من المثير للدهشة، أن فيلم «يوم من عمري» له خصوصية معرفية وتاريخية؛ حيث نُوّه عنه أول مرة عام 1959 باسم «أهواك»، إلا أن هذا الاسم تبدل مع بدء التصوير الفعلي بعد عام من إنتاجه، ليبقى لنا باسمه الذي حفظه التاريخ والوجدان. استغرق تصويره نحو ثلاثة أشهر؛ من ديسمبر 1960 وحتى نهاية فبراير من العام التالي، ليعرض رسمياً في السابع عشر من مارس 1961. وإذا كانت لقطات البلاتوه قد صُورت في استوديوهات الأهرام، وسُجلت أغانيه في استوديو مصر؛ فإن الكاميرا خرجت لتلعب دوراً باسلاً في إضفاء الواقعية، متنقلةً بين شوارع القاهرة المهولة بزحامها وبريقها المسائي ومبانيها الفاخرة. فمن مكتب الكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين بدار أخبار اليوم في مبناها القديم بشارع الصحافة صُورت مشاهد رئيس التحرير، ثم جابت الكاميرا شوارع مصر الجديدة، وميدان رمسيس بنافورته الشهيرة، وصولاً إلى طريق المطار ومدرج ألماظة، وشارع الهرم وفندق مينا هاوس، وميدان الأوبرا ووسط البلد، ومتنزه القناطر الخيرية؛ وهي أماكن حفرت لها في نفوس العاشقين مكانة أزلية. ولم يكن هذا الانتقال إلى الشارع إلا محاولة لجعل الفن المفترض أقرب إلى الواقع؛ حيث تضافرت العناصر لتخلق واقعاً افتراضياً كى يتمنى الناس أن يعيشوا تفاصيله الرومانسية، ليجابهوا به واقعهم النفسي؛ فالسينما في أصلها تصور للناس ما في الناس!ومع ذلك، تظل اللعبة السينمائية فخاً لذيذاً؛ فالأجواء التي تشحننا بالحماس تظل تستدرجنا حتى نصل إلى اندماج كامل، لنكتشف بعد تتر النهاية أنها كانت مجرد متعة مؤقتة لإنعاش ذاكرة مهيأة للشغف. وبدلاً من أن تدوم الغبطة، يرتطم المتفرج بضيق مفاجئ؛ لأن الفيلم أوهمه بنمط حياة يوازي حجم الحماسة التي استجمعها بفرط الحنين. فالشوارع في الحقيقة ليست كما ظهرت على الشاشة، ونفوس البشر ليست بتلك المثالية، بل هي لحظات مقتطعة تسلط الضوء على كل ما هو جميل. إن الحياة بطبيعتها لا تحتمل أن تكون كلها مثيرة، لتبق للسينما وحدها تحقيق هذه المعادلة الصعبة؛ عبر صنعة مدروسة ومحبوكة، تبدأ من حوارات وانفعالات صاغها كاتب ورسمها مخرج، ومرت بغرف المونتاج وتحميض الأشرطة وموسيقى تصويرية تفند أسرار القصة وتحرك شجن الروح. هذه الصنعة الدقيقة تسلب المرء إرادته بالإغراق التام، فإذا ما وافقت هواه أثارت حواسه فأراحتها، لكن الصدمة تترصد له عند العودة إلى واقع عفوي بلا نظام ولا ترتيب؛ حيث لا طاقة له بمواجهة الأيام، فيستبد به شعور بالخديعة وكأنه تجرع مسكناً سرعان ما يذوب في الحلق وينتهي مفعوله. والحقيقة أن هذا الاستدراج لم يتم إلا بمزاج المتفرج وعلى هواه؛ لأن الفيلم فضح رغباته المخبوءة وانتقم لآلامه. ودائماً ما نتحسر في حياتنا على لحظات السعادة القليلة؛ لأنها سرعان ما تمضي وتترك فينا غصة الفقد، فلا شيء يبقى على حاله. ولكن يظل للعمل الفني الأصيل رونقه، وتبقى متعة ما بعدها .. متعة أن تحاكي ما تتمناه نفسك ولو كان مستحيلاً؛ فالسينما وسيلة إمتاع وإيقاظ للمشاعر، تنقل أحلامك وآمالك من عتمة الأعماق إلى وهج الشاشة. من هنا، يتضح أن المتفرج هو جزء أصيل من هذه الصنعة؛ فلولا وجوده ما كان للممثل نجومية ولا شهرة. إن السينما لا تفرق بين صانع ومتلقٍ، بل تعلي من قدر المتفرج لأنها صُنعت له ومن أجله؛ كي تطرد من حياته الملل. وقد فعلها حليم في الفيلم حين تغنى بالضحك واللعب والجد والحب، تأكيداً على توجيهه بنواميس العاطفة نحو منافذ السعادة، داعياً إياه لفتح النوافذ ليدخل هواءٌ جديدٌ ودمٌ جديدٌ. وحينها، تتفتح النفس كتفتح الأزهار على الغصون، وتنتشر مساحات الخضرة والراحة والاسترخاء في بساط فكره؛ فاللون الأخضر هو زهو الرومانسية وباب الأمل، وتلك هي قمة انشراح النفس بالإبداع. إن الفن الجيد يظل معلقاً بروح الناس مهما بعد الزمان أو المكان، فاتحاً ذراعيه لقلوبهم؛ لأنه وسيلة ممتعة لغاية مفيدة. وليبقَ «يوم من عمري» على مدار التاريخ الفني والإنساني علامة بارزة.. ولمَ لا؟ فقد عاد عبد الحليم ليؤكد هذا بنفسه مرة أخرى حين تغنى به: «اليوم الّلي اتهنيت فيه، والّلي بكيت منه وعليه، وأفضل وحدي لآخر عمري مستنيه » .
إن هذا التدفق العاطفي لم يكن مجرد أصداء غنائية عابرة، بل تجسد واقعاً حياً عبر الأداء العفوي الدافئ للثنائي عبد الحليم حافظ وزبيدة ثروت؛ حيث تحول الحب على أيديهما إلى ملاذ آمن للمتفرج، بعدما تبدلت الملامح الهادئة ولغة العيون إلى طاقة صامتة تبدد جفاف الواقع وقسوته. وقد تشابكت رؤية المخرج عاطف سالم مع عين مدير التصوير عبد الحليم نصر لصياغة كادرات سينمائية كلوحة بصرية تنبض بالحياة، مستلهمين هذا التباين البصري كي يحيل المساحات الرمادية في الحياة إلى وهج من نور يعطي دفقات من الأمل. هذا التمازج المكتمل العناصر من صدق الأداء، وبلاغة الصورة، وعمق الرؤية، هو الخلطة السحرية التي أحالت الرؤية إلى حقيقة، وجعلت المعادلة الصعبة للسينما تتحقق في أبهى صورها كى تخلد في وجداننا .






.jpg)

























