مابين الحين والحين استعذب استحضار ذكريات البداية ، فالبداية كانت نظرة طويلة ممتدة تولدت من موقف معين ، جاءت بها الأقدار من صدفة جمعتنى بها مع أشخاص أخرين يعرفوا كلانا ، امتدت النظرة وقرأت فيها الكثير ، ثم مالبثت أن تركتنى ووقتها لم أكن أعرف من هى ، وندمت بعد أن غابت وغادرت ، ولا أدرى لماذا وقتها ندمت ، ولكن عرفت بعد ذلك واكتشفت أن هذه النظرة الطويلة شقت صدرى واستقرت بين ضلوعى ، ولم أفعل سوى أنى اكتفيت فقط باسترجاع هذه النظرة بينى وبين نفسى حتى استقرت فى أحلامى الياقظة ، ثم تحولت الأحلام لخيبة أمل فى أن أنول مثلها مرة أخرى ، فكلانا مضى كل فى طريقه ، وقتها لم يكن بمقدورى أن أفعل شيئا حتى أتعرف عليها أو لم أحاول ، أتذكر كم عشت مع تفكيرى العميق أياما لعنت فيها خجلى ألف مرة ، لعبت فيه الأمانى بسيناريوهات كان بإمكانى أن أفعلها وقتئذ وأخطو خطوات جريئة فى كيفية التعارف وكان من السهل جدا أن أتعرف عليها ، ولكن لاجدوى من كل هذا ، فقد حدث أن الجمتنى وحاصرتنى بنظرة ثم مضت ، وعشت من يومها على التمنى ، ولم أكن أتمنى شيئا ويتحقق ، فغالبا أمنياتى تكون أحلاما مفضية لأحلام . حتى جاءت الإنفراجة حينما حدثنى صديقى عنها وأنه يريد أن أتقابل معها فى مكتبه ولم أكن أعلم أنها هى، بل راودني طيف السؤال : ماذا لو ذهبت ووجدتها هي .. بشحمها ولحمها؟ وهل تعود الحياة لتأذن بحدوث المعجزة ؟ لكنني سرعان ما رجعت لألوم نفسي، معتبراً الأمر ضرباً من الخيال، ونسجاً من المحال ، فعدت أدراجي أغرق في إحباطي من جديد ؛ إذ كان من المستحيل أن يتجاوز خيالي هذا الحد، أو أن أصدق يوماً أن رؤيتها للمرة الثانية ممكنة . عشت لحظات ثقيلة كأنها دهور ، أرقب الوقت وأحصي الثواني والدقائق . وما كدت أنتظر عند صديقي مجيئها حتى لاحت هي في الأفق، فإذا بالمفاجأة تشرق في روحي كشمسٍ ولدت من رحم العتمة، لا تُحجب ولا تُرَد. غمرتني فرحةٌ حقيقية انتشلتني من شتاتي ، وكأنما رُدَّت إليَّ روحي ، بل وكأني استرددتُ ذاتي من ذاتي . فرحتُ بها حتى ضاقت بي أرجاء الدنيا، ورحتُ أطير لا تسعني فرحتي، وأنا أتساءل في ذهول : هل آن للأحلام أن تتحقق لى وبهذه السرعة؟ . ولكن ماأن وقعت عينى على عينها حتى خيمت علينا لحظات صمت عجيبة .. مثقلة بالارتباك ؛ وكأن كلاً منا يبذل جهداً مضاعفاً ليحافظ على ابتسامته كلما التقت عيوننا. وفي الوقت ذاته ، كان كل منا يتفحص الآخر بعمق ، باحثاً في ملامحه عن سر النظرة الأولى ، أو باحثا عن حنينٍ لحبٍ ضائع ، أو طيفِ ذكرياتٍ قديمة يتلمس عودتها . ورغم أنني حينئذ لم أستقر على شكل حدود العلاقة التي أريدها أو كيف ستبدأ . ولكن راقنى كثيرا أن أنظر فى عينيها متسعتى الحدقة بنظرة أخرى طويلة كى اكتشف سرهما .. إننى لم أحفل فى حياتى بمثلها قط ، والذى لم أستطع أن أفسره وكنت أتوقف عنده كثيرا أن كل منا يشعر بأنه كان يعرف الأخر فى حياة سابقة ، كأن الأرواح تتقابل قبل الوجوه ، وأن الذى جمعنا هو القدر ، إذ أنه كان ولابد أننا سنتقابل يوما ، كل ذلك زاد من حرصى بأن أجعلها من أولويات احتياجاتى حتى ولو استمر معها فقط دون أن أحدد طبيعة هذه العلاقة.
كنت حينما أنظر إليها فى المرات القليلة التى جمعتنا أشعر بهذا الذى لاأشعر به إلا وأنا معها ، لايمكننى أن أقول إنها حبيبتى أو صديقتى ، وأظن كل الظن أنها هى أيضا بداخلها نفس الإحساس ، كنت أشعر بنبض مختلف مختبئا بين أضلعها .. أحبته هى ولاتشعر به إلا كلما تلفتت نحوى وتلتقى عيناها فى عينى ، شيئ أحسسته وأستشعرته من قراءة دقيقة للغة العيون التى كانت هى الاساس فى التعارف ، ولكن لايمكنها أن تقول إنى حبيبها أو صديقها ، رغم أن مابيننا يصلح أن يكون كذلك ، فعلاقتنا عبارة عن مزيج من كل إحساس جميل وصادق يمكن أن يقرب بين اثنين ، لذا لم يفكر أحدنا توصيف مابيننا أو يبث إحساسه للأخر ، وتركنا لمشاعرنا حرية الحركة ، تنمو وتتشكل كما يروق لها وكما يحلو أن تراه ، فنشأ بينى وبينها نوع من الألفة أو من الصداقة لازالت مستمرة حتى الأن ، وأنا أكذب على نفسى بأن اسميها صداقة ، لقد كنت أعرف أن مابيننا أكثر من مجرد صداقة ، اصطلحت بينى وبين نفسى أن اسميها صداقة عميقة ، ولكنى لم أكن أريد أن أعترف بذلك حتى لاأتعذب أو أخسر ماكسبته ، فاكتفيت فقط بأن عاشت بداخلى .. فى الظل كحلم ، وحلمت ، وتماديت فى أحلامى ، كنت أحس وكأنى لم أعد وحيدا ولامحروما ، ولكنى كنت دائما أشعر بالخوف والرهبة ، مثلما كنت أرتب نفسى وحاجتى إليها التى كانت تزداد على مر الأيام ، وجودها بحياتى محت كل صور اللاتى قد عرفتهن من قبلها لأصبح وحدى أمام عنفوانها فى مجابهة قدرات علاقتى بها التى كانت تأخذ أشكالا مفاجئة ، فتوشك أحيانا أن تكون قصة حب ، لكنها تحول نفسها فجأة إلى مايشبه الصداقة ، وقبل أن أتأكد من ذلك تحول نفسها إلى قصص أخرى متلاحقة لاتحاكى شيئا محددا ، وعندما تبدأ قصة منهن فى السرد عن شيئ محدد ، تحول العلاقة نفسها إلى مايشبه السجايا التى تُحكم النفس فتتقاذفها الأقدار ولاتصل إلى نهاية منطقية ، ولاتقيد نفسها بشكل معين ، أو بإحساس واحد ، ياله من قدر .



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق