خريف الوجدان.. وربيع العندليب
إنها رحلة البحث عن "يوم من عمري" في شوارع الواقع
لأنني دائماً أضع قلبي فوق عقلي، فيغدو غير
قادرٍ على الرؤية والرأي، ولأن طبيعة الحياة نفسها تغيرت وإيقاعاتها تبدلت؛ كان من
الطبيعي أن يستشعر قلبي الغربة. لقد ارتبط بأشياء غابت عن عيني واختفت من واقعي،
لكنها انتقلت إلى أعماقي، وبين الحين والحين أستوحيها وأنقلها إلى قلمي لأذرفها
كالدمع على أوراقي، أو على وقع نفسي.أجدني أغمض عيني عن واقعٍ غابت عنه بعض
المؤثرات المسببة للدلالات؛ ويتجلى هذا الاغتراب النفسي بشدة في ذلك الارتباط
بوجداننا، ومنه غياب عبد الحليم حافظ، والتغير الحتمي في عموم الجو الفني نفسه في
مصر بطبيعة تغير الزمن وتبدله. فكان من الطبيعي جداً أن أحلم بالقديم حتى أملأ
الفراغ الفكري بالانشغال الخيالي؛ فأنا لا أحب هذا الواقع ولكني أحب واقعاً
خيالياً أو واقعاً نفسياً.. واقعي أنا! والناس يصدقون الشعراء برغم أن أشعارهم ما
هي إلا ترجمة لهروبهم من واقعهم، حيث تحلق خيالاتهم في رحاب الصورة الجميلة التي
يحبونها أو يحبون أن يروا أنفسهم عليها ويستغرقون فيها. وإن كان هذا انشغالاً
بالذات، إلا أن الواقع يستحق أيضاً أن نهرب منه.من هنا تأتي أهمية الذكريات وحب
الارتداد للماضي والوقوف عند دلالاته طويلاً، وخاصة عند مأثورات الحياة الفنية
التي كانت لها الريادة والإبداع. إنها لا زالت متوافقة مع هوى النفس، وإن كانت
إحدى مؤثراته قد غابت إلا أن دلالته لا زالت موجودة بوجود العمل نفسه؛ الذي أصبح
تراثاً فكرياً يستوحيها الخيال ويشكل منها معادلاً موضوعياً بعالم جديد.وهنا تبرز
مهمة صناعة السينما عن غيرها من الفنون، بحكم أنها تصور الواقع بصورة مؤقتة تثبت
بعض الوقت ثم تتلاشى في واقع مفترض جديد، فيه إيجابية وفيه انشراح؛ وخاصة في
الأفلام الرومانسية ذات الحبكة المدروسة وموسيقاها التصويرية التي تُسعد المتفرج
وتستعيد له الجمال الذي يحتويه بداخله وليس له مردود في واقعه الحقيقي، فتقتل عنده
إحساسه بالملل ولو إلى حين.وهذا كان شأن صناعة السينما في مطلع الستينات التي حققت
طفرة من خلال أفلام كثيرة أُنتجت في هذه الحقبة عبرت بشكل واضح عن هذا الاتجاه،
وتعتبر أحداث فيلم «يوم من عمري» في مقدمة هذه الأفلام التي واكبت هذا الاتجاه
الجديد وجعلت له الريادة الفنية، فمثَّل بحق ربيع عصر السينما الذهبي؛ لأنه يصور
قصة من واقع الحياة ولكن برؤية مختلفة ومعالجة مثيرة. لدرجة أنني كنت أشعر في كل
مرة أشاهده فيها، بأنه يبدو وكأنه يقدم الجديد الذي يعالج الفراغ النفسي الذي يملأ
حياة الناس من واقع الملل الذي يمتص أجمل ما في حياتهم. ومهمة الفنان أن يشرح أو
يقدم للناس ما يعينهم على رتابة الأيام وعلى أنفسهم بعد أن يسلط الأضواء على الذي
يتغلب على متاعبهم، أي يصور للناس نموذجاً صارخاً لما يجب أن تكون عليه حياتهم
كبديل موضوعي لتحقيق أمانيهم وتطلعاتهم؛ فهناك فرق بين الصورة التي عليها الناس،
والصورة التي يتمنى الناس أن يروا بها أنفسهم.لقد صهرت قصة الفيلم التراجيديا
والكوميديا في بوتقة رومانسية عذبة ومشوقة، شحنت إيقاع المشاهدة بالتدفق والإثارة
في مواقف شتى، وعززت موسيقى «علي إسماعيل» التعبيرية هذا السحر حيث واكبت التحولات
الدرامية والعاطفية بدقة مذهلة، لتظل روعة العمل متصدرةً المشهد السينمائي حتى
يومنا هذا. ولعل السر في هذا الخلود يكمن في بقاء هذا الأثر كـ «دلالة» حيّة؛
فبرغم أن «المؤثر» قد غاب، ورحل أبطاله عن دنيانا وطالت غيبتهم، وبرغم أن الأماكن التي
شهدت تصوير مشاهده الخارجية قد طالتها يد التغيير وتبدلت ملامحها، إلا أن روح
الدلالة ظلت شاخصة في تفاصيل الفيلم. وفي كل مرة تقع العين عليه، يستوحيها الخاطر
من خلال خيال ارتبط أزلياً بالربيع؛ ذلك الفصل الذي غدا توأماً لـ «عبد الحليم
حافظ» وليلة شم النسيم التي تربع على عرشها بلا منازع.من هنا، أصبح «يوم من عمري»
مستحوذاً على فكري كلما أوشك الربيع على المجيء، وتستدعيه الذاكرة كلما حلتِ
الأيام المبشرة بقدومه؛ ذلك الشعور الذي يملأ الوجدان إقبالاً على الحياة والحب،
فإذا ما عاد الربيع.. عادت معه الحياة. وهناك، يقفز مباشرة إلى خاطري العندليب،
مستشعراً غيابه ومقدراً للفراغ الكبير الذي تركه وراءه، والذي لم ولن يملأه أحد
غيره؛ فبموته توقف الإبداع، وانطوت حفلات ليلة شم النسيم، ولم تعد لأعياد الربيع
تلك البهجة التي كنت أفيض بها، ولا عدت أحس لقلائد قدومه أي معنى، فيتملكني
الإحباط والملل.ولم أجد أمامي من سبيل سوى الارتداد بكل الحنين إلى الماضي؛ لغياب
المؤثرات الحية بعد أن انقضى زمنها ولم تبقَ منها سوى ذكريات هذا الفيلم التي
تتجلى كـ «دلالة» باقية، غدت هي كل ما أملك اليوم عياناً ويقيناً. فمع كل حضورٍ
ربيعيٍّ كمؤثر كوني يتجدد كل عام ليملأ الوجود ببهائه طبقاً لنواميس الطبيعة،
تتهيج في داخلي المشاعر وتعود بالذهن قسراً إلى الوراء.. إلى تلك الذكريات
الساكنة؛ ليعود معها صراعي الأزلي لطرد الملل من حياتي. إنني ما زلت وثيق الارتداد
بالربيع، وما زلت مسكوناً بوجدان هذا الفيلم؛ فلا يقتصر طربي بمشاهدته على فصل
الإزهار فحسب، بل أستسلم له أينما صادفت رؤيته، حتى صارت مواقفه وحواراته تستغرقني
بشغف متجدد في كل مرة أراه فيها وكأنها المرة الأولى، فيغالبني البكاء مع شارة
نهايته، وكأنني أريد أن أعيد مشاهدته مرات متتالية.ومِن تلك القمة الرومانسية والشاعرية
في فيلم «يوم من عمري» مع مطلع الستينات، هبطنا إلى مستنقع أفلام المقاولات،
والإثارة، واللحم الرخيص، والعنف في بدايات السبعينات. تبدل الحال حيث فرضت هذه
النوعية من الأفلام نفسها وسيطرت سيطرة كاملة على صناعة السينما آنذاك فأحدثت
تغييراً جذرياً وهبطت بمحتوانا الفكري والفني إلى مستوى متدنٍ للغاية، ولا تزال
إلى يومنا هذا تعاني انحداراً وتدهوراً كبيراً إذ أصبحت هذه الأفلام هي الموجة
المسيطرة على قلوب الناس وعقولهم، وبالتالي ظهرت أجيال لا تعرف جماليات الفن
الراقي بما تحمله من رومانسية تغلب فيها المشاعر الرقيقة والأحاسيس الراقية،
وانحسرت الأفلام الرومانسية تماماً.الحقيقة أن التحول الذي حدث في منتصف
السبعينيات كان نتيجة لعدة عوامل كثيرة غيرت وجه الفن، منها تغير طبيعة الجمهور،
وتبدل التركيبة الاجتماعية الاقتصادية، ومعها تغيرت الاهتمامات وظهرت أجيال تبحث
عن الإثارة السريعة والأكشن كبديل للمشاعر الهادئة. إن الإنتاج التجاري (أفلام
المقاولات) حوّل الفن لدى البعض من رسالة جمالية وإنسانية إلى تجارة بحتة تبحث عن
الربح السريع بأقل التكاليف، والاعتماد على إيقاع العصر المتسارع الذي تميز بالعنف
والإثارة، حتى أضحى واقعنا أكثر قسوة وصخباً، فانعكس ذلك على شاشات السينما التي
بدأت تعرض واقعاً مشوهاً بدلاً من أن تقدم لنا "المدينة الفاضلة"
كرومانسية خالصة كان الناس يهربون إليها.إنني أتذكر جيداً كم كان للأفلام
الرومانسية مكانة كبيرة في نفوس الناس، حيث كانوا يقبلون على دور العرض ويتزاحمون
عليها ليحجزوا مكاناً لهم كي ينتزعوا تذكرة عبور إلى قاعتها، فإذا ما حجزوا
استراحوا وإذا ما استراحوا انتظروا؛ إنهم ينتظرون اللحظات التي ستريحهم وتجعلهم
ينعمون بلحظات رومانسية حالمة تأخذهم للبعيد الذي سيخرجهم خارج نطاق همومهم
الدنيوية والنفسية. إنهم يشترون لحظات من الحب بالمال.. ويشترون لحظات السعادة
بالوقوف أمام شباك التذاكر، فالناس لم تكن لتشتري مجرد تذكرة، بل كانت تشتري لحظات
من السلام النفسي.إنني كنت وما زلت واحداً من هؤلاء الذين يبحثون عن هذه السعادة..
إنني أريد أن أرتاح هنيهة، كنت أعود إلى الوراء.. إلى زمن كان يفيض بالود
والنوستالجيا.. إلى زمن كان فيه الفن مرآة للروح والمشاعر الصادقة.. كنت أرى في
تذكرة السينما "بطاقة عبور" مؤقتة كي أخرج من ضغوط الحياة اليومية إلى
عالم موازٍ.. عالم مليء بالجمال والشاعرية. كنت أفعل ذلك كله التماساً للراحة، وكم
كنت أجدها وأنا أستغرق في هذا العمل الذي استوطن هوى نفسي وتأثرت به حتى بكيت،
شاهدتُ بَطَله وتعاطفت معه، وخطفتني شخصيته بدرجة جعلتني أشعر كأنني تقمصت روحه
لدرجة التلاحم والتوحد.لكن الصدمة كانت تترصدني عند عتبة الخروج من دار العرض؛ حيث
يصفعني جوٌ آخر خارج قاعة السينما، جوٌ يورثني الحزن، وضيق الصدر، وخيبة الأمل،
لأنني سأعود لتوّي إلى حياتي العادية أبحث عن الشيء المثير الذي عشت فيه منذ لحظات
واستغرقني في زمن الفيلم؛ ذلك السحر الذي أنقذني، وخطفني من نفسي، وانتشلني من
رتابة الأيام ومن بلادة النفس التي طال مداها كقسوة شتاء طويل وكآبة لياليه، فإذا
بالفيلم يحطم الفراغ الذي احتواني.لذلك كنت أرى أن « يوم من عمري» لم يكن مجرد
فيلم، بل كان حالة شعورية تُغذي هذه العاطفة وترتقي بالذوق العام. ورغم انحسار هذه
الموجة، إلا أن حنيننا لهذه الأعمال يثبت أن الفن الراقي لا يموت، وظل حياً في
ذاكرة من عاصروه وفي قلوب كل من يبحث عن الجمال الحقيقي. وأتوق لبعثه في نفسي طوال
العمر لأشعر بأنني أفضل حالاً، وأرتدي عباءة الارتياح والرضا، ولكم تمنيت لو أن
هذا الزخم الرومانسي المثير الذي عايشته في شوارع الفيلم، يختطفني ويلقي بي في
شوارع الحياة.. ولو بالقوة .


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق