلى التيمة الشهيرة المتمثلة في الصراع بين الثراء والفقر، وانحيازه الدائم والمطلق للطبقات الدنيا، فضلاً عن إيثاره للتضحية، وتثمينه لقيمة الحب القائم على إنكار الذات، ليكون العطاء عنده أسمى من الأخذ، مبيّنا لنا أن التضحية بالسعادة الشخصية هي القيمة الأسمى للحب . وفى فيلم يوم من عمرى عشنا معه حدوتة جميلة وشاهدنا كيف تحولت أحلامه فى مصادفة الحب إلى حقيقة ، حيث جاءت منطقية وفى سلاسة وبلا افتعال ، وأنه ولأول مرة يذوق طعم السعادة بعد أن عرف الحب طريقه إلى قلبه ، فقد جاءه بعد أن طاقت له نفسه كثيرا ، جاءه كحلم جميل طالما راوده فى اليقظة والمنام وأصبحت الدنيا لاتسع أمانيه وأحلامه ، فإذا بالحلم الذى تحقق له بعد طول حرمان يتبخر من أمامه حين أدرك أن القدر شاء له ألا ينعم به سوى وقت وجيز لايتجاوز يومين وليلة ، وهو تقريبا زمن استغراق الفيلم ، حتى تضعه الأحداث الساخنة التي توالت بسرعة الوقت أمام اختيار صعب كؤود عليه أن يختار فيه مابين مشاعره التي جثمت عليه واستحوذته وبين مافرضه عليه نداء ضميره الذى كان يتحلى به ، والنابع من حسن خلق يملك مقدراته ، ففضل أن يضحى بحبه بعد صراع نفسى مرير ، إذ أنه آثر ألا يتصادم هذا الحب مع قيم اجتماعية مستقرة ، فهى الأسمى والأغلى من قيمة حبه لفتاته ، وهو ماعرفناه وألفناه من أواصرنا المصرية الأصيلة من ترابط مجتمعى وأسرى يرفض فكرة هروب الإبنة من أبيها والزواج من أخر دون علم الأهل . وفى الموضع نفسه يؤكد أيضا علي مبدأ الأخلاقيات من خلال الصراع النفسى بين مقتضى المهنة والمباديء وأيهما يضحي حال تصادمهما ، هل عليه أن يبيع ضميره وأخلاقه وانسانيته من أجل خبر يرفع من أسهمه ورصيده كصحفى أم يتمسك بمبادئه وأخلاقياته ولا يهم السبق الصحفى أيا كانت قيمته وأيا كانت خسارته الآتية لامحالة ؟ ففضل أن يخسر وظيفته على أن يفقد قيمته كإنسان وأبى ألا يكون مخادعا لحبيبته التي وثقت به ، رافضا أن يستغل هذه الثقة وخاصة بعد أن حكت له قصتها ولماذا هربت من أبيها . استطاع حليم أن يحقق للناس كل هذه الدلالات من خلال تقديره لحب جمهوره له حتى صادفت هواهم بمنتهى الصدق والحرفية وأمانة التوصيل لمشاعرهم ، وخاصة أن لحليم رصيدا ضخما من المحبة في قلوب الناس ، وهذا بالطبع أعطاه قدرا كبيرا من المسئولية انعكس على أدائه المميز ودقته المحسوبة وإحساسه الصادق ، فقد عرف عنه حبه الشديد وإخلاصه لأى عمل يقوم به بالتركيز والتمكين حتى يعيش أجواء الشخصية التي يؤديها فيندمج معها لدرجة التوحد رغم أنه لم يدرس فن الأداء التمثيلي . وربما هذا جعل المُشاهد يشعر وكأن حليم لايمثل دورا فحسب ولايقوم بأداء تمثيلى مطلقا ، بل أنه يصور واقعه الحقيقى كأنه يريد أن يعرى حياته أمامنا وأن هذه هى شخصيته من واقع حياته من شدة تعمقه وإغراقه في تقمص شخصية البطل التي يقوم بأدائها ، وهذا شأن عبد الحليم دائما في كل أعماله ، حيث كان في كل فيلم يقوم بتمثيله يقدم أفضل ماعنده عن سابقه ، ولكنه في هذا الفيلم تحديدا تفوق على نفسه في كل شيئ من شدة اندماجه بالدور الذي مثّله ، والصدق الذى بدا عليه في كل اللقطات والمشاهد العديدة التي جمعته ببطلة الفيلم ساحرة العينين، جميلة الوجه فظهر وكأنه يحبها حبا حقيقيا ، ومما ساعد ذلك أن البطلة نفسها بدت وكأنها تُلبي نداء هذا المحب من خلال تجاوبها التى فضحته نظرات عينيها الجميلتين ولكنها فى ذات الوقت استطاعت أن تُحكمه فى صمت دون الإفصاح عن مشاعرها خجلًا ، فكان يخيل للعاملين في الفيلم أن الحب الذى أبداه العندليب واهتزت له النجمة الحسناء لم يكن أبدا تمثيلا ، وأنه ليس مستبعدا أن يتم زواجهما في أية لحظة ، وتوقعوه حتى قُبيل تصوير اللقطة الأخيرة من الفيلم ونسوا أن بطلة الفيلم هى زوجة منتجه صبحى فرحات فى هذا التوقيت وأم لبناته الأربعة . وربما كان هذا الأداء المتفرد لبطلى الفيلم سببا بأن هذا الفيلم أُعتبر من روائع كلاسكيات الأفلام الرومانسية في مصر إن لم يكن على الأطلاق . 

مع خالص تحياتى : عصام
القاهرة فى 6 من إبريل 2019

السبت، 30 مارس 2019

" يوم من عمرى" ( الجزء الأول ) معزوفة رومانسية على أوتار نفسية




(الجزء الأول): معزوفة رومانسية على أوتار نفسية

منذ فترة طويلة وأنا أفكّر في الكتابة عن فيلم «يوم من عمري» لتعلقي الشديد به، ولكنني كنت لا أعرف ماذا أكتب، وفي أي اتجاه سأنحو، ومن أية زاوية سأبدأ؟ لذلك كنت أتوقف في كل مرة أشرع فيها للكتابة؛ لأنني لم أجد بعدُ أفكاراً مقنعةً توازي إيماني الشديد وإلحاحي المستمر في الكتابة عنه. ولكن، ما من فترة تمر إلا وتحلّق روحي مجدداً في أجواء هذا الفيلم وتجوب آفاقه، في محاولة دؤوبة لتمكين إرادة الكتابة عندي من التعبير عما يحتويني تجاهه ويكون ذا قيمة، بيد أن الكلمات كانت تتوه مني مرة تلو الأخرى، وأتلعثم في سرد مفردات أفكاري. وكم عانيت أشد المعاناة في استعراض أفكار شتى كنت أُمني نفسي بها، لعلها تصادف ما أريد؛ فهل سأكتب عنه توثيقاً، أم وصفاً، أم تأريخاً، أم مقارنة بغيره من الأفلام التي تناولت القصة ذاتها، مستعيناً بأرشفة هذا العمل وكل الأفلام التي نسجت على غراره محلياً وعالمياً؟ وبالفعل، أخذت في البحث وجمع المعلومات الكافية في كل ما يتعلق بكواليس فيلم «يوم من عمري»، ومشاهدة الأفلام التي تناولت الحبكة نفسها لأتعرف إليها أكثر، علّها تفيدني في رصد المفارقات بينها.وامتدت دائرة بحثي حتى وصلت إلى جذور الفكرة، عندما التقط الكاتب سيف الدين شوكت الخيط عام 1959 من قصة الفيلم الأمريكي الشهير «حدث ذات ليلة» (It Happened One Night) للمخرج وليم وايلر، وصاغها في سيناريو، وكتب له الحوار بالاشتراك مع يوسف جوهر. ووجدت أنه بالرغم من أن القصة في مجملها قد استُهلكت، إلا أنها في «يوم من عمري» حظيت بمعالجة دقيقة، وبحوار مختلف، وبتركيز أعمق؛ إذ كانت معظم أحداثها تدور في يومين وليلة واحدة، لذا جاء إيقاعها سريعاً، متخماً بالمواقف، ومليئاً بالأحداث، على غير نمط الأفلام الأخرى التي عايشت المحتوى نفسه لكنها خلت من عوامل الجذب أو التشويق.من هنا عدت لتوّي بعد أن أيقنت أنه لا طائل ولا جدوى من تكرار ما كتبه غيري عن هذا الفيلم؛ فما وجدت جديداً يُذكر أستاق منه ما يعينني على بلوغ مقصدي، وصياغة دوافعي التي أقدم من خلالها رؤيتي الخاصة لعمل كان يشدني كلما رأيته؛ فتوثيقه لم يكن بغيتي، والكتابة عن كواليسه وملابسات تصويره ليست ما يدور في خلدي. وفى النهاية، توقفت الفكرة بعد أن أصابني الإحباط وأخذتني الحيرة كالعادة، فتركت قلمي، واحتسيت قهوتي، وأعرضت عن الكتابة كأني أتناسى الأمر كلياً.حتى جاء طيفٌ جثم على قلبي وعقلي معاً، ورافقني في رحلة واسعة النطاق للبحث عن هوية مكنون الكتابة، وظل يحثني ويلحّ بهمساته في أذني مؤكداً أن الفكرة الملحة لا زالت موجودة والهدف واضح، ولكنني لم أضع يدي بعدُ على ترتيب أفكاري ومكنونات أغواري؛ وإلا، فما معنى اختناق الدموع بعيني في كل مرة أشاهد فيها «يوم من عمري»، لاسيما عند بلوغ الخاتمة؟هذا الإصرار البالغ الذي احتواه طيفي هو الباعث الذي جعلني أهتدي –بعد مرور سنوات– إلى أن فكرة الكتابة عن الفيلم لم تأتِ من فراغ ولا مصادفة، بل لها أسبابها ودواعيها. وعرفتُ حينها لماذا وكيف يأتيني هذا الطيف ومغزى توقيته، وكيف كان لإلحاحي فحواه ومعناه؛ إذ كانت المغامرة مقصودة لأمرين اثنين:أولهما: روعة المعالجة الموضوعية في قصته رغم استهلاك فكرتها تماماً في أفلام عدة سبقت أحداثه، إلا أن الرؤية اختلفت كلياً عندما صادفت وجود عبد الحليم حافظ بموهبته الفطرية، وذكائه الفني الفطن، ورومانسيته الحالمة الرقيقة. فكُتبت له في قالب رومانسي إنساني، ركّز على مبدأ الأخلاقيات المتوافقة مع سماته الشخصية المنحازة بفطرتها نحو المبادئ والقيم والمُثل العليا، وهو ما كان يتحلى به المصريون في ذلك الوقت بمطلع الستينات، واتسامهم بالشيم والشهامة وهم يعيشون أجواء بدايات ثورة الثالث والعشرين من يوليو بمكتسباتها وإيجابياتها. فكان من الطبيعي أن تكون قصة الفيلم مشوقة ومحكمة للغاية، وبرغم الاقتباس فإن تمصيرها تمّ بعناية فائقة. لذلك كان وسيظل «يوم من عمري» هو الأفضل على الإطلاق، بل وتزداد قيمته كلما تقادمت به السنوات التي طوت أعمار كل من عمل فيه تقريباً، وسيطول أجيالاً كثيرة متربعاً بلا منازع فوق قمة عرش كلاسيكيات الأفلام الرومانسية، ليس في مصر فحسب وإنما في العالم العربي كله؛ بآراء النقاد والجمهور وشباك التذاكر وعبد الحليم حافظ . وثانيهما – وهو الأهم –: وجود روابط نفسية ووجدانية تمثل عندي رؤية وحالة لها انعكاسات تنحو منحى شخصياً، يرتقي بواقعية التعبير عن إحساساتي في استشراف عوالم خاصة. ورغم أنها رؤية فنية تعالج واقعاً اجتماعياً تم تناوله في أعمال كثيرة، إلا أن إحساسي بها في هذا الفيلم تحديداً هو الذي اختلف؛ حيث ارتفعت بها من الرؤية العامة إلى عالمي الخاص، ومن مجرد مشاهدة لفيلم إلى ارتباط وجداني ونفسي كوّن بداخلي هذا الشعور الفريد. سأروي القصة كما هي بداخلي، ومن خلال تجربة لا تبتعد عن كونها تحديقاً بنظرة معينة للحياة، تؤمن لي ازدواجية المقصد ما بين إخفاء هذا الإحساس وإظهاره. إنها نافذتي الخاصة التي أصنع منها واقعاً جديداً نابعاً من بنية تخيلاتي الفكرية المركبة، الناتجة من طاقة شمس متولدة من عطاءات الربيع، تبث عبيرها السارح طوال ساعات النهار، حتى إذا ما انزوت مع وقت الغسق، تركت لمسائه الهادئ سحر نسمات الليل التي تهب عبر أريجه المتدفق، فيحيل الكون كله إلى كرنفال؛ إنها هبة الطبيعة للنفس التواقة الحالمة. إنني هنا أريد أن أُطلع سطوري على أسرارها، بمعنى أنني أريد الغور في المعاني الغائبة، المضمورة بداخلي والكامنة في نفسي، من أجل إظهار أثرها في تفسيري للمعانى الواضحة المباشرة ذهنياً، لكي أجعل اللامرئي مرئياً، ولكن برؤية جديدة وبشكل مختلف يحمل بصمتي الخاصة. لذلك، فإنني سوف أغامر في وصفي لهذا الفيلم عند عرض فكري عنه إلى أبعد حد، مغامرة لا تعرف الثبات ولا تتحدد بشكل نمطي، ودون اللجوء إلى أية كتابات نقدية أو توثيقية أو تأريخية عابرة عنه. فلا جدوى من عقد المفارقات والمقارنات بينه وبين المقتبس منه، أو البحث في مدى محاكاته للأفلام المصرية الأخرى التي تناولت القصة نفسها، سواء في الأهداف أو المعاني الإنسانية الإجمالية؛ لأن رؤيتي قد تكون مغايرة لرؤية الآخرين، وذلك من أجل إظهار الأثر النفسي الجمالي الذي أشعر به ولا أستطيع أن أصفه للغير، أو أصفه ولا يستوعبه الغير. إذن، لن أمنع نفسي من شرف المحاولة، فلا يوجد حائل يحول دون أن أحاول؛ فحياة أي إنسان ما هي إلا محاولة مستمرة لأن يحقق الصورة الكامنة في رأسه، وما أكثر الصور التي في رأسي! ورغم صعوبة ترتيبها ونقلها إلى رؤوس الآخرين، إلا أنها متعة ما بعدها متعة عندما تتشابه الصور، أو تتطابق التي في رأسي بتلك التي استقرت في رؤوس الآخرين .

            وإلى لقاء فى الجزء الثانى




مع خالص تحياتى : عصام

القاهرة فى 30 من مارس 2019












الجمعة، 22 فبراير 2019

فى رحلة البحث عن حلم (3)


إنها كلمة واحدة تترجم كل احساساتى تجاه وجهك الباسم المضيئ كطلعة البدر ليل اكتماله ، وزهرة يانعة تفتحت في ليل الربيع يوم ميلاده ، وكيانك الذى يجمع بين المرح والإتزان ، وطموح يقود خطواتك بثقة واقتدار ، إحساساتك الثرية التى استشفها فى ارتعاش الكلمات من فوق شفتيك ، وعلى أوراق الورد التى تنثيرنها كل يوم وليلة تحت قدميك .. منظومة رومانسية كاملة .. ثرية وجميلة ، هى نزعتك التى تتحلين بها فى الحياة إلى حد الإفراط ، فتؤثر فيك أبسط الأشياء . إننى أرى فى كل قصائدك التى تسطرها أناملك أن مصدرها الحب والإلهام ، تكتبينها بإقتدار وحرفة وذكاء ، والشعر إذا لم يهز القلوب والأذهان فهو ليس شعرا ، وإنما الشعر عبارة عن رقصة عاطفية وعقلية ، كلمات موسيقية تنساب من الخاطر على أوتار الوجدان إذا كانت بصدق وعفوية ، وأنا عن نفسى وجدت فى كل ماتكتبينه من أشعار عبارة عن إيقاعات راقصة من خلال الملامح التعبيرية المشحونة بالانفعالات الكامنة ما وراء الواقع وإلى ما وراء الخيال كذلك ، وكأنك تريدين اختراق الأشياء برؤية مغايرة لواجهة الحب .. رؤية تبحث عن التحرر النفسى بوعي تجانسى ايقاعي متناغم ما بين توليفات الكلمات والإيقاعات الحسية المتعانقة داخل قلبين ، يخترق الحب فيه الأشياء وينفذ إلى القلوب وكأنه حلم ، فالحب ماهو إلا حُلم يحْلُم به اثنان ، يهيئ لهما أنهما أبعد مايكونان عن أعين الناس ، حلم جميل نجد فى لوحاته غنائيات خطوطه تغرد أنغاما ، وألوانه تنشد ألحانا ، وسطوره لم تنج من روائع الغزل ومثالية الإعترافات حتى صرتِ  حلما وغواية لاينجو منهما أحد .



أجدنى حينما أفتح نافذتك أطالع الغموض الذى تبدين فيه كل ليلة كعذراء الربيع الناعمة الذى يرسل إليها الندى أنفاسه فيحيل كل مافيها إلى عبير يتضوع ، لذلك أجدك كل يوم أكثر نضجا وأشد خوفا .. الخوف على القمة التى تدفقت علوا وسموا ورفعة بعد أن اعتليتينها وتوهجتين فيها لتصبحين أشهر من عرفه قلبى ، ومع مرور الأيام تتألقين حتى أصبحت لحنا يعزف على أوتار الأحباب والأصدقاء وكل الناس ، كلماتك دوما تمس قلبى ، وتثير بى أشجانى الكامن فى أعماقى منذ أعوام ، منذ أن كنت أبتسم للدنيا وللحياة وقبل أن اكتشف دهاليز اللاوتى عرفتهن قبلك لأكتشف الفرق الكبير بينك وبينهن من فروق وتناقضات ، ذلك ماكان يخفى وراء أقنعتهن ، والقدرة الرهيبة على التنوع والتلون فى المشاعر والأحاسيس بكل ماتنطوى عليها من كذب وصدق ، خداع وأمانة ، جبروت وضعف ، وخير وشر ، فإذا بك تُقبلين كما تُقبل الحياة ، ومن يومها وأنا أشعر بود كبير أحمله لك ، متابعا كل ما تكتبينه ، وما ترسمينه من خطوط لمواجهة مشاكل الحياة بفلسفتك فى استقصاء خلق عالم جمالى خاص أوجدتينى فيه بتوسيع الأفق وروح المغامرة في مواجهة إكراهات الظروف ، ليصبح الحب هو الرهان الوحيد الذى تغامرين به فى مواجهة الحياة ومن أجلى ، لذلك استحوذتى على مشاعرى بشحنة من الإعجاب .. كل مشاعرى حتى استبدت بى تماما ، كمشاعر الإعجاب التى تنطوى بوجدانى تجاه أمى وأبى وأصدقاء العمر .

هذه ببساطة أنت كما أراك ، وكما رآك قلبى حيث أقمتى الدنيا بداخلى وأرسيتينها ، نموذج فريد وصارخ للذى يحب بصدق ليصدق مايحب ، فأوجدتى نفسك فى نفسى ، وأيضا في نفوس الأخرين بمصداقيتك وعذوبتك وبخطواتك الثابتة الرشيقة ، تتواجدين بحسك الراقى وفنياتك العالية ، تتواجدين لتقولين لنا إنه بالحب والصدق يكون الطريق إلى السعادة ، والسعادة مجرد بداية لتألق النفس ، وللتألق مكانته السامية في النفوس المشوبة دائما بالخوف ، الخوف على هذا الحب الكبير من الإفلات أوالضياع ، حب لايقبل صاحبه سواه .


أحس الآن أنه كلما مر طيفك أمامى أن قلبى يقفز من صدرى إلى يديك ، دون أن يكون لى سلطان عليه ، إنه الحب الذى أجد لقربه مذاقا خاصا ، وأجد للمسة يديك فيه معنى آخر ، وحتى إذا لم يكن طيفك هنا ، فإنى أحسه وأسمعه وأراه وأتمناه ، كما لو أنه كان إلى جوارى ، فكل كلمة أكتبها لك وسادة من حرير ، وكل نظرة لعينيك أجدها سحابة ناعمة أتمدد عليها ، وكل ماتقولينه ، وما لم تقولينه  صادق ، وكل ماتؤكدينه لى ، ليس فى حاجة لتأكيد فإننى وثقت به وصدقته ، لأنه نابع من قلب أعرفه جيدا .. قلب ذاق طعم الحب وشعر بحلاوته ، لذا فقد أعطيته عقلى وقلبى وماتبقى منى لايهم ، تلك ماأملك .. ليتنى أستطيع أن أعطيك أكثر وأكثر .. ليتنى أستطيع أن أفنى فيك .. ليتنى كنت طيفا فأغزو خيالاتك الشاردة .. ليتنى كنت بسمة حانية لكل لحظة حلوة فى حياتك .. أو همسة رقيقة أداعب بها أذنك الصغيرة .. ليتنى كنت أستطيع أن أكونك أنت ياحبى الوحيد وأملى البعيد .
مع خالص تحياتى : عصام

            القاهرة في 20 فبراير 2019




الجمعة، 1 فبراير 2019

فى رحلة البحث عن حلم (2)


دعونى أعترف أنه ولأول مرة أعرف معنى حصار الكلمات ، وتكتل الحروف ووقوفها ضدى فى حشود ، وهى التي كانت دوما تلازمنى معظم الأوقات على مداد أوراقى ولمسات سنان أقلامى ، ولاترضى إلا بإرهاف عقلى ولاتعرف إلاامتطاء غير أناملى ، وهى التى كانت أيضا تختلس بلطفها محتوى أحلامى ، وتسلب قلبى بأداء حسن الأساليب  ، باعتبارها صديقة عمر ورفيقة سهر الليالى ، ونديمة كل الحوارات الداخلية بينى وبين نفسى ، لذلك كان حزنى شديدا حتى كدت أغرق  فى أعماقه بعد أن كبلت عنى كل الأوصاف والمعانى ، ثم تجمعت وتزاحمت في تظاهرات عارمة ضد فك قيود قريحتى من الإبتداع ، وعدم منحى إفراجا بعد أسْر أفكارى ، ولم تكتف بهذا بل باغتتنى وأحكمت مخارج ألفاظى حتى شعرت باختناق يزُم حلقى ، ويشتد في المساحات الضيقة قبل أن تبلغ فاهى لتنتحر وراء شفاهى بعد أن فقدت معانيها ولم تجد مايمنح لجماليات الوصف روح وصاله ، وحلاوة التعبير فى حسن أوصافه . إننى لأول مرة أعرف معنى انتحار الكلمات وراء الشفاه وغياب المعنى داخل الصدور ، وكيف تُكبت جماليات الوصف بين الضلوع ولاترى بعد جمال النور ، وتتوارى بين ظلمات الجوانح ، وطرقات مخارج الألفاظ من السفور ، ويئن القلب من ظلمة ووحشة الوحدة وتتوه عن أسماع وأعين الأخرين ، لذلك خذلنى التعبير على غير عادتى ، وتاهت منى الكلمات وأصبحت كالموج الأثير المتلاطم بعضها يعود ، وبعضها يذهب ، وبعضها لا يكتمل ، وبعضها يمحو بعضا ، وبعضها يلوح فى الأفق البعيد فى اشتياق . 


ماأصعب أن تقف عاجزا عند شيئ أنت تحبه وتجيده  وتمتلك مفاصله . لذلك حاولت الفكاك من هذا الإحساس واستجلاب قدر من إرادة شحذ الهمم كى أواجه به هذا التلعثم الفكرى المفاجئ الذى جاء ليوقف ماألفته من إطلاق العنان لخيالى السارح بالليل وهو الوقت الذى أكتب فيه وأترجم أفكارى عبر سحره الآخذ الذى يكتنفه غموض مثير ، ووجدت أخيرا وعرفت أن بُعد المسافات واختلاف الأجواء وجمال الروح هى السبب فى ثورة الكلمات ضدى ، فكلما جالت بخاطرى تهفو روحى حيث أكون وتسرح بى وتأخذنى لتبارح الهوى ، وعرفت أنه كلما بعُدت توقفت روحي عن عشق روحها ، فيتوقف قلمي عن عشق الحروف وتقبيل الورق ، ومعه أذوق مرار البعاد وهروب الكلمات ، كم هو مؤلم أن تعانى من الوحدة ومرار البعاد ولاتستطيع حتى أن تعبر عما بداخلك ، وراح ذهنى يفكر ويفند ذلك الشيئ الغريب الوارد من الخاطر والمنبعث من الافق ، الشيئ الذى تمتزج فيه البسمة بالدمعة فتلامس شغاف القلب وتهدى المشاعر وتحرك الخيال ، فكان لى أمل قطعت به الليالى أنها واحة لعمرنا أرانى قد فنيت به وداما ، فعرفت فيه عناق القلوب وتدافع الأرواح وتماوج النفوس ، وأن هذا الخاطر ماهو إلا باعث الهوى الذى كنت انتظره طويلا ، ولكنه يريد أبجادية جديدة غير التى أكتب بها ، ومفردات لم تعرفها أوراقى بعد ، وأساليب لاتُطرق لغيرها . فتعانقت روحينا فى حضن الليل حين عزفتُ على أوتاره، ورقصت عصافير الهوى على تغاريد المساء احتفاء بقدوم القمر ، وتألقت الأشجار فى سنا ضوئه وامتثلت الطبيعة كلها مابين سكون وحركة وعشق لهتاف تراتيل المساء ورهبته ، فلسواد الليل رهبة تختلط بأضواء المحبة في كل قلب ، وهدهدة فى كل روح . إننى لم أكن أعرف أنها كانت معى تحاصرنى بنظراتها الحزينة تارة ، والباسمة الحالمة تارة أخرى ، ولم أفطن أنها كانت تملأ المكان من حولى سحرا وتضفى على الليل غموضا غريبا وإن كان على مايبدو رائعا حتى استوعبت وجودها فى حياتى واستطعت أخيرا بعد هذا التلعثم أن أجمع شتات العقل وسويداء القلب وأحسم ترددى وأن أُقْدم على كتابة هذه الكلمات المتواضعة ، التى حاولت فيها أن أعيد بها اتزان إحاساساتى الجميلة الضائعة التي أفتقدها مقود صبوتى وزاغت عنى بلا سبب ، الأن هي تعود وقد اكتستها حُلة من الرقة والجمال والعذوبة ، كلمات زرعت العمر محبة وعشقا وإنسانية لم تتوفر لغير القليل من البشر ، إنها كلمات بدم قلب مدفوع لعشق فن الجمال ، وخيالات كانت منها وإليها صاخبة عارمة ، وليالى ساهرة أمضيتها والها هائما فى انتظار خواطرها التى كنت أُظهر دائما حاجتى إليها ، فأصبحت مدفوعا رغما عنى داخل بحور هواها ، وكلما غصت فيها تعمقت ، وكلما تعمقت أحس بضغطة الماء تشتد يوما بعد يوم وتحاصرنى ، كتلك الضغطة التى لايحسها ولايعرفها غير من ضاعوا فى أعماق بحار الحب أزمانا ، فإذا بى أتيه فيها ، ولكنى ضعت فى لحظات معدودة .

لكم راودنى إحساس حبك كثيرا وأنا اتمعن في خلق المساحات الوهمية من حولى  في رحلة البحث الطويلة عنك ، أردت أن استشرف حياتى بمحاولات دؤوبة للدخول إلى عالمك الذى لاأعرفه من خلال بوابة الحب ، في مغامرة استكشافية للتعرف على المجهول الذى يربطنى بك ، فالعلاقة التي تربطنى بك علاقة أزلية قديمة ، علاقة تكامل لايمكن الفصل فيها بينى وبينك ، فكل منا يفسر الآخر، إذ لا وجود لأحدنا دون الآخر . فكنت أصفو بنفسى كثيرا وأترك قلبى معها ليتحدثان عنك ويخفقان لك ويهمسانك ويعاتبانك ثم أعيد تأمل هذا الإحساس مرة تلو أخرى حتى لاحت لى الكلمات وتحولت لنبضات بعد سنوات جدب طويلة ، إننى أختزنتها لك في قلبى منذ زمن الوفاء وسأقولها لك هنا وسط هذا الركام من الإحاسيس ، وأمام هذا الزخم من طوفان المشاعر التي أحملها لك ، سأكتبت عنك وأنت تُقبلين بكل جرأة الحب وتقتحمين حياتى عنوة ، وتفتحين لنفسك كل باب من أبواب قلبى بلا تردد منك ، وبلا أدنى مقاومة منى ، فأصبح قلبى ساحة  بلا جدران .. بلا أبواب ولانوافذ .. بلا مفاتيح .. قلبى أصبح شفافا أو أصبحت هكذا عند اجتياحك له ، ثم فرضتى سلطتك وجبروتك عليه بعد أن مزقتى كل ستائر وحدتى وحزنى التى حجبتنى لسنوات تعبت من عدها ، وتعبت أيضا من محاولاتى المتكررة لدفعها يمينا ويسارا لكى أطل من ورائها بحثا عنك ، ولكن عبثا كانت محاولاتى ، حتى جئت واثقة الخطى ، وحطمت كل أوجاع الماضى ، وبكل ثقة الحب دانت لك حياتى ، فأعدت رسم خريطتها من جديد ، فإذا بها تتحول إلى جنة غناء مفتوحة الأبواب طول العام لاتعترف بفصول السنة ، يتعاقب الليل فيها ويتسرب منها النهار بغير حساب ، وأعقد يدى على قلبى اتحسس دقات قلبى بترقب الجديد أو المجهول الذى لاأعرفه ، فأسمعه همسا يردد ياحبنا .. ياحبنا . قلبى الذى تم غزوه بشعور خاطف منك فأتى على الفور بعمق أغوارى ، وتعمق صوتك أعماقى ، وأخترقت كلماتك شعورى وإحساسى ، ولمحت فى عينيك ترحيب القلب الشغاف ، وفهمت من لغة الصمت رنين الكلمات ، فأصبحت أنت الصديقة والحبيبة وكل أهلى وناسى ، كياننا واحد أنا وأنت فأصبحنا كجناحى طائر لايحلق فى الآفاق ولايهبط إلا بهما ويسرح ليلا ونهارا هائما ، ولايعرف أرضا ولاوطنا ولامرسى . أرأيتى كم أخذتنى الأمانى إلى هذا الحد ، فلاأقل من أن استجمع قوايا لأقول لك بكل بساطة شديدة " أحبك " تلك الحقيقة التى أصبحت واضحة المعالم ، لاحيلة لى فيها ، بل أحترمت سطوتها ، ومايبدو منى ليس إلا انعكاسا لمدى ماتعنيه هذه الكلمة من معان ومشاعر ، لقد كان حبك واقعا ملموسا فملك النفس ، ووقعت تحت أسره طواعية ، فأصبحت جزءا من ذاتى ، حقيقة فرضت نفسها بقوة على قلبى وعقلى ووجدانى .
مع خالص تحياتى :عصام

القاهرة فى فبراير 2019