مرت أيام عاشا فيها أجمل أيام عمرهما حيث تكررت لقاءاتهما العفوية الجميلة . أما هو فكانت السعادة لاتسعه بل تعدت ذلك بكثير إذ رأى نفسه أنه ليس من أهل الأرض .. حيث أن خياله الخصب حلق به فى مدار السماء ليطوف به على سحابة بيضاء إلى آفاق لم يتسن لأحد قبله أن يصل إليها ، وأدرك أن نعمة الحب واتته وبه أصبح يعيش أجمل أيام عمره ، وتعجب من خجله الذى كان سيكلفه إقصاء هذه النعمة عنه ، نعمة لم يكن ليشعر بها إذا أصر على انطوائيته . أما هى فقد شعرت بالحب يسرى في كيانها الأنثوى . وأنها ولأول مرة تشعرأن قلبها ينبض ويدق على رأسها بقوة ويجعلها تحلم بالليل وتسرح النهار .. إذ أن الحب حول حياتها إلى نعيم مقيم ، بعد أن عاشت وهمه فقط فى القصص التى كانت تسمعها وتقرأها ولكنها لم تكن لتشعر بما تشعر به الأن من جمال فاق كل حد . مرت عليهما أيام ومضت ليالِِ، عاشا فيها أجمل أيام عمرهما .. ليتها دامت ، فقد كانت أجمل وأحلى مافى الحياة . ولكنها الدنيا .. وماأدراك ماالدنيا .. فلكل شيئ إذا ماتم نقصان .. فلا يُغَر بيطيب العيش إنسان .. وماحلا صفو عيش إلا وكُدر بزواله .. وهاهى الدنيا لاتُبقى على أحد ولاتدوم فيها سعادة مهما طالت .. ووهج الحب وإن طالت شعلته لن يستغرق عمرا ولاشيئ فيه يبقى على حاله . ففى أحد الأيام التي أعقبت أجمل حلم عاش عصام حقيقته وجد نفسه يواجه مالم يخطر على باله . فى صباح ذلك اليوم المشؤوم وقفت ميرفت فى الشارع ترقبا لظهوره .. على غير عادتها ، شاردة الذهن واجمة تقلب بصرها فى وجوه المارة القادمين فى الاتجاهين بشغف ، عيناها شاخصتان معلقتان بالطريق فى قلق بالغ ، وماأن رأته حتى أقبلت عليه فى لهفة . رمق خطواتها المتناقلة ، وقد أوشكت على السقوط من فرط الإعياء ، وعندما أقتربت منه أكدت عليه ضرورة مقابلتها بعد منعطف الشارع لأمر طارئ لايحتمل التأجيل .. تفرّس فى وجهها فرأى أنفاسها المتلاحقة غشاها الذعر ، ويديها ترتجفان بارتعاشة .. وبدت مكفهرة الوجه تتراقص ظلال أهدابها الطويلة على خديها المتقدين كأنهما جذوة من نار .. مدت أناملها المرتعشة إلى عينيها الجميلتين وجففت بعض الدموع . بدا القلق ينتابه بشدة عندما شعر بما يشبه الضيق يطبق على أنفاسها ويكاد يخنقها . واجهته بانزعاج بالغ ، فقد أضناها البحث عنه يومين ، تترقبه بلهفة أى سانحة لتبلغه بالأمر ، ولكن أعياها الأثر ، وأُغلقت فى وجهها سبل الوصول إليه ، حتى رأته فى ذلك اليوم الذى سوف يشهد سلسلة من الأحداث لم يكن بالإمكان أن يتوقعها ولاتخطر بباله أن تأتى بهذا الشكل . أخذ ينظر إليها .. وينظر .. وينظر ، إلى أن أغمض عينه ، بعد أن أبلغته بأنها ستسافر عصر اليوم ولن تعود ، الصدمة جعلته لايريد أن يسمع منها أى شيئ أخر .. سكت ولم يستطع أن ينبس بكلمة من هول الصدمة وكأن صاعقة من السماء انقضت عليه لتتركه حطاما عاجزا عن الحراك والتفكير .. أطبق على رأسه بكلتا يديه كى يمنعه من الانفجار والتطاير .. حتى أوصاله اضطربت أشد الاضطراب.. وأسودت الدنيا فى عينيه ، ورفع لها وجهه الفاقد لكل معانى الأمل وقد ازدرد ريقه، وغاب عقله المشتت بين الحقيقة المرة والتمنى . إن عقله لم يستطع استيعاب الموقف حيث أدرك أنها هذه اللحظات ستكون هى اللحظات الأخيرة التى سيتكلم فيها معها . كانت أعماق الاثنين تموج بانفعلات شتى ساد الصمت خلالها .. صمت أليم موجع . تساقطت دموعه صامتة كخيوط خفية لتستقر عند شفتيه ، مد طرف لسانه يقتات دمعة مالحة ساخنة بمرارة ألم فاق طاقة احتماله . أما هى خانتها عيناها ، فاستسلمت لغزارة دموع انهمرت وأبت أن تعرف طريقا للحبس .. دموع متمردة على محاولات الكبح كجدول حزين لايكف عن التدفق . كان هو أول من حاول جاهدا التماسك بأن يسيطر على دموعه كى يركز معها ويستوعب كل كلمة تقولها حيث رفع إليها بصره وقال لها فى مرارة : لا تصعبى علينا الموقف أكثر من هذا ، ماعدت أقوى على التحمل ، فكل شيئ تقريبا قد انتهى . حاولت تضميد انكساره وبث أمل واهن فى نفسه ، بينما كانت هى ذاتها غارقة فى دمارها ، تتحدث بكلمات لاتعيها ودموعها تسابق كلماتها حتى غمرت وجهها دون أن تشعر فقالت له : ولكن ربما نتقابل مرة ثانية ، مين عارف . قال لها باقتضاب : وماذا يفيد ذلك الأن؟ ثم صمت . أطرقت برهة ، تترقب منه كلمة تجبر كسرها . لكن بدا على عصام أثر الصدمة التى أصابته بعنف حيث لزم صمتا أخرس .. عاجزا عن التدارك . أحست ميرفت بتقلص وجهه وبدا لها كأنه قدُ من حجر . ثم نظر إليها بإشفاق بعد أن جثم الحزن على كامل هيئته ونطق بعد فترة صمت طويلة والدموع تغالب عينه : إننى لاأجد ماأقوله .. ثم أشاح بوجهه عنها ولم يستطع النظر فى وجهها العابس الذى امتقع لونه وأكفهر . أما هى سكتت فى وجوم ولم تجد أيضا ماتقوله سوى أنها واصلت دموعها المنهمرة الهاطلة التى تبكى تباريح الحياة والمكان .. ثم عادت لحظات الصمت بينهما من جديد .. الصمت الذى لم يكن وراءه إلامجهول .. إذ لم يعد هناك مجال لكلام يُقال . انتهى اللقاء الصعب عند هذا الحد ، استأذنت حتى لاتغيب عن أمها فالساعات المقبلة متخمة بتجهيز الشنط والمنقولات والأمتعة . وقبل أن تمضى مددت يدها وأخرجت من جيب معطفها ظرفا أغلقته بإحكام ، وبدا عليها ألم مروع .. كانت تُطبق على الظرف بعصبية وهى تدسه فى جيبه وتهمس له : عصام يمكن مش هنشوف بعض بعد كده ، ولاأتصور الحياة بدونك وهتشتاق إليك كثيرا ، من أجل هذا سأترك لك هذه الرسالة فيها من نبضات قلبى .. وفيها من دموع عينى .. وفيها كل إحساسى ومشاعرى وعواطفى تنبض مع كل حرف كنت أكتبه لك .. وهذا أخر مايمكن أن أمنحك إياه .. إنها ليس رسالة فحسب وإنما وثيقة حبنا .. احتفظ بها واجعلها تذكارا من أحبتك بكل جوارحها . وأرجوك ألا تفتحها إلا بعد أن أغادر . سكنت ولكن جسدها كان يصرخ بانهيار تام وينتفض لاإراديا .. فما بعد هذا الصمت إلا الفراغ . أخذت خطواتها تجرها من أمامه فى إطراق ، وكلما بعدت خطوة من أمامه تلفتت وراءها وتنظر له بنظرات حانية تريد أن تملأ عينيها بكامل صورته لتحتفظ بها على الدوام . أما هو لم تعد أعصابه تستطيع تحمل هذ الموقف ، فالرجوع لايفيد والفراق يطرق أبوابه بعنف ، أخذ يتابع خطواتها حتى غابت من أمام عينيه ثم تلاشت . تسمرت قدماه ولم يستطع أن يتحرك ولم يصدق نفسه أنه لم يرها بعد اليوم .. ولن يسمع صوتها بعد هذه اللحظة .. وإنها ذاهبة وستغدو ملامحها فى ذاكرته مجرد طيف أو صورة مرتسمة فى قلبه وعقله .. وعيناها التى طالما تمتع بالنظر إليها ستصبح مجرد وهم .. وصوتها فى أذنه مجرد رجع صدى بعيدا ، بعد أن كانوا جميعا حقيقة أيامه . إن حبهما سيغرق فى غياهب الزمن القاسى ، لتنتهى حكاية المشاعر الحقيقية وتصبح مجرد خيبة أمل تطوى معها كل شي إلى الأبد .
وإلى لقاء أخر فى الجزء السابع

مع تحيات : محمد عصام القاهرة فى : 18 مايو 2026


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق