
ولم تنجُ ألحان الأغاني من إبداعات علي إسماعيل؛ حيث صهر فِكر ملحنيها بوضعها في بوتقته التوزيعية، وجعلها نسيجاً واحداً يمثل أرضية للموسيقى التصويرية، فضلاً عن أنه كان يستعير منها بعض المقاطع والتيمات الموسيقية ليفرد لها مساحات خاصة في منتجه اللحني، ولكن بتوزيع آخر يتناسب مع الخلفية الدرامية للمواقف.ويظهر ذلك بوضوح في أغنية « ضحك ولعب وجد وحب »، التي تعتبر من أقوى أغنيات الفيلم نظراً لثرائها الموسيقي الشديد؛ إذ استخدم فيها أوركسترا كاملاً أضاف إليه الآلات النحاسية إلى جانب الآلات الكلاسيكية، مستعيناً بـ « المزمار الشرقي » بعبقرية غير مسبوقة. وفضلاً عن كون الأغنية بحد ذاتها محركاً خارج السياق الجامد للدراما بموسيقاها المعبرة عن الحركة، فقد منحه ذلك القدرة على تنويع توزيعها في أكثر من موضع داخل الفيلم.وربما يرجع هذا التفرد غير المسبوق إلى أن الأغاني في الفيلم كانت محدودة ونابعة من صلب الموقف ولم تشغل حيزاً كبيراً من المساحة الزمنية؛ فكان هناك متسعٌ للموسيقار بأن يخرج بكل ما في جعبته. وقد نجح إلى حد كبير في تحويل اتجاه الموسيقى التصويرية في ذلك الوقت من "الموسيقى المقتبسة" عن الأفلام الأجنبية والمقطوعات العالمية، إلى موسيقى مصرية خالصة تجابه هذا المقتبس وتتفوق عليه.لقد استطاع أن ينوع فيها ما بين الشرقي والكلاسيك، وموسيقى الدراما، والـ «فانتازيا» السريعة، ثم وظفها بشكل ذكي أخرج لنا خلفية إبداعية لا أروع ولا أجمل. فقد اعتمد كثيراً على النغمات السريعة، والقصيرة، والمتلاحقة، ونغمات «النصف تون» التي تريح الأذن، مطوعاً استخدام الآلات وفقاً لطبيعة الموقف؛ فجعل الكمنجات والتشيلو أرضية دافئة للكلام والحوارات، تملأ الخلفية دون لفت الانتباه إليها وكأنها غير موجودة، لكنها في الوقت ذاته مؤثرة غاية التأثير.بينما جعل «الصولو» هو الأساس؛ فكان الكلارينيت والفلوت ويليهما «الهارب» في مواقف الدراما والحب، ولاسيما آلة الهارب التي عبر بها بعمق في المشاهد الرومانسية التي تجمع البطل بالبطلة. كما نراه يلاعب الكلارينيت بتوازن دقيق مع الفلوت بشكل راقص وسريع بمنتهى البراعة في مواقف السعادة، والجرى، والفرح. أما في المواقف الكوميدية الضاحكة، فكان يميل إلى صياغة «الكروماتيك الهابط»؛ لما يضفيه على هذه اللحظات من بهجة وسرور. وفي النقلات بين فواصل المشاهد ومع بداية كل كادر جديد، كان يستخدم الكمنجات بـ «كروماتيك صاعد سريع»؛ ليسلّمك للمشهد التالي بنعومة وسلاسة، معطياً الإحساس بأن شيئاً جديداً ومثيراً على وشك الحدوث. تلك كانت قمة المتعة والإثارة الموسيقية؛ ولأجل هذا كله، فاق علي إسماعيل أقرانه من صناع الموسيقى التصويرية في العالم العربي، وغدا مدرسة مستقلة بذاتها أحدثت طفرة غير مسبوقة، تميزت بمعزوفات خالدة يعرف قيمتها كل من يحكمه الذوق الراقي في السمع، والأذن الواعية الحساسة في التلقي .
.jpg)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق