music

الاثنين، 15 أبريل 2019

" يوم من عمرى" (الجزء الثالث): بطل الظل وعبقرية الأوركسترا



تُعدّ الموسيقى التصويرية لفيلم «يوم من عمري» قمةً في المتعة، والإثارة، والمهارة؛ إذ جعلت الخلفية اللحنية تفشي لنا بأسرارها، وتكشف عن مكنونات هذا العمل الفني الرائع. فهي التي تُكمل الصورة الرومانسية الحالمة، بتحويل المشاعر المكتظة في الفيلم إلى ما يشبه السحر المتناغم الذي يعزف على أوتار القلوب ويستحوذ عليها قبل أن تستوعبها العقول.مع الموسيقار الكبير «علي إسماعيل»، وصلت الموسيقى التصويرية إلى مرحلة من النضوج الفني والرسوخ العبقري؛ فقد استطاع في هذا الفيلم أن يتفوق على نفسه مثل «حليم» تماماً، ليكون هو البطل الخفي، أو "بطل الظل" الذي لا تراه العين ولكن يحس الوجدان بوجوده سارحاً في تفاصيل الحكاية.لقد قدم لنا تراكيب وجمل موسيقية رافقتنا على مدار العرض، وتنوعت بتنوع المشاهد والحوارات؛ فاستشعرنا حركاته، ومشاغباته، ومداعباته لكل الأحاسيس الكامنة، مستخدماً الأوركسترا في ألاعيب آلاته، ومتمكناً من التوزيع والتنويع حتى أصبحت لموسيقاه هويتها الخاصة من واقع مفرداتها وقوالبها. فقد زاوج بين الكلارينيت، والساكسفون، والفلوت، مع الترامبيت، والكمنجات، والتشيلو، في جمل لحنية حفظناها عن ظهر قلب؛ فبمجرد أن ترتقي إلى أسماعنا وتستقبلها آذاننا، نعرف على الفور أنه علي إسماعيل وليس أحداً آخر.وبمنتهى البساطة، يمكننا التعرف على شخصيته الفنية من خلال التوزيع الأوركسترالي، وتآلفات الآلات الكثيرة المستخدمة، ولاسيما الآلات النحاسية وآلات النفخ الخشبية بجانب الآلات الإيقاعية والوترية، والتي كانت تجتمع لتصنع تناغماً هارمونياً عالياً. لقد صال علي إسماعيل في هذا الفيلم وجال بمنتهى الحرية في المساحات الواسعة للمشاهد وبين نقلات المواقف، فأبدع بتوظيفه لهذه الآلات بأريحية تامة، وأفصح عن هويته الحقيقية متأثراً بالفترة الذهبية التي عمل فيها مع «فرقة رضا»؛ فخلق خلفية للتوزيع نابعة من تمكنه من دراسة هذه الآلات واستغلال إمكاناتها الراقصة، عرافاً كيف يتحكم في الصوت هبوطاً وصعوداً.وربما تجلى هذا في مواقف عدة؛ منها – على سبيل المثال – مشهد "الهروب" بما فيه من توتر، وحذر، وخوف، وترقب؛ إذ نجد أنه استخدم الآلات ذاتها التي أعطتنا إحساساً بالسعادة والفرح، ولكن توظيفه لـ «الكروماتيك الصاعد» في هذا الموقف شحن الأجواء بالتوتر الحاد، فنقل إلينا ذات الإحساس بالاضطراب والترقب الذي انتاب البطلة جراء موقف الأب الصادم الذي سبق عملية الهروب، وهو يقدم لها خطيباً لا تعرف عنه شيئاً.  

 تمصير النغم ومحاكاة الدراما

ولم تنجُ ألحان الأغاني من إبداعات علي إسماعيل؛ حيث صهر فِكر ملحنيها بوضعها في بوتقته التوزيعية، وجعلها نسيجاً واحداً يمثل أرضية للموسيقى التصويرية، فضلاً عن أنه كان يستعير منها بعض المقاطع والتيمات الموسيقية ليفرد لها مساحات خاصة في منتجه اللحني، ولكن بتوزيع آخر يتناسب مع الخلفية الدرامية للمواقف.ويظهر ذلك بوضوح في أغنية « ضحك ولعب وجد وحب »، التي تعتبر من أقوى أغنيات الفيلم نظراً لثرائها الموسيقي الشديد؛ إذ استخدم فيها أوركسترا كاملاً أضاف إليه الآلات النحاسية إلى جانب الآلات الكلاسيكية، مستعيناً بـ « المزمار الشرقي » بعبقرية غير مسبوقة. وفضلاً عن كون الأغنية بحد ذاتها محركاً خارج السياق الجامد للدراما بموسيقاها المعبرة عن الحركة، فقد منحه ذلك القدرة على تنويع توزيعها في أكثر من موضع داخل الفيلم.وربما يرجع هذا التفرد غير المسبوق إلى أن الأغاني في الفيلم كانت محدودة ونابعة من صلب الموقف ولم تشغل حيزاً كبيراً من المساحة الزمنية؛ فكان هناك متسعٌ للموسيقار بأن يخرج بكل ما في جعبته. وقد نجح إلى حد كبير في تحويل اتجاه الموسيقى التصويرية في ذلك الوقت من "الموسيقى المقتبسة" عن الأفلام الأجنبية والمقطوعات العالمية، إلى موسيقى مصرية خالصة تجابه هذا المقتبس وتتفوق عليه.لقد استطاع أن ينوع فيها ما بين الشرقي والكلاسيك، وموسيقى الدراما، والـ «فانتازيا» السريعة، ثم وظفها بشكل ذكي أخرج لنا خلفية إبداعية لا أروع ولا أجمل. فقد اعتمد كثيراً على النغمات السريعة، والقصيرة، والمتلاحقة، ونغمات «النصف تون» التي تريح الأذن، مطوعاً استخدام الآلات وفقاً لطبيعة الموقف؛ فجعل الكمنجات والتشيلو أرضية دافئة للكلام والحوارات، تملأ الخلفية دون لفت الانتباه إليها وكأنها غير موجودة، لكنها في الوقت ذاته مؤثرة غاية التأثير.بينما جعل «الصولو» هو الأساس؛ فكان الكلارينيت والفلوت ويليهما «الهارب» في مواقف الدراما والحب، ولاسيما آلة الهارب التي عبر بها بعمق في المشاهد الرومانسية التي تجمع البطل بالبطلة. كما نراه يلاعب الكلارينيت بتوازن دقيق مع الفلوت بشكل راقص وسريع بمنتهى البراعة في مواقف السعادة، والجرى، والفرح. أما في المواقف الكوميدية الضاحكة، فكان يميل إلى صياغة «الكروماتيك الهابط»؛ لما يضفيه على هذه اللحظات من بهجة وسرور. وفي النقلات بين فواصل المشاهد ومع بداية كل كادر جديد، كان يستخدم الكمنجات بـ «كروماتيك صاعد سريع»؛ ليسلّمك للمشهد التالي بنعومة وسلاسة، معطياً الإحساس بأن شيئاً جديداً ومثيراً على وشك الحدوث. تلك كانت قمة المتعة والإثارة الموسيقية؛ ولأجل هذا كله، فاق علي إسماعيل أقرانه من صناع الموسيقى التصويرية في العالم العربي، وغدا مدرسة مستقلة بذاتها أحدثت طفرة غير مسبوقة، تميزت بمعزوفات خالدة يعرف قيمتها كل من يحكمه الذوق الراقي في السمع، والأذن الواعية الحساسة في التلقي .


وإلى الملتقى فى الجزء الرابع

مع خالص تحياتى : عصام


القاهرة فى 15 إبريل 2019



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق