music

الجمعة، 26 أكتوبر 2018

فى ظلال الخريف



ينبت الزهر فى الربيع 
ويخرج من أكمامه
رَيّا بديع
يلاطف المدى
وعلى الغصن الفريع
رفت أفواف كاساته 
 تُراقص الهوى 
وفى المُروج الوديع
زهو أقحوانه
مُفلج الشِفاه
يداعب الندى
...



نسمات من نشج بديع
باسم الثغر غرير
حامل البشائر مليح
على البساط ارتوى
والورد والريحان
بين الخمائل
من الفجر إلى الهزيع
ناغضا الطرف استوى 
والطل فوق الياسمين
وبواكير الفل
ممددة الخطا ذريع
على الأرض احتوى
والدوح والصفصاف
والسوسن على الضفاف
عبق أريج الربى المطيع
برحيقه الحلو اكتوى

... 


والبلبل الصداح
للأغصان شفيع  
يصيح بهدير يترنم
محلقا فى الآفاق المخيم 
يداعب الصبا بفنه الرفيع
حتى أمسى الربيع غيومه
وعند باب الخريف 
لاحت سهوده
يبكى صبابة المُغرم
ويلقى بقايا نبتاته 
ثُلة من نبت ضريع 
...


والليل غابت عنه الأنجم
وتوارى فى الظل أماله 
والوقت يمرق أمامه
كالسهم النافذ السريع
فتجهمت الأمانى
وترعرعت آلامى
واشتد الجوى
من واقع الفراق المريع 
...



مرتع الشبيبة انزوى
لفَظَ الفرح وانجلى 
بقايا آنات عاطرة
زفرات أنفاس حائرة
لعنفوان وجد قد خبا
بمشاعر الأحبة قد هفا
شعاع يتوارى فى الأفق
غارق فى غسق المدى
تحفه شمس الغروب
وأنواء الدجى
ليبق شعاع الأمل
وقناديل السنا
مذ حط شحوب المسا 
توقظ الحنين

...

لازلت اتمسك بظلال حلم
أكلته الظلمات
ينثر الشمس رفات
يركم سحب الأمانى رماد
باحثا عن بصيص من ضياء
لتخضر الأرض الموات
آتيا بفرط حنين الذكريات
كاشحا عن صدرى 
بُعد المسافات
حالما ببعض النهار
والوقت الذى أنهار
وثمة ليالى 
لها من نسيم الهوى 
أسحار
كانت تروق لى ..
تلوح بى ..
تتراقص أمامى
بخواطف الحركات
...


وهاآنذا
أقف من زاوية الشحيب
هناك فى الركن الكئيب
أرقب عنقها الجميل
يتمايل على غصن الأمانى
يتحرك .. يتراقص أمامى 
بزيها الأخضر الفسيح
لتسكن كبريائى ..
بالكاد أرمق نظرة 
من ملامح ممتعة
فى الفتنة والجاذبية .. ناعمة
فواحة .. لواحة .. فاتنة
ملساء .. همساء .. حالمة
أشاعت فى نفسى بهجة
راحة برجفة واجفة
أنا .. مثل حروفى ..
مثل نظراتى .. 
مثل أنفاسى ..
لاهثة 
...

كنت أرمقها وردة حالمة
أنبتُها فى أرض جادبة
وأسقيتها من نهر العبرات
من همسات مؤلمة
من جرح القلوب
ودمى الحدقات 
وجوانح لم تبق سالمة

فتولت .. 
ومن بعدها الشتات
ولم تبق إلا سيفا
لايترك وراءه إلا الطعنات
طعنات الغدر والهجير
وبُعاد المستجير
ومنع الطيور من المجيئ 
ووأد الربيع فى المهود 
قد يمضى زمانا ويعود 
وربيعى ولى مدبرا
وغادر الحدود
بِلا ثمة أمل ولاعهود
ولم يركن يوما للخلود
فالصِبا مضى 
وهجر الوجود
وترك القلب مصفود 
آنس السقيع والبرود 
والشحوب المكتسى 
على الخدود
ولكنه لم يعرف يوما 
معنى الجحود
ولايملك من حطام الدنيا 
إلا المشاعر الطيبة 
وفكر ودود 
حتى صرت للناظرين
حلما بآفاق السرور
ونغم الحبور
يبدعه المحبون
يراقصه العاشقون 
حلما يملأ الصدور 
وشذا لأحاديث الليالى 
عن ذكريات ذى شجون
...

 هاآنذا
أبدو وقد خارت قوايا
وأصبحت فى الحنايا
أستريح ..
واحتجبت عن منايا
فى مخدع الريح
تبدل صوتى الصدى
ومن أغنياتى الفحيح
وفى عالم الوجدان 
مجرد ذكرى
وفى دنياك 
بعثرة هواء 
وفكر كسيح
...

لاتلوموا الخريف 
لو عشق الزهر 
وتاقت عيونه بجماله
لاتلوموا قلبا 
عشق يوما وهج الحياة 
وقاده الشوق لألامه  
ومن العشق 
يلملم عذابه
لاتلوموا نفسا 
هامت حبا 
لبريق وهم 
عشقت سرابه 
...


لاتلوموا حبا 
أشعلت من أجله 
حطب الأيام 
حرائقه ..
واقتلعت الخوف 
من نبض القلب 
براثنه ..
ولكنى أدركت 
أن عشق الهوى
مثل الدنيا 
وهم لايدوم
استبقك على الحزن 
مهموم
وتركك بالحلم 
مذموم
ينشد الأمل
بالرمق الأخير
وهم مزعوم
لايبقى له أثر
إلا بقايا من عطور .

مع تحياتي: عصام  

 القاهرة في أكتوبر 2018








الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

حتى أخر العمر



أستشف الوجد 
من عمق الدهر
خصال
عقود ولت  
للعاشقين فيه آهات
ومن وسادة الأحلام
آثرت الوصال 
حتى أضعت العمر 
أبحث عن هوايا 
ورغم التلاشى والخفايا
وجدتك فى أعماقى 
تعيشين فى الحنايا 
وتأسرين القلوب
بالإنفصال
فلاتتعجبين أنى رأيتك 
فلكم تاه قلبى 
فى هواك عمرا
ولم يعد إلا بقايا
وزخم الحزن شظايا
بعد أن انتحرت خطاه 
وعاش معك 
بضمير الغيب سرا 
ولم تعد عيناك تراه 
ودفن قصة عمره 
انقاضا يبكيها صباه
ولايزال يراك فى البعاد
ويسخر من منتهاه
وأنت كما أنت 
تأثرين الصمت
وتقفين على جسور الأحزان
تنسجين من مغيب الشعاع
خيوط العتمة والظلام
وتزرعين الخوف
في ثرى العراء



ويوم عاتبنى قلبى
كيف تركتنى وحدى 
فى الدروب
وخدعتنى بلا ذنوب  
صرخت وثبا
من زمن الوفاء
لشحذ الهمة 
من البكاء
واستشراف  
ساحة الدفء والعطاء
ثم انتبهت ..
أن العمر يشدو ماضينا
وزعمت ..
أن الحلم فينا راجينا
وتوهمت ..
الولوج إلى وريدك
والوصول لضميرك
والسباحة بين ضلوعك
لأزرع نفسي في الحشوات
وأحرق أحزاني
الساكنة في الخلجات
وآوى بقية عمري
بين حنين قلب وهمسات
ورغم بعد المسافات
تأوين لأحضاني
تستنشقين رحيق أعشابي
وترمين همك على ذراعي
وتسترجعين عمرا 
للزمن مرق وفات ..



حلم يلفه ثوب الخريف
أشب من ورائه بارتياح
لألقى بذور الأمل من جديد
تخضر على أرض الذكريات
تهيج لها تربة الأماني
تستقبل ضيفها الجديد
القادم من بعيد
يتفتح معها زهر وليد
ينمو ليعانق عنان السماء
يداوى جرح ساكن
ويحرك كل السواكن
كان جاثما في أشجاني
ليل وبقايا انفاس وكلام
مفتون أنا بعبق اشتياق
كامن بين تيه آلام وملام
لقلب لازال مسافرا
عبر أزمنة الحصار
هائما
يبحث عن مدار
حالما
أن يفك رموز ليل المرار
يستشرف الحلم بالنهار
ويستدر عطف شمس
تشرق من وجنتيك
وتساطع أنوارها
كلما استدارت الأقمار
تاركة فوق شفتيك
أجمل رسالة ..



إنى عشقتك وهذا قرارى
أحدث به نفسى
ومع من ينادم أسحارى
يحمل عطرا انتشيه
وفكرا استميله واستجديه
وروحا تصغى لساعة الشوق
وتسترجيه 
فالتمسى حلو الحديث فى حوارى
كلما دخل كوكبك مدارى
وانهلى من عطائى
وافهمى أطوارى
فلا أحد غيرى
يعطيك مراسيم الهوى
ولاأحد غيرك
يقف على باب مزارى
وإن كان لى موطن
فأنت موطنى
وحبك هو دارى ..



يافاتنة الأمل سأبقى هاهنا
استنشق عبقك
فهى نعمة أقدارى
ورفيقة أحلامى
ليس للعاشقين 
فيه ضباب
ولا فوق الشفاه 
مسار وتراب
ولا للحب فيه عذاب
ولا للمضي فيه غياب
ولا يغتال طعم الرضاب
بل ستضمك مشاعر وأهداب
وتحميك دموع تنساب
وسنمضي حتى أخر العمر
يحسدنا كل الأحباب
وحتى إذا انقضى العمر
ستضمنا كلمة واحدة
عنوانا يحتويها ألف كتاب
ليس للأماني فيها سراب
ولا بقية مُدام ولا شراب
لا بتذال فيها ولا مرام
كلمة حب واحدة 
فيها من العفة 
والرزانة والإحترام
فنحن من كنا نستعذب 
فكر المحبين الكرام
ونحن أيضا من أحبوا
ولكن من زمن الغرام
العتاب فيه يحلو 
لا نقطاع فيه ولا انصرام

مع خالص تحياتى : عصام
القاهرة في 26 سبتمبر 2018





السبت، 1 سبتمبر 2018

شخابيط على جدران الجموح (7)



تعجبنى الطريقة التى نتصرف بها فى علاقتنا ببعضنا البعض .. أنا وهى لكونها بلا اسم ، ولا تندرج تحت أى مسمى من مسميات العلاقات المعروفة ، لذلك نجد أن كل منا يحمل الأخر فى روحه طول الوقت بلا إجبار ولا ضغوط من الأخر ، ربما لو كان لعلاقتنا اسم لصار كل منا يحمل الأخر على ظهره ، ومهما تحملنا فإنه سيأتى علينا الوقت الذى سنجده عبئا قد يثقل كاهل أيا منا ، ويومئذ سيكون هذا أمرا معقدا ومتعبا للنفس والقلب ، أحيانا قد تأتى فكرة أن يلغى أحدنا الأخر ولو لبعض الوقت ، ولكن لاأحد منا يستطيع أن يلغى شيئا من روحه فى أى وقت ولا لأى سبب ، ليظل مابيننا ممتدا بلاانقطاع لانكفان عنه كل الوقت ولا طول العمر .     


كنت قد ظننت انها تفهمنى وكم من مرات أمر فيها على ذاكرة القلب التى تملأ جوانحى ولا أبالى ، ثقة فيها ، ربما خدعت نفسى بأنها تفهمنى ، فقد مرت سنوات طويلة على الوقوف عند حد التراضى لولا أنها داهمتنى فجأة وبلا مقدمات بردود أفعال أدهشتنى وقلت لنفسى الصمت أبلغ فى مثل هذه الحالة المشحونة بشتى الاحتمالات ورحت أهتف لنفسى من داخل نفسى :
ماأصعب أن تمضى أبدا
نحو منحدر بلا سطوح
وتتخبطك خطاويك
حد الوقوع
وتهوى نفسا
بلا شيوع ولاذيوع
وتمخر بحار الهوى
بلا شراع ولاقلوع
ماأصعب أن تهوى أملا
فى الهوى منوع
وتمضى ليال طوال 
لاقمر فيها ولاشموع
ماأصعب أن تضحك أبدا
فى وجوه الناس
وقلبك يئن ألما
وتبكى بلا دموع
وتمضى فى طريق
الأهون فيه بلا رجوع


إننى لم أعثر على السعادة الحقيقية إلا فى لحظات قصيرة وعابرة ، بينما اتجهت حياتى كلها للمتقلبات ، وكأن استيقظ فيها شيئ بعد سبات طويل حاملا معه أسرارا لم يكن لأحد أن يعرفها ، خطوات تتعالى تحمل معها رائحة الماضى التى لم تتم كما أهوى ، ولا كما كنت أتوقع لها ، ومخاوف الحاضر الذى لازالت تحمل مقدراتى وسط بحر لجى لامهرب منه ولاأمل للنجاة فيه ، أما رسائل المستقبل فهى الأخرى تحمل لغزا لإرهاصات لازالت مجهولة ولايعلمها إلا الله ، بينما كنت متجها فى طريقى توقفت لأنظر لنفسى فى مرآة السيارة واصابتنى الدهشة على ماوصلت له من حال ، كم سنة مرت من الجرى وراء السراب ؟ ، وشردت للحظات كنت فيها لاأفكر فى شيئ ، ثم وضعت نظارتى السوداء على عينى وقدت سيارتى فى اتجاه مجهول .



القاهرة في أغسطس 2018

الأربعاء، 1 أغسطس 2018

شخابيط على جدران الجموح (6)


تعجبنى الحالة التى تبدعها فى كل ظهور لها ، كأنها تريد أن تشعرنى بقوة حضورها وما يفعله بى تواجدها ، ويدهشها إحساس السعادة الذى يملؤنى لحظة رؤيتى لها ، وشعورى ناحيتها ، فكلانا يرى نفسه  فى عيون الأخر بزاوية معينة مسكوت عنها ، ولكنها موجودة بداخل كل منا بشكل آمن أحيانا ومحير فى كثير من الأحيان . أنا عن نفسى أراها هكذا شخصية عفوية تتعامل بتلقائية شديدة .. منطلقة وبسيطة إلى أقصى حد ، تبدو للجميع سهلة وقريبة ، وفى نفس الوقت صعبة وعنيدة ، هى بالضبط كحلم هلامى ، مهما سعدت به فإنه يطير فى التلاشى كفقعات فى الهواء ، من يعرفها لابد أن يحبها ، ويحب روحها ، وكل من يرتبط بها لابد أن تكون مشاعره تجاهها أرقى وأجمل من أن يحاول إخفاءها ، إذ رسخت فى نفوسهم احساسا بأنها دائما فى الجوار ، تاركة لهم مساحات شاسعة يفسرون فيها مايعن لهم ويدور فى أذهانهم من أهواء ، ولم أغضب عندما كانوا يخبروننى بذلك عنها . فهذا يعطينى ثقة بأن اختيارى لها كان صحيحا . غير أن كوامن الغيرة كانت كثيرا ماتنغص علىّ حياتى وتجعلنى كالمشدود بين حبلين يجذبنى كل طرف منهما جذبا بقوة واحدة فلا إلى يمين ولايسار ولا إلى راحة ولااستقرار ، هكذا إلى غير نهاية  ، وضاعف من هذه الحالة ذكاؤها الحاد وطبيعة ذهنها وتفكيرها الهادئ بتؤدة ، فهى من الذكاء والدهاء الأنثوى بحيث لاتُقدم على عمل يختلف فيه الوجهان ولاتقبل أبدا التضليل ، وهى فى تفكيرها وطبيعة ذهنها تخلق كل الاحتمالات الكثيرة ، وتختار منها مايناسب منطق عقلها .
إن الخيال استبد بى حتى أصبحت لاأفرق بينه وبين الحقيقة .. أصبحت أتصورها بطلة لكل شيئ أكتبه ، وأن كل خاطرة أكتبها ماهى إلا خطاب مفتوح لها دون أن أرسله إليها . ولم لا وأنا لم أجد من يبرز فى خيالى وأنا فى حيرتى إلا سواها ، إننى لاأدرى لماذا أفكر فيها واحتاج إليها كلما تعقدت الحياة حولى رغم أن ظروفى غير ظروفها وبجميع النظريات الحياتية ألا نلتقى فى شيئ ، ومع ذلك بدت لى وكأنها الإنسانة الوحيدة التى تستطيع أن تدلنى على طريقى ، وكأنها الإنسانة الوحيدة التى تعلم كل شيئ عن الحياة .. حياتى .



القاهرة في أغسطس 2018

السبت، 14 يوليو 2018

شخابيط على جدران الجموح (5)



مابين الحين والحين استعذب استحضار ذكريات البداية ، فالبداية كانت نظرة طويلة ممتدة تولدت من موقف معين ، جاءت بها الأقدار من صدفة جمعتنى بها مع أشخاص أخرين يعرفوا كلانا ، امتدت النظرة وقرأت فيها الكثير ، ثم مالبثت أن تركتنى ووقتها لم أكن أعرف من هى ، وندمت بعد أن غابت وغادرت ، ولا أدرى لماذا وقتها ندمت ، ولكن عرفت بعد ذلك واكتشفت أن هذه النظرة الطويلة شقت صدرى واستقرت بين ضلوعى ، ولم أفعل سوى أنى اكتفيت فقط باسترجاع هذه النظرة بينى وبين نفسى حتى استقرت فى أحلامى الياقظة ، ثم تحولت الأحلام لخيبة أمل فى أن أنول مثلها مرة أخرى ، فكلانا مضى كل فى طريقه ، وقتها لم يكن بمقدورى أن أفعل شيئا حتى أتعرف عليها أو لم أحاول ، أتذكر كم عشت مع تفكيرى العميق أياما لعنت فيها خجلى ألف مرة ، لعبت فيه الأمانى بسيناريوهات كان بإمكانى أن أفعلها وقتئذ وأخطو خطوات جريئة فى كيفية التعارف وكان من السهل جدا أن أتعرف عليها ، ولكن لاجدوى من كل هذا ، فقد حدث أن الجمتنى وحاصرتنى بنظرة ثم مضت ، وعشت من يومها على التمنى ، ولم أكن أتمنى شيئا ويتحقق ، فغالبا أمنياتى تكون أحلاما مفضية لأحلام . حتى جاءت الإنفراجة حينما حدثنى صديقى عنها وأنه يريد أن أتقابل معها فى مكتبه ، ولم أشأ أن أصدق نفسى أنه بالإمكان أن أراها مرة ثانية ، طرت فرحا ولم تسعنى الدنيا ، هل حقا ستتحقق فرحة عمرى ، وبهذه السرعة . عشت لحظات منتظرا طال بها الزمن أرقب الوقت وأعد فيها الثوانى والدقائق والساعات ، ولم أصدق نفسى حتى رأيتها كأشراقة شمس لايستطيع أحد أن يمنعها أو يحجبها ، فرحت بها .. فرحة حقيقية ، أحسست بأننى استرد نفسى من نفسى . ولكن عندما رأيتها سادت بيننا لحظات صمت عجيبة .. ثقيلة .. صمت فيه ارتباك ، وكأن كل منا يبذل مجهودا خرافيا كلما نظر فى وجه الأخر ليحتفظ بابتسامته .. ولكن فى ذات الوقت يتفحصه كأنه يبحث فيه عن سر النظرة الأولى التى جمعتنا ، أو حب ضائع قد غادر حياته ، أو حتى ذكريات قديمة يتلمس عودتها . ورغم أننى وقتها لم أكن متوقفا عند حدود وشكل العلاقة التى أريدها ولاكيف ستبدأ ، ولكن راقنى كثيرا أن أنظر فى عينيها متسعتى الحدقة بنظرة أخرى طويلة لم تحفل حياتى بمثلها قط ، والذى لم أستطع أن أفسره وكنت أتوقف عنده كثيرا أن كل منا يشعر بأنه كان يعرف الأخر فى حياة سابقة ، كأن الأرواح تتقابل قبل الوجوه ، وأن الذى جمعنا هو القدر ، إذ أنه كان ولابد أننا سنتقابل يوما ، كل ذلك زاد من حرصى بأن أجعلها من أولويات احتياجاتى حتى ولو استمر معها فقط دون أن أحدد طبيعة هذه العلاقة . 

كنت حينما أنظر إليها فى المرات القليلة التى جمعتنا أشعر بهذا الذى لاأشعر به إلا وأنا معها ولها ، لايمكننى أن أقول إنها حبيبتى أو صديقتى ، وأظن كل الظن أنها هى أيضا داخلها نفس الإحساس ، كنت أشعر به كلما تلتفت لى .. أشعر بنبض مختلف تحبه ولاتحس به إلا عندما تنظر لى ، شيئ أحسسته وأستشعرته من لغة العيون التى كانت هى الاساس فى التعارف ، ولكن لايمكنها أن تقول إنى حبيبها أو صديقها ، رغم أن مابيننا يصلح أن يكون كذلك ، فعلاقتنا عبارة عن مزيج من كل إحساس جميل وصادق يمكن أن يقرب بين اثنين ، لذا لم يفكر أحدنا توصيف مابيننا أو يبث إحساسه للأخر ، وتركنا لمشاعرنا حرية الحركة ، تنمو وتتشكل كما يروق لها وكما يحلو أن تراه ، فنشأ بينى وبينها نوع من الألفة أو من الصداقة لازالت مستمرة حتى الأن ، وأنا أكذب على نفسى بأن اسميها صداقة ، لقد كنت أعرف أن مابيننا أكثر من مجرد صداقة ، اصطلحت بينى وبين نفسى أن اسميها صداقة عميقة ، ولكنى لم أكن أريد أن أعترف بذلك حتى لاأتعذب أو أخسر ماكسبته ، فاكتفيت فقط بأن عاشت بداخلى .. فى الظل كحلم ، وحلمت ، وتماديت فى أحلامى ، كنت أحس وكأنى لم أعد وحيدا ولامحروما ، ولكنى كنت دائما أشعر بالخوف والرهبة ، مثلما كنت أرتب نفسى وحاجتى إليها التى كانت تزداد على مر الأيام ، وجودها بحياتى محت كل صور اللاتى قد عرفتهن من قبلها لأصبح وحدى أمام عنفوانها فى مجابهة قدرات علاقتى بها التى كانت تأخذ أشكالا مفاجئة ، فتوشك أحيانا أن تكون قصة حب ، لكنها تحول نفسها فجأة إلى مايشبه الصداقة ، وقبل أن أتأكد من ذلك تحول نفسها إلى قصص أخرى متلاحقة لاتحاكى شيئا محددا ، وعندما تبدأ قصة منهن فى السرد عن شيئ محدد ، تحول العلاقة نفسها إلى مايشبه السجايا التى تُحكم النفس فتتقاذفها الأقدار ولاتصل إلى نهاية منطقية ، ولاتقيد نفسها بشكل معين ، أو بإحساس واحد ، ياله من قدر .

القاهرة في يوليو 2018

الخميس، 28 يونيو 2018

شخابيط على جدران الجموح ( 4 )


معها دائما أراهن على مجهول لايربطنى به سوى تعلقى بها وإيمانى المفرط بضرورة الاحتفاظ بوجودها فى حياتى أيا ماكانت رغم أننى أعرف جيدا بأنه لاحلول ولا إجابات عن تساؤلات كثيرة ستظل معلقة ، أحاول إبعادها عن دائرة تفكيرى عمدا ، لأنها كانت تصادف دائما عدم معقولية أى شكل للارتباط ، فقراءتى الجيدة لكل تفاصيل حياتها الخارجية والداخلية تؤكد هذا ، ليبق قلبى رافضا ومعاندا ومكابرا لعنفوان الحقيقة التى ينحاز إليها عقلى بشدة ، ولكن الإستقواء بإحساسى وحدسى هما ماجعلا الأمر أكثر تعقيدا أمام هذا الزخم الذى يصل بى فى النهاية إلى اختيار المعادلة المنطقية الصعبة التى تؤكد بأنه لاقيمة لكل ذلك . كنت أقف دائما عند نقطة الوصول إلى فهم كل شيئ من خلال الموطن العقلى وأتعمد ألا أعرف عنها شيئا أكثر مما عرفته ، إننى لاأحتاج أن أعرف حقيقتها ولا إلى أى حد ستئول علاقتنا ، فكل ماأحتاجه منها أن تظل فى حياتى إشراقة أمل ، ونبضة حب عابرة .. سارحة حرة بين ضلوعى ، وجدران قلبى الفسيح .. طليقة فى عالم وجدانى آخر تتساوى فيه الأشياء .. وغير مكبل بقيود الحقيقة .

القاهرة في يونيو 2018

الأربعاء، 20 يونيو 2018

شخابيط على جدران الجموح (3)


فكرت يوما أن أرضى غرورى وأقدمتها لأصدقائى وصديقاتى ، حتى أرى فى عيونهم تقديرهم لذوقى فى جمال المرأة ورؤيتى لجاذبيتها وأنوثتها ، فأحس فى نفسى بنرجسية الفخر وهم يحسدوننى عليها ، ولكن تفاجأت بتجاوبها التلقائى معهم كأنها تعرفهم ، ورحت أسأل نفسى سؤالا كيف تجاوبت معهم بهذه السرعة وكيف هم أحبوها وأحبوا روحها إلى هذه الدرجة ، كنت أريد أن أرضى غرورى والشعور بالنشوى زهوا بينهم ، فإذا بالغيرة تداهمنى ، غيرتى خفية لاتبدو لها أية مظاهر ، ولكن بداخلى كانت بركانا يسكننى ولم أستطع السيطرة عليه ، ياترى أهذه هى طريقتها مع كل الناس ، سريعة التجاوب .. سريعة التصادق ، وبهذه السهولة تتخاطب مع أى أحد ؟ ، رحت أتخيل طريقتها وهى تتعامل مع الذين لاأعرفهم ، قياسا على ماأراه الأن فى تعاملها مع أصدقائى حيث أرى فى عيونهم توددهم لها ولهفتهم عليها وشغفهم بها ، وخاصة أن أيا منهم لم يستطع إخفاء هذه اللهفة وهذا الشغف أمامى ، فكان غيظى يشتد ويحرك سواكن الظنون التى كانت تفعل بى كما يحلو لها . إننى لازلت لاأستطيع أن اتخلص من غرورى بها ، ولم أحب أن أتخلص من غيرتى عليها . وأخيرا هدانى تفكيرى أن أراقبها دون أن تشعر بى ودون أن يلاحظنى أحد منهم ، فكنت أتوارى فى ركن بعيد متابعا لما يفعله وجودها بينهم ، لاحظت بعضهم يبدو كأنما يسترد روحه كلما رآها ، بينما تحلق أرواح الأخرين بسعادة ، كنت أسعد بنرجسيتى مايشبع غرورى فى تقدير ذوقى لقياسات جمال المرأة الروحى والنفسى وأيضا جمال الخلقة الواضحة والتى كانت تشع من بين جنبات وجنتيها ، ولكن وفى ذات الوقت كنت استشيط من كدم الغيرة التى كانت تطبق على قلبى وتأتى على منعطفات السعادة وكأنها تقبضها قبضا يسيرا وتلقيها بقسوة فظة على صخرة الغليل من جم الغيظ الذى كان يتملكنى ويحتوينى ويحطمنى ، ثم أنهض أشلاءً بشعور مغاير غريب .. شعور لاأعرفه ولكنه بغيض ، فيبتسم قلبى ابتسامة بلهاء أغالط بها نفسى أملا ألاتفصح عن هذه المشاعر المنتفضة الثائرة ، وأقول فى نفسى نادما كم كنت على حق عندما دخلت إلى قلبها عنوة ، ولكن لم أكن أعرف بعد أنه قلب بلاباب حتى أسده ورائى ، فسمحت للآخرين دون أن أدرى أن يدخلوه معى وبرضائى ، فلاعرفت السبيل لغلقه وإحكامه حتى أطردهم منه لأبقى به وحدى ، ولاعرفت إن كنت فعلا أسكنه وحدى أم مجرد زائر مثلهم  ، فرحت أنشد : 
"هاآنذا
لازلت أقبل منها القليل
وأقف لها فى أقصى البعاد دليل
أرقب خطواتها
كلما غدت أو راحت
بلاهدف ولاسبيل
حتى أخضرت الأمانى
وتفرعت من فكرى السليل
فاينعت وخرجت من أفواف قلبى
أقحوانة على عنق جميل
أطراها الحسن فتراقصت
ثم راحت لغيرى تميل
على غصن حليل
وتناست أنها كانت يوما
فى يدى مجرد فسيل "


القاهرة في يونيه 2018

الخميس، 10 مايو 2018

شخابيط على جدران الجموح (2)




كتبت لى إحداهن يوما رأيها فى تصورها لشخصيتى ، وأرسلته لى ، وقتها لم ألق له بالا ، ولكن وقفت عنده طويلا بعد أن مضت وغادرتنى ، ربما الإنسان لايعرف قيمة الأشياء إلا بعد أن تنفلت من بين أنامل يديه وتتسرب وتضيع ، ولكن كنت أسأل نفسى وأتعجب كيف لإنسانة أن تقرأ شخصا بهذه الشفافية ، برؤية ثاقبة مزيجة من رؤى العين وشفافية القلب ورجاحة العقل ، لدرجة أن الصورة ــ صورتها عنى ــ انجلت عنها غموض النفس لتصبح بهذه الدرجة من الوضوح والنقاء ، والشفافة العالية ، وأنا الذى لم أبد لها في حينها أى تعليق سواء كان بالإتفاق أو الإختلاف أو التصويب ، وهاهو رأيها فى شخصى أكتبه بأمانة الكلمة :
" : عارف صورتك دى جميلة
   : شخصيتك واضحة فيها هدوء وغموض وبُعد رؤيا .
   : فيها امتداد الماضى بالحاضر ونظرة بعيدة للمستقبل .
   : عارف عصام شخصيتك بتثير فضولى .
   : إنسان عصامى يمتلك من القيم والمثل أفضلها .
  : وبقدر جديتك ونظرتك البعيدة للأمور ، بقدر رومانسيتك الطاغية ومشاعرك الحساسة والمرهفة .
  : رغم إنك عاطفى جدا ، لكن تمتلك قدرة كبيرة على السيطرة على مشاعرك وكبتها .
   : رومانسيتك ما لهاش حدود تتخطى حدود الزمان والمكان.
   : وواقعيتك أبعد بكتير مما أتخيل ".
تفسير قد يشعرنى بنرجسيتى أو بقيمة نفسى فى عيونهن ، وخاصة أنها جاءت من إنسانة جميلة الخلقة والنفس والروح ، حقيقة أن هذه المرأة كانت تعجبنى كثيرا فى أسلوب إدارتها لحياتها وهدوء مشاعرها وطيبة قلبها ، والأهم من كل هذا هى حالة اللاشيئ التى تربطنى بها ، ولست أعرف تحديدا قيمة مشاعرى نحوها أو أننى لاأريد أن أعرف ، حتى لاأفتح على نفسى بابا لن يوصد أبدا للمواجع وكسرة القلب ، فكل ماأعرفه عنها إنها إمرأة استثنائية ، رأيتها جميلة منذ أن وقعت عينى عليها أول مرة ، جمالها من النوع الفطرى ، الهادئ ، والمريح أيضا ، جمالها يريح القلب والعقل معا ، لها القدرة على أن تجتذب القلوب من أول وهلة أو من أول نظرة خاطفة ، ولها القدرة أيضا على أن تتسامى حتى مع نفسها .. وكأنها إنسانة من الزمن الأخر الذى يتمتع بالمثالية ، نسمع عنه ولانعرف سبيلا للعيش فيه ، إنها تركيبة فريدة من مزج لذيذ . كانت تبدو وكأن إرادتها فى يديها ، وكم تمنيت أن أسرق منها هذه الإرادة .. حاولت كثيرا التسلل إليها وأدخل عليها من أى باب من الأبواب التى كنت أعرف كل مداخلها ومخارجها جيدا ، ولكن مستحيل ، وعندما وجدت أن خطواتى قد تكون محسوبة عليها ، قررت ألا أتجاوز أكثر مما حققته معها ، فكان من الطبيعى أن أقف عند حدودى فقط ، على الباب دون أن أطرقه ، ولكن كان يأتى علىّ وقت أحس فيه بمغبة الانتظار ، فأفكر فى البعاد لدرجة أننى حاولت أن أوجد لنفسى بابا أخر كى أغادرها منه على أن تأتى علينا الأيام وأنساها وأرتاح ، ولكن عبثا جاءت كل محاولاتى ، فكلما فكرت فى البعاد أجدنى أتقرب منها أكثر ، حتى صرت تواقا للتواصل المستمر معها ، لدرجة أننى كنت أختلق أتفه الأسباب كى أكلمها فأجد عندها راحة النفس وأجد عندها السكينة من النوع الذى ترتاح له القلوب وتستأنس به ، فقد كنت أحس عندما أحدثها أو أهاتفها أننى أرى نفسى فى مرآة نفسى .. أراها بوضوح ، وأعثر عليها بعد دوائر بحث عميقة كانت تتوه فيها منى ، فأجدها هناك قد سكنت في هدوء عندها ، وعرفت وأيقنت كم كانت تذهب إليها دون استئذان ، حتى صار حديثها معى هو حديث النفس تماما ، إذا نطقت فإنها تقول ماأريد أن أقوله وبالضبط ، وكأنها تقرأ الكلمات المرتسمة داخل عقلى وقلبى ، كأنها فتحتهما وقرأت مافيهما ، كأن عينيها ترى مابداخلى . ومع كل هذا كنت إذا ماشعرت بأننى وصلت لإحساس معين لاأعرف قيمته عندها ، أقبض عليه بيدى وبمنتهى الإستبسال أحكمه إحكاما ، ثم أدوره فى عقلى .. كنت لاأتصور أننى أقبض على مصدر سعادتى بيدى ، وأنا الذى عشت حياتى كلها باحثا عنه ، ولكن تقديرى لها كان أعمق بكثير من حبى وهيامى بها ، فخفت عليها احتراما للمعنى الجميل الذى احتوانى تجاهها ، وحتى لاتخوننى عواطفى كنت أحكمها فى النهاية وبشدة ، رغم أنها كثيرا ماكانت تتقلب وترفض هذا الحصار الفكرى وتريد فى إلحاح بالغ العمل على فك قيوده الموثوقة كى تنطلق إحساساتى المفعمة بالمشاعر الفياضة على قلبى وروحى ، ولكن الله وهبنى فن القدرة على هذا الإحكام ، وسبيلى إلى هذا هو الاحتفاظ بالقدر الذى ارتضيته لنفسى حتى ارتاح وتظل علاقتى بها قائمة ، المهم أن علاقتى بها تظل قائمة ، وأن أعى فقط أن هناك شيئا ما يربطنا ويبقينا عند حدود معينة وضعناها لأنفسنا دون ترتيب ولايجوز تجاوزها ، وعلى الرغم من مرور كل هذه المدة ، إلا أننا حافظنا على هذه الحدود كقيمة ، ولم نقو يوما على التمرد ، أو الانقلاب عليها .
القاهرة في مايو 2018