(الجزء الثاني): إيقاع الفصول وشجن العندليب
من منظور نفسي بحت ، أرى أنه مع انكسار حدة الشتاء وظلمته، وتلويح الربيع بقدومه ، تنتعش أرواحنا. أنا ممن تتراقص أمزجتهم على إيقاع الفصول .. أنتظر الربيع بشغف منذ أواخر الصيف ، وهو ما تدعمه دراسات السلوك البشري التي تفسر تفاعلنا مع الطبيعة ؛ حيث يؤدي قصر النهار وتراجع أشعة الشمس بالنسبة لى إلى الاكتئاب الموسمي ، وما يعقبه من خمول وميل للعزلة. إن نفسيتنا هي التي تدير دفتنا الداخلية وتتحكم في مشاعرنا ، وطبيعتي تواقة وحساسة للغاية؛ فكلما اقترب الدفء وحلّ الصيف، تبددت الغيوم، وانجلى صدري بالبهجة والسرور في أجواء مفعمة بالرومانسية، إذن الحالة النفسیة هي التى تدير حركة الإنسان الداخلية، فهى مؤلفة من إشعاعات داخلیة إما متنافرة وإما متجاذبة من شأنھا التأثیر على الحالة المزاجية والنفسیة. لذلك يظل الربيع في وجداني أبهى فصول العام، ويُذكيه ذاك الشغف الذي يسكنني كارتباط وثيق منذ بواكير الصبا بروافد الفن العندليبي .. نعم الفن العندليبى كما يحلو لى أن أسميه . لقد تماهى صوت العندليب بربيع أيامي ، وخاصة بليالي شم النسيم الساحرة والتى انسحبت معها أجواء فيلم يوم من عمرى وعند أغنية بأمر الحب تحديدا تتوقف الكلمات عاجزة عن تقدير محاكاة المشهد العاطفى التى أبداه كل من البطل والبطلة ليظهر الكادر وكأنه مشهد حقيقي وليست تمثيلا داخل إطار أحداث فيلم ؛ إذ أن هذا التناغم رسم في الذاكرة نوعا من الشجن ممزوجا من ذكريات فنية راقية تواءمت مع روح الطقس الربيعي ليشكل فى النهاية بداخلى لوحة متكاملة مملوءة بالزهو والمرح النفسى . هذا المزج الفريد أعطى إيحاءات كانت كفيلة بأن تملك سلطاناً على الروح ، فيُهذب خلجاتها، ويفتح نوافذها على بهجة التشوق والإشراق ، ومن المؤكد أيضا أن مردودها سيكون مؤثرا وباعثا قويا لدور الفن الراقى فى حياتنا ، ذلك الانبعاث الذى لم ولن يخبو ولايُطفئه الزمن فى نفوس المحبين للأصالة مهما تعاقبت عليه الأيام والسنون ، ليبق كامنا ومرتبطا به وبنا ارتباطا وثيقا ومحفزا لمناط عواطفنا الشخصية تجاه فن عبد الحليم حافظ الذى احترم عقولنا واستولى على قلوبنا منذ نعومة أظفاره فى الفن ، فأصبح فنه الراقى ربيعا دائما فى نفوس الأجيال التى ارتبطت به وماتلاها من أجيال لازالت تعشق تراب فنه كعشقها لتراب هذا الوطن الغالى الذى أنجبه . هذه الموالفة هى التي شدتنى إلى الكتابة عن فيلم يوم من عمرى تحديدا دون غيره من الأفلام الخمسة عشر الأخرى التي قام عبد الحليم ببطولتها ، إذ إن ظروف هذا الفيلم، وما صاحب توقيت تصويره وعرضه، وما انطوت عليه مشاهدُه الخارجية، تطابقت مع مؤثراته وارتبطت بتلك الفترة ذات التأثير النفسي المبهج. فأصبح فيلم (يوم من عمري) من الذكريات التي توثقت في ذاكرتي بارتباطات نفسية انبثقت من هذه المؤثرات؛ فلا انفصام بين كل ما يدخل في صياغة دلالات هذا التطابق، ليصبح الوعي قادراً على إيصال الرسالة التي أردتُ الكتابة عنها.والتي استطاع عبد الحليم حافظ - بما يملكه من صفات كاريزمية وهبة إلهية منحها الله له - أن يوصلها لنا بمنتهى الحرفية؛ حيث لعبت جاذبيته دوراً كبيراً في توظيف التفاصيل التي حققت شروط المواءمات النفسية الدقيقة للشخصية الرومانسية الحالمة التي تقمصها إلى أقصى درجة ممكنة، ليصبح المشاهد هو الرهان الذي يغامر من أجله في توظيف هذه الرموز الحاملة للدلالات. لقد تماهى (حليم) مع شخصيته، مما جعل المتلقي يقع في أسر حالته الوجدانية، مُمكّناً قوة تأثيره النفسي والعاطفي من انتزاع الآهات من جوانح جمهوره العريض ، وسلب مشاعرهم لصالحه تماماً . وأمام هذا السحر، كان من الطبيعي أن يتقبل الجمهور منه أي توجّه، فما بالنا وهو يُعلي من القيم الإنسانية التي كان يلجأ إليها في جلّ أعماله؟ حيث عمل على تحويل القيم النفسية والعاطفية إلى قيم اجتماعية وثقافية عبر استكشاف عقلاني للأشياء، يعيد به اتزان نفسية مشاهديه. لذلك، كان سهلاً عليه إقناعهم؛ لأن أعماله صَادفت هواهم واتفقت مع منطق عقولهم، مستندةً إلى التيمة الشهيرة المتمثلة في الصراع بين الثراء والفقر، وانحيازه الدائم والمطلق للطبقات الدنيا، فضلاً عن إيثاره للتضحية، وتثمينه لقيمة الحب القائم على إنكار الذات، ليكون العطاء عنده أسمى من الأخذ، مبيّنا لنا أن التضحية بالسعادة الشخصية هي القيمة الأسمى للحب . وفى فيلم يوم من عمرى عشنا معه حدوتة جميلة وشاهدنا كيف تحولت أحلامه فى مصادفة الحب إلى حقيقة ، حيث جاءت منطقية وفى سلاسة وبلا افتعال ، وأنه ولأول مرة يذوق طعم السعادة بعد أن عرف الحب طريقه إلى قلبه ، فقد جاءه بعد أن طاقت له نفسه كثيرا ، جاءه كحلم جميل طالما راوده فى اليقظة والمنام وأصبحت الدنيا لاتسع أمانيه وأحلامه ، فإذا بالحلم الذى تحقق له بعد طول حرمان يتبخر من أمامه حين أدرك أن القدر شاء له ألا ينعم به سوى وقت وجيز لايتجاوز يومين وليلة ، وهو تقريبا زمن استغراق الفيلم ، حتى تضعه الأحداث الساخنة التي توالت بسرعة الوقت أمام اختيار صعب كؤود عليه أن يختار فيه مابين مشاعره التي جثمت عليه واستحوذته وبين مافرضه عليه نداء ضميره الذى كان يتحلى به ، والنابع من حسن خلق يملك مقدراته ، ففضل أن يضحى بحبه بعد صراع نفسى مرير ، إذ أنه آثر ألا يتصادم هذا الحب مع قيم اجتماعية مستقرة ، فهى الأسمى والأغلى من قيمة حبه لفتاته ، وهو ماعرفناه وألفناه من أواصرنا المصرية الأصيلة من ترابط مجتمعى وأسرى يرفض فكرة هروب الإبنة من أبيها والزواج من أخر دون علم الأهل . وفى الموضع نفسه يؤكد أيضا علي مبدأ الأخلاقيات من خلال الصراع النفسى بين مقتضى المهنة والمباديء وأيهما يضحي حال تصادمهما ، هل عليه أن يبيع ضميره وأخلاقه وانسانيته من أجل خبر يرفع من أسهمه ورصيده كصحفى أم يتمسك بمبادئه وأخلاقياته ولا يهم السبق الصحفى أيا كانت قيمته وأيا كانت خسارته الآتية لامحالة ؟ ففضل أن يخسر وظيفته على أن يفقد قيمته كإنسان وأبى ألا يكون مخادعا لحبيبته التي وثقت به ، رافضا أن يستغل هذه الثقة وخاصة بعد أن حكت له قصتها ولماذا هربت من أبيها . استطاع حليم أن يحقق للناس كل هذه الدلالات من خلال تقديره لحب جمهوره له حتى صادفت هواهم بمنتهى الصدق والحرفية وأمانة التوصيل لمشاعرهم ، وخاصة أن لحليم رصيدا ضخما من المحبة في قلوب الناس ، وهذا بالطبع أعطاه قدرا كبيرا من المسئولية انعكس على أدائه المميز ودقته المحسوبة وإحساسه الصادق ، فقد عرف عنه حبه الشديد وإخلاصه لأى عمل يقوم به بالتركيز والتمكين حتى يعيش أجواء الشخصية التي يؤديها فيندمج معها لدرجة التوحد رغم أنه لم يدرس فن الأداء التمثيلي . وربما هذا جعل المُشاهد يشعر وكأن حليم لايمثل دورا فحسب ولايقوم بأداء تمثيلى مطلقا ، بل أنه يصور واقعه الحقيقى كأنه يريد أن يعرى حياته أمامنا وأن هذه هى شخصيته من واقع حياته من شدة تعمقه وإغراقه في تقمص شخصية البطل التي يقوم بأدائها ، وهذا شأن عبد الحليم دائما في كل أعماله ، حيث كان في كل فيلم يقوم بتمثيله يقدم أفضل ماعنده عن سابقه ، ولكنه في هذا الفيلم تحديدا تفوق على نفسه في كل شيئ من شدة اندماجه بالدور الذي مثّله ، والصدق الذى بدا عليه في كل اللقطات والمشاهد العديدة التي جمعته ببطلة الفيلم ساحرة العينين، جميلة الوجه فظهر وكأنه يحبها حبا حقيقيا ، ومما ساعد ذلك أن البطلة نفسها بدت وكأنها تُلبي نداء هذا المحب من خلال تجاوبها التى فضحته نظرات عينيها الجميلتين ولكنها فى ذات الوقت استطاعت أن تُحكمه فى صمت دون الإفصاح عن مشاعرها خجلًا ، فكان يخيل للعاملين في الفيلم أن الحب الذى أبداه العندليب واهتزت له النجمة الحسناء لم يكن أبدا تمثيلا ، وأنه ليس مستبعدا أن يتم زواجهما في أية لحظة ، وتوقعوه حتى قُبيل تصوير اللقطة الأخيرة من الفيلم ونسوا أن بطلة الفيلم هى زوجة منتجه صبحى فرحات فى هذا التوقيت وأم لبناته الأربعة . وربما كان هذا الأداء المتفرد لبطلى الفيلم سببا بأن هذا الفيلم أُعتبر من روائع كلاسكيات الأفلام الرومانسية في مصر إن لم يكن على الأطلاق .


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق