music

الثلاثاء، 13 يونيو 2017

شخابيط على جدران الجموح ( الخفقة الأولى 3 )


(٣)


ورحت فى دوامة وسرحت فى الذى قالته عن الحب ورأيها فى مفهوم الصداقة ، وإصرارها البالغ ألا تخوض في حديث غيره ، وماالذى تريد أن تلمح إليه فيهما وماالذى تريد أن تقوله عنهما ، وعن موقفها من أصدقائى الذين أحبوها ، أو ماحاولت أن توصله لى من معانى وآراء صديقاتها فى شخصى ، ومايدور بينهن من حديث قبل هذا اللقاء وبعده ، فمن المؤكد أنهن يعرفن بترتيباته ، وسأكون مجالا لحديثهن ، وياحبذا لو قالت لهن عن هذا الموعد وجئن ورأينها معى الأن ، كيف سيكون حالى  .



أصابتنى الدهشة وأحكم الضيق صدرى وجثم عليه ، فكلامها رغم جماله إلا أن فيه غموضا ووراءه معنى لاأعرفه ، ثم ظهورها فى حالة من السرحان والانشغال عنى كلما أرادت أن تثير انتباهى فى معنى تريد أن يصلنى وأفهمه بسرعة مما كان يصيبنى بالحيرة ، وأحيانا أخرى تعطينى إحساسا بعدم قدرتها على التركيز ، واكتشف بعد ذلك أن ماتفعله ماهو إلا تمهيد لشيئ أكبر مما يصوره لى خيالى ، كأنها تريد أن تطوقنى بمشاعرها أو تعطينى إنطباعا معينا تخجل أن تتحدث فيه رغم لباقتها ومهارتها فى تداول الحديث . إننى أعترف بل وأقر بقدراتى المحدودة التى من المؤكد أنها تفوقنى عنها بمراحل ، ولن ولم أكن جديرا على مجابهتها  ، لذلك كنت أرجع وأقول لنفسى إننى أصبحت فى ورطة حقيقية . ثم ذهبت لأبعد من هذا وتصورت لو أن أحدا من أصدقائى أو من أقاربى أو حتى من جيرانى رآنى وعرف بهذا اللقاء ، ثم ذهب وحدث أبواى بهذا الأمر ، ماذا سيكون الحال ؟ كيف أواجه أبى وأمى ، أزددت اضطرابا وتوجسا ، ثم أعود وأقول لنفسى ماالذى أعجبها فى واحد مثلى .. منطوى ويمشى ووجه فى الأرض ، لم يكن يعرف معنى لكل ماتقوله ، ولم يعتد على الكلام الذى يحمل معانى أخرى فيها مبالغة فى الحديث وتأويل فى القول ، وأقوى من مفهومه البسيط الذى يتوقف تفكيره عنده ، إننى كنت أحيانا لاأفهم أصدقائى فيما كانوا فيه يتحدثون ، لذلك لم أجد تعليقا على كل ماقالت ، ولم يكن من السهل أن أحكم على ماسمعته منها فور سماعى له . ورحت أتصبب عرقا ، وأخذتى دوامة من أفكار شتى ، إنه أفضل لى ، بل الأهم فالأهم أن أذهب إلى غرفتى وانصاع لأوامر أمى وتوجيهات أبى ، وأذاكر وأنام وأصحو وأذهب إلى المدرسة ، لاأرى أحدا ، ولاأحد يرانى ، وأن كل الذى يجب أن أعرفه هو أننى أذاكر واتفوق فقط ، أما بعد ذلك فلايجب أن أعرفه ، ولايصح أن أشغل نفسى به . 




ثم عدت من هذه الشردة الطويلة على صوتها : الله الله هو إحنا هنبدأ بالسرحان من الأن ولا أيه . انتبهت بسرعة : أبدا لاسرحان ولاحاجة أنا معك . قالت : ميمى ممكن تكلمنى عن نفسك ، بجد نفسى أوى أسمعك . الحقيقة أننى تفاجأت أيضا بهذا السؤال لأننى لاأجد ماأقوله عن حياتى ، ولاأجيد التحدث عن نفسى ، لأنى لاأجد فى حياتى شيئا يستحق أن يذكر . ومالبثت حتى فاجأتنى بسؤال أخر أخجلنى أكثر من سابقه ولم أتوقعه وزاد من إحساسى بتورطى فى علاقة لم أمهد لها نفسى ، وشعرت بأننى على وشك لصدام حتمى بين أفكارى وتربيتى وعاداتى وتصوراتى ورغباتى وماأحبه ومالاأحبه ، وكأننى بين حلم ويقظة .. بين غفوة وإفاقة ، لاأدرى .. لاأعلم .. لاأعرف ، وأن كل ما أعرفه من قصص الأخرين أن الحب لم يكن نعيما مثل ماتصوره لنا أغانى عبد الحليم حافظ  وأفلامنا الكلاسيكية الرومانسية التى طالما كانت تبهرنى وتجعلنى أعيش أوهام الحب فى خيالى واستغرقها فى أحلامى .. فى النوم واليقظة ، ولكن الحقيقة تقول أن سعادتنا به لايتجاوز سوى لحظاته الأولى وسرعان مايتحول إلى عذاب ونار متقدة تحرق كل شيئ حوله ، والحقيقة تقول أيضا أننى لم أرتكب أى خطأ فى حياتى حتى الأن ، ولم أفعل مايفعله كل أصدقائى فى أخذ أمور الحب بلا اكتراث ، لأنهم لايحبون ولكنهم يعيشون فقط فى نزواته وطيش شبابه ، ثم تنبهت على سؤالها :
- عمرك ماشعرت بالحب نحو أحد .
- إننى أحب أشياء كثيرة .
- أقصد أية فتاة.
- لا .
- ولا واحدة جعلتك تشعر أنها تحبك .
- لا ، لأنى لاأثق فى مشاعر أوكلام البنات .
- لاتثق ، كيف هذا ؟ معنى كلامك إنك لاتثق فى كل البنات حتى أنا.
- أنا لم أقل هذا .
- ألست أنا واحدة من البنات اللآتى تتكلم عنهن ، أم أنا ماذا ؟! .
- صدقينى لم يكن ذلك مقصدى .
- رغم أن كلامك واضح وفيه إهانة لى ، إلا أننى سأصدقك بأنك لاتقصده وسأتجاوزه ، ولكن سوف أسألك نفس السؤال بشكل أخر ، يعنى لو افترضنا أن واحدة جاءت وقالت لك أنها تحبك ماذا تفعل ؟
- بنت تقول لى أحبك ، لاأعتقد أن هذا سيحدث .
- أنا أقول لنفترض وحدث ، ماذا ستفعل ؟
- لاأعرف ، وإن كنت أعتقد أن الجرأة لاتتناسب مع البنات ، فالذى عرفته وشاهدته بعينى وعايشته مع أصدقائى يقول إن الولد هو الذى يجب عليه أن يبدأ أولا ، والبنت عليها ألا تندفع وراءه وتتقل عليه وتتدلل ، وهو يحاول ويجاهد مرة واثنتين وثلاث ، حتى تبتسم له ، ويظل يحوم حولها ويدور ويسهر الليالى ويظل يشتكى لأصدقائه قسوتها حتى تعطف عليه وتكلمه .
انتابها القلق والحيرة إنها لم تتوقع منى هذه الردود ، ولا الحدة فى الكلام ، وتساءلت بينها وبين نفسها : ماذا حدث ؟ ولماذا هذا التغيير المفاجئ فى كلامه معى ؟ وراحت ترد على وقد اختفت البسمة من على شفتيها .
- أهكذا هو مفهومك عن الحب ، إذن أنا أخطأت حينما قررت أن أشاور لك وطلبت منك أن أقابلك وأخرج معك وأتحدث إليك .
- لم تقولين هذا .
- طيب سيبك من كل اللى فات ، وقل لى ما رأيك فى كبنت ؟
- فى ماذا ؟
- فى شخصى ، في تصورك لى حينما شاورت لك وطلبت مقابلتك ، وعلى أى أساس استجبت وجئت تقابلنى ؟ .
الحقيقة أننى لم أعرف كيف أرد عليها ، وهنت أنفاسى .. وتباطأت خطواتى .. وتصلبت فى مكانى .. ولم تمهلنى فرصة الرد ، حتى واصلت مابدأته من كلمات وقد غاص قلبها ، أحسست به كأنه يهبط مع أنفاسها فى بئر عميقة ، ووجهها راح يضج من شدة إحمراره .
- مؤكد أنك ترانى فى ثوب الفتاة المتحررة الجريئة التي لاتحكمها أية قيود أو ضوابط ! .
- لم يأت هذا فى ذهنى .
- ألم أقف معك الأن وأكلمك وكان ذلك بإرادتى لا بإرادتك ، وكذلك أكلم كل أصدقائك ، وكل شباب المنطقة وأنت تعلم ذلك ، إذن أنا بنت متسيبة وقليلة الأدب .
- لماذا تصرين على تأويل كلامى ، وتحملينه مالايطيق ، فكل ماتقولينه أنا ليس لى شأن به ، فكل إنسان مسئول عن نفسه .
ابتسمت فى سخرية ومرارة ، ثم ضحكت ضحكة عالية هستيرية وقالت :
- صحيح كل إنسان مسئول عن نفسه ، إذن أنا بنت مبتذلة .. سهلة .. لعوب ، أكلم الشباب ومستهترة . كأنك تصورت أننى عندما قلت لك أن أصدقاءك يسعون للتحدث معى كان ذلك بهدف أن أترك لك انطباعا بأننى أحادث الشباب ، وفضلتك عليهم حتى أثيرغيرتك ، وفى نفس الوقت أتلاعب بهم وبمشاعرهم ، وأن كلامى معك ومعهم ومع غيركم إنما لتحقيق أغراض معينة .
- إننى لم أقصد هذا على الإطلاق ، لم تحملين كلامى على معانى لاأقصدها .
- أنا أسفة إن كنت أخطأت فى حقك ، بل وأخطأت في حق نفسى عندما أردت أن أتحدث معك ، وعن كل مشاعر الإعجاب التى قلتها لك بمنتهى البساطة وظننت انك ستقدرها ، لم أكن أتصور أنك منغلقا إلى هذا الحد ، إننى لاأريد منك شيئا ، كل ماهناك أننى أعرف عنك أنك محترم .. دمث الخلق .. تعتز بنفسك .. مجتهد ومؤدب وكلهم يقولون عنك ذلك ، وأنت فعلا مؤدب وخجول ، وأننى تكلمت معك لأنى شعرت من نظراتك بالأمان والراحة أكثر من كل أصدقائك وغيرهم من الذين يريدون التسلية وإقامة علاقات ونزوات ، ورأيتك مختلفا عنهم ، ولكن أريد أن أعرفك شيئا من المؤكد غاب عنك ، أن حديثى مع الشباب لايخرج عن كونه صداقة أو أخوة وبعلم أبى وأمى وأختى سحر وأخى أحمد ، ياحبيبى الزمن تقدم وأصبحنا نعيش فى مجتمع عامل لافرق فيه بين الولد والبنت ، إنما الفروق الحقيقية هى فى التربية والثقافة والأخلاق والدين ، وأيضا فى التفوق والريادة وهى فروق يمكن تميزها بين وولد وولد أو بنت وبنت . أنت جرحتنى ، وأحسستنى بالندم ، لأول مرة أندم على شيئ فعلته .
انعقد لسانى وجحظت عيناى ، وأحسست بدقات قلبى تضعف ،، وأنفاسى تتباطأ .. وبالكاد أفتح عينى وأحاول أن آخذ نفسا عميقا أملأ به رئيتى بالهواء حتى استطيع أن أتنفس وأرد عليها :
- صدقينى أنا لم أقصد أية إساءة لك ، ربما أسأت تقديرى للكلام أو أن التعبير خاننى ، فأنا قليل الكلام .. وقليل التجارب أيضا .
تعقد وجهها ، وظهرت على نواجزه علامات الضيق ، ونظرت لى من خلال الدموع .
- ماهو باين .. إننى مضطرة أن اتركك الأن .
- ياه لهذه الدرجة ضايقتك وتريدين أن تنهى اللقاء .
- ليته مابدأ ، وكان أفضل عندى أن تظل صورتك جميلة كما هي ، وكما صورها خيالى ، ولاكنت أراها تهتز بعنف وتبهت أمامى بشدة كما حدث الأن ، ليتنى مافكرت أن أتكلم معك من الأساس ، عموما أنا أتأخرت على رجوعى للمنزل ، وآن لى أن أنصرف الأن.
- ياترى ستسمحين لى أن أراك مرة أخرى ، وصدقينى سأكون أفضل بكثير من اليوم ، واعذرينى فهذه أول مرة في حياتى أكلم فيها بنت ، فدعينى أكفر عما اقترفته فى حقك .
- لاأظن ، ولكن دعها للظروف .





وافترقنا إلى غير ميعاد ، ولم يستطع الحزن على فشلى فى الحديث معها ، والظفر بلقاء آخر أن يمحو تلك النشوة التى تركتها فى نفسى خلال هذا اللقاء العابر ، كأننى رضيت بما حققته وكفيت ، فقد كانت أكثر طموحاتى لاتتعدى مجرد حلم أمنى فيه نفسى باليوم الذى يأتى واستطيع أن أكلم فيه أية فتاة ، فإذا بالحظ يبتسم لى ولأول مرة في حياتى وأجد نفسى فجأة أكلم فتاة ، ليست كأى فتاة ، بل فتاة بحجم وجمال ورقة ووداعة يسرية ، فتاة كنت أخشى النظر في عينيها ، وليس لى أن أواصل النظر إليها إلا خلسة ، وحتى بعد أن أحسست أن بها مايجذبنى إليها ويغرينى بها لم تهيئ لى نفسى مجرد فكرة أن أقوم بأى نوع من أنواع المغامرة وأحاول أن أكلمها ، رغم أن كل شيئ فيها كان يدعونى إلى ذلك ، فهى لاتمانع أن تتكلم مع أى أحد يريد أن يكلمها ، وكانت نظراتها الممنوحة لى بمثابة كلمات تفتح آفاقا رحبة لحب الاستطلاع ، ورغبة ملحة لإيقاظ قلبى وتنبهه إلى وجود شيئ يستحق أن أهتم به وأسلم له بقية حواسى ، فقد أغرتنى إلى أن أسرح معها فقط في أحلام اليقظة التي كانت تصورها لى كأميرة جميلة على عرش القلوب ، وأن وجودها الدائم أمام عينى في الغدو والرواح كان يوقظ حسى أيضا ويرهف أعصابى ، ولكنه بقى مجرد إحساس لم أتجاوزه ، ولم تمكننى إمكاناتى المتواضعة جدا أن أستقر على أمر أو اتجاه أو خطة موضوعة أو تفكير مرتب أو هدف واضح فى الوصول إليها والتحدث معها .. فإذا بها هى التي طلبت أن تكلمنى ، وهى التى أفاضت وقالت مالم أكن أحلم بسماعه ، وأن ماقالته ربما فاق كل طموحاتى التى كانت بعيدة أقصى البعاد عن مجرد التفكير فيها ، لدرجة أننى تمنيت لو استطعت أن أروى لكل الرفقاء الذين أحبوها ماحدث بينى وبينها واحدا تلو الأخر . ومضيت بقية اليوم حائرا ، ومضيت ليلى لاأنام ونمت ولم أنم ، ولكنى كنت استعيد كل كلمة قلناها ، وأقول لنفسى ليتنى كنت قلت كذا وكذا ، كنت أتذكر كل لفتة وكل همسة وأفسرها تفسيرا يحملنى إلى التأنيب ، وعدم التوفيق فى مجارتها الحديث والاستحواذ على إعجابها بما كان يجب أن يكون وبما يساوى حبى لها ، وهى لم تقدر - رغم فطنتها - أننى لم أتكلف معها بل تركت نفسى على سجيتها ، وليس سهلا على النفس من الإنطلاق على سجيتها عندما تكون بجوار شخص إلا إذا كانت هى تحبه وتقدره ، وأن وراء هذا الحب عاطفة جميلة وإحساس راق ، إننى شعرت منذ اللحظة الأولى التى رأيتها فيها .. أنى أحبها ، وأن العيب ليس فى شخصى بل فى ظروف حياتى ، فكثيرا ماعانيت إتهام رفاق الطفولة والصبا بالجبن ، وكنت اقتنع بإتهاماتهم لى ، ولم يكن أملك غير ذلك ، فكل الشواهد والظواهر تدل عليها وتؤكد وجودها ، وكنت أشعر فى قرارة نفسى أننى حقا أفتقد الثقة والجرأة والشجاعة . 





عشت بعد ذلك لاأعرف ماالذى احتوانى ، تملكنى أرق بالغ كنت أريد أن أنسى مافعلته معها .. وأصبحت مأخوذا ، وظروفى استولت على وتعقدت أكثر ، وتمنيت أن أنسى وجودى وأنسى الدنيا ، وحاولت فعلا النسيان .. فالنسيان أحيانا نعمة كبيرة ، وحاولت أن أعود لعالمى الخيالى الخاص وأُغرق فيه نفسى ووحدتى والليل الطويل وقصة يسرية ، حتى أعفى نفسى من فكرة أننى جرحتها ولم أقدر مشاعرها ، إلا أننى مازلت أسأل نفسى هل كانت هذه المشاعر بالفعل حقيقية أم نزوة أم ماذا ؟ إننى لاأعرف حقيقة المشاعر ولا الإحساس بالحب . وانقطعت الصلة بيننا ، ولم تعد تخرج للشرفة كى ترانى كما كانت تفعل ، ولم تظهر أمامى كما كانت تحرص على ذلك ، بل حاولت البعاد عن تعمد وفى إصرار . حتى غابت ولم أعد أراها ، كنت كثيرا ماأصعد للسطوح أو افتعل الوقوف تحت شرفتها لأى سبب مع أحد أصدقائى حتى ألمحها ولم يحدث ، أو أجبر نفسى على الوقوف فى الشارع لأوقات متأخرة من الليل على أمل أن قلبها يرق ويلين ، ثم أعود فى كل مرة للمنزل مخزولا ، وتعمدت بعد ذلك أن أصحو مبكرا لأراها وهى فى طريقها إلى المدرسة فمن المستحيل أنها ستتغيب عن المدرسة بسببى ، ورأيتها ولكنها كانت تتعمد ألا ترانى .. وتأكدت إننى لم أعد أساوى بالنسبة لها شيئا ، بل كدت ألمس فى نظراتها كرهها لى ، أحسست بعجزى وفداحة خسارة الأشياء التى تأتى وتتسرب من بين يدى ، وهذه القصة لاأدرى أهى قصة حب أم كان من الممكن أن تكون قصة حب ولم يكتب لها أن تكتمل ، ربما كان وقتها لاأستطيع أن أحكم على الأشياء لأن العناصر الحقيقية للحب فى هذه السن غير مكتملة وغير حقيقية ، وأن عاطفة هذه المرحلة عبارة عن كلمات ونظرات ومحاولات لاتعدو مرحلة الطيش والمزاج المتغير والإحساس المتقلب والشعور الذى لايتجاوز حد التمنى ويغلب عليه صفة الأحلام فقط . إننى لم أفلح فى إقناع يسرية رغم إعجابها بى ، ولم أفلح فى أن أقبض على الفرصة الوحيدة التى واتتنى ويصعب تكرارها .. ولم أعد أفلح فى أى شيئ .. ولاأجد نفسى فى أى معنى . وأصبحت مفرط فى إحساسى لدرجة أنه كلما كان يصادف ويأتينى أى إحساس جميل بعد ذلك كنت أحرص على أننى لاأكف من تهذيب نفسى وأحاول أن أمسك بداية طرفه وأطوره وأبنى به ، ثم أبنى عليه أملا فى أنه ينضج ويساوى لحظة حب فيها إحساس حقيقى ، وفيها صدق ، وحتى هذا أيضا مع حرصى عليه لم أفلح فيه ، والأغرب أننى لم أعرف لذلك سببا .
                                            وإلى شخبطة جديدة




مع خالص تحياتى : عصام  

              القاهرة فى يونيو ٢٠١٧  









السبت، 13 مايو 2017

شخابيط على جدران الجموح ( الخفقة الأولى 2 )

(٢)


حتى جاء يوم التى تجرأت فيه وأشارت لى بيدها فى دعوة صريحة لمقابلتى ، لم أصدق فى بداية الأمر حتى جحظت عينى فى محاولة للتأكد ورحت أفركها غير مصدق لعلها أخطأت رؤية ماأرى ، لم يخطر ببالى يوما أن تدعونى لمقابلتها ، وهى التى لم تسع من قبل أن تكلم أحدا مهما كانت رومانسياته أو وسامته أو لباقته ، وتعلم أنها أكثر بنات الحى فتنة ، وأنها حلم شبابه ، وتعلم أيضا أنها مثار أحاديثهم فهم لايكفون أبدا عن محاولتهم فى إثارة اهتمامها ، وحتى هؤلاء الشباب لايهمها أمرهم فى شيئ ، رغم أنها تكلم الكل ، ولكنها تعيش بكبريائها واثقة من نفسها ربما إلى حد الغرور ، واثقة من جمالها .. واثقة من ذكائها ، واثقة من أنها تستطيع أن تحرك مشاعر كل معجبيها بطرف أصبعها ، وأنها تستطيع أن تثير فتنتهم برموش عينيها ، فكان من المستحيل أن أتصور يوما وأنا على هذه الهيئة وهذا الخجل وهذه الإحباطات أن أحرك مشاعرها ، أو أحرك فيها حتى ساكنا . هبطت من السطح إلى شقتنا وثبا وأنا فى غبطة من السرور الذى لم أكن أشعر به من قبل ، وارتديت ملابسى فى تلهف وعجلة ، ولم استطع أن أقول لأبواى إلى أين أنا ذاهب ، فهما يحسبان على حركاتى وسكناتى ، انتابتهما الدهشة من تصرفى الذى بدا غريبا عليهما . وبعد تلعثم قلت لهما إنى سأتمشى مع أصدقائى . ورحت أقفز على السلالم من الدور الخامس للأول قفزا اجتيازا للوقت حتى بلغت مدخل المنزل ومنه لشارعنا فى غمضة عين حتى وصلت لشارع الجيش وعبرته للرصيف المقابل أمام بقالة صلاح حسن ولم أشأ أن أنظر خلفى حتى شعرت بقشعريرة تسرى فى جسدى وترجفه ، فأيقنت أنها جاءت وتسير على بعد خطوات منى حتى قبل أن ألمحها .. إننى أستطيع أن أراها دون أن ألتفت ورائى .. كأنى رأيتها بحاستى السادسة ، أو لى عينان فى مؤخرة رأسى . التفت ورائى وجدتها قد عبرت هى الأخرى الشارع ودنت منى أكثر ، ارتبكت قليلا وشعرت بأن العقدة التى أعانيها قد تحركت ، واضطربت وتعثرت خطواتى وكأننى أسير على تلال من رمال متحركة ، ثم توقفت عن المسير ، حتى إذا تجاوزتنى كأنها لاتعرفنى ، كأنها تعطينى فرصة أن أبدأ أنا بالحديث ، فأخجل منها وأتردد فى البدء بالكلام فأنا لاأعرف ماذا أقول ، حتى إذا بعدت خطوات عنى تعقبها عن كثب من جديد ، فأجدها وقد استدارت لتنظرنى بسرعة وكأنها تقول لى تكلم بقى ياأخى لقد أتعبتنى ، أما أنا فمازلت على حالى مضطرب الخطوات والخجل مسيطر على  . هى التى كانت تتشجع ، وأنا الذى كنت أتردد وأخجل وكأننى أريد أن أتوارى من أمامها وأدارى نفسى عنها كلما جاءت عينى فى عينيها . 





وفى أثناء ذلك كان ذهنى يبحث بسرعة وفى إلحاح بالغ عن أنسب العبارات التى أبدأ بها حديثى معها ولم أجد ، ورحت أستعيد لنفسى الكلمات الرقيقة من بين وسائل المغازلة الكثيرة التى كنت أسمعها من أصدقائى ولم أوفق ، ومضت فترة أحملق فى كل ماحولى دون أن أنظر إليها ، ولم اهتد إلى الكلمات التى استطيع أن استدرجها بها إلى ميادين الغرام ومعارك الهوى ، جبنى وحيائى الشديدين منعانى ، واتضح لى أيضا أننى لاأملك إلا النظر فقط  ومن بعد ، والإعجاب فيما بينى وبين نفسى . نفد صبرها وأيقنت أنه لافائدة من الإنتظار أكثر من هذا ، وأننى لن أتكلم حتى ولو مشيت ورائى إلى ميدان العباسية . رأيتها تتقدم نحوى فى جرأة بالغة وسمعت لأول مرة صوتها ينطلق من بين شفتيها فى خفوت ، وكأنها تهمس لى فى أذنى ، سمعته ينادينى وقد أفتر وجهها عن ابتسامة رقيقة حلوة . بدأ العرق يتفصد من جبينى بعد أن صعبت الموقف على نفسى ، ولكن عندما سمعت صوتها ينطق أسمى وينادينى كانت كأنما أذابت فجأة كل جبال الجليد التى تعقدت فوق كاهلى - أما " ميمى " فهو اسم الدلع فى ذلك الوقت ، أرادت أمى أن تنادينى به من باب التدليل والدلع والرّفه .. فأنا أول من أنجبت وأول فرحتها - فوجدتنى سارحا ، تأملت وجهى فى حنان وقالت فى رقة : مساء الخير يا ميمى ، وكررت اسمى أيضا ولمسنى ذلك النداء ، وسمعت لأسمى رنينا وأداء مختلفا : ميمى لماذا تركتنى أمشى وراءك كل هذا ، هل أنت تخجل منى . قالت لى هذا بعد أن صافحتنى بإيماءة معبرة وأنا شائح الوجه عنها ، لاأريد أن أنظر فى عينيها ، مخافة مواجهتهما وخشية أن تلحظ اضطرابى ، وتضيع على هذه الفرصة السانحة التى لم يأت القدر بمثلها قط ، ويكون سببه ذلك التردد وهذا الإحجام . وعزمت أن أتجرأ وأقول لها أى شيئ ، إلا أن الارتباك يزداد والتلعثم يربد وجهى كله ، ارتباك مضرج بالتوتر دون أن أنبس ببنت شفة ، فضحكت وأردفت بعد أن لاحظت أن وجهى قد أحمر تماما : أنت مكسوف منى ولا إيه ، تعرف كان نفسى أكلمك من زمان ، وأسمع صوتك ، وعلى أية حال لم يكن هناك داع لهذا الإرتباك وكل هذا التمهيد الطويل والتردد الذى بلا معنى ، فأنا الذى تجرأت وبدأت بالمبادرة وطلبت منك المقابلة ، وأنا التى أردت أن أتكلم معك على انفراد ، وعليه دعنى أنا التى سأحدثك . لم يسعنى خجلى إلا أن ابتسم ، وارتبكت وكأن هذا الحديث جاء فجأة ، ولم أرد عليها واكتفيت بابتسامة باهتة ربضت على شفتى ، إننى لم أتكلم ولكنها هى التى تكلمت طول الوقت ، وكان حديثها فى أى شيئ فعندها من الموضوعات الكثير ، ولديها حكايات لاتنتهى ولديها أيضا مهارة الحوار، والقدرة الهائلة على تحويل أى شيئ إلى حكاية . أما أنا فكنت أكلمها بإحساسى فقط ، فأنا لاأعرف لغة الحوار ولم أتعلمه ، لا فى بيتنا ، ولا فى الشارع ولا فى المدرسة ، ولا حتى مع الأصدقاء ، إننى اعتدت على السمع فقط  وأجد متعة كبيرة فى متابعة أى شيئ أمامى ، لذلك أحسست بها لدرجة أنها تسللت إلى قلبى بسرعة البرق ، وشغلتنى فرحتى بها وانفصلت عن كل ماحولى وعنها ، فلم أعد أسمع صوت المارة ولا ضجيج المركبات ، ولا حتى كلامها . أحست بشردتى وأدركت بالذى أنا فيه وكأنها أرادت أن تتكلم كثيرا حتى تبدد ماعرانى من مظاهر السكوت والتكلف والخوف والرهبة فكانت هى التى تتحدث أكثر وأنا أتابعها معظم الوقت . 



حاولت جاهدا أن استرد وعيى حتى أثبت لها أننى أيضا أستطيع أن أجاريها الكلام وعندى ماأقوله ، وعندما استرديت بعضا من هذه الجرأة الطارئة لم أتردد وقاطعتها فجأة مما أصابها بالدهشة وقلت لها : هل تصدقينى لو قلت لك أننى حتى الأن غير مصدق أنك واقفة أمامى وتكلمينى .. وأنا بالذات ، قالت : لماذا تقول هذا الكلام ، الموضوع أبسط من كل هذا بكثير، قلت لها : صدقينى لاتقدرى مدى سعادتى بك ، ولم أكن أبدا أتصور يوما أننى سأحظى بهذا اللقاء ، واعذرينى فى ارتباكى ، ربما الفرحة ضغطت على قلبى ودقت على عقلى ، ففرحتى بك اليوم لاتقدر . ابتسمت خجلا فى تدلل وقالت : ياه أخيرا سمعت صوتك ، طيب ماهو أنت كويس أهو وبتعرف تتكلم أفضل منى كمان ، لماذا إذن كل هذا الخجل والتردد . إنها أرادت أن تشجعنى على مواصلة الكلام ، ولكنى لم أشأ أن أرد عليها بأكثر من ذلك ، إننى لاأعرف كيف أجرى حديثا أو على الأقل أستكمله ، ولاأعرف كيف أجيبها على اسئلتها الكثيرة التى كانت تحاصرنى بها عن كل مايتعلق بأصدقائى ، لدرجة أننى ظننت أنها أرادت أن تكلمنى ليس إعجابا بى ، بل بهدف التعرف على كل أسرار أصدقائى فأنا الساذج طيب القلب والوحيد بينهم على نياتى وسأقول لها كل شيئ هى تريده صراحة وبلا مواربة . إنها تريد أن تعرف الذى نقوله ونتحدث فيه عندما نقف فى الشارع وخاصة حكايا البنات . شكى فى نواياها جعلنى أقول لها وعن عمد مالايريح قلبها وأننى لاأذكر شيئا مما يتحدثون فيه ، إنها مجرد حكايات معظمها تافه وممل لاأجد فى متابعتها أية متعة . فهمت بفطنتها أننى ربما تضايقت ، فحاولت تغيير مسار الحديث وتجعل لى سبيلا فيه :
- هل تعرف أنك غيرهم ولم تكن أبدا يوما مثلهم ، إنهم يحاولون فى دأب التحدث معى ، كل واحد منهم يحاول ذلك دون أن يُعرّف الأخرين ، وكل منهم يحمل لى كلاما وحديثا شيقا ومطولا عن الصداقة والحب ، وأظن أن أحدهم لايصارح الأخر بإحساسه تجاهى ، ثم أردفت وقالت : تعرف أنك الوحيد الذى أثار فضولى ، وسألت نفسى كثيرا عنك ، رغم أنك شاب مثلهم له خصوصياته وتطلعاته وأفكاره ، ولكنك كنت غيرهم فأنت الوحيد الذى لم يحاول أن يكلمنى ، كنت كلما أنظر لك أجدك تهرب وتختفى ، كنت لاأراك بوضوح مثلهم . وأنت تعرف أننى تكلمت مع كل أصدقائك ، ولكن لم يأخذوا حيزا من تفكيرى ، فهم لايمثلون لى أكثر من أصدقاء أو إخوات بحكم أننا جيران ، ولكن حدث أننى وجدت أن قلبى تعلق بك ، ولا أعرف لماذا ولامتى ولاكيف ، أحسست فجأة بأنك شيئ مهم بالنسبة لى ، كنت حريصة أن أقف فى الشرفة لأطل عليك وأنت واقف معهم .. من المؤكد أنهم كانوا يتكلمون وأنت تسمعهم فى أشياء لاأعرفها ولكن أغلب ظنى أنهم يتكلمون عن مغامراتهم مع البنات فقد سمعت من صديقاتى الكثير والكثير منها ، فهم لايكفون محاولاتهم معى وأيضا معهن ، وحكاياهم كثيرا مانجعلها مسلاة لنا ، لذلك كنت أراك أفضلهم ، لاتتكلم فكنت أروع من يسكت ، كنت أواجه نظرات أصدقائك ذات الإبتسامة العريضة بمنتهى البلاهة والوجوم ، إلا أنت أدبك استلهمتنى لدرجة أنه كلما كنت أشعر بالضيق أشعر بك أكثر وكأنك أنت الذى ستخلصنى من هذا الضيق وتطرق على باب قلبى السعادة والهنأة والسرور ، كنت كل ليلة يستوقفنى تفكيرى لأسأل نفسى ماهذا الذى يحدث لى ؟ وماهذا الإحساس الغريب الذى انتابنى فجأة؟! ، واحترت ولم أعرف أسما له .. أهذا حب أو ميل أو استلطاف أو إعجاب أو احترام ، أو فضول ؟! ربما كان فضولا حتى أكشف الغموض الذى يحتويك ، لذلك حاولت أن أعرف مالاأعرفه عنك فسألت أصدقاءك في كل مايخصك ، ولكن لم أخرج منهم بإجابة واحدة محددة تريحنى ، أوترضى طموحى فى أن أعرف عنك المزيد أو أكثر مما أعرف ، وحتى إجابتهم عنك كانت غريبة فيها تصدية وإحجام مثل : لماذا تسألين عنه ، إنه قليل الكلام ، ويحب ألا يشارك فى حديث ولا يريد أن يذهب معنا فى مكان دون استئذان أبويه وغالبا لايوافقان ، ويخجل من البنات بلا سبب . وهذا جعلنى أسأل نفسى سؤالا أخر متى وكيف جاء هذا الاهتمام تجاهك ؟ حتى أجد نفسى أحب أن أراك كل يوم ، وأتمنى أن أكلمك وتكلمنى .. ولكننى لأعرف لذلك سبيلا ، وتوقفت عند هذا الحد ، ولكن تفكيرى فيك لم يتوقف حتى جاء اليوم الذى قررت فيه أن أذهب إليك وأقول لك : يالله نخرج ، وها آنذا تشجعت وفعلت.
- هل أنا استحق منك كل هذا ؟!
- سألت نفسى أيضا هذا السؤال ، ولكنى لم أحتر فى الوصول لإجابته ، تعرف لماذا ؟
- لماذا .
- لأنى اكتشفت أنك كنت مثار إعجابى ،  وكان أكثر مايعجبنى فيك أنك دائما تنظر لى بعينين مهذبتين ، قليل الكلام ، دائما تنظر فى الأرض وتخجل كلما مرت من أمامك أية فتاة ، فى الوقت الذى كنت أراهم يتحدثون بصوت عالى وأحيانا يتهامسون ، ويضحكون كثيرا ويسهرون فى الشارع إلى الليل ، وأراهم يتهافتون ويتبارون على كسب ود البنات ويحبون ويختلفون ، وكأن كل واحد منهم يريد إثارة غيرتى عليه ، وكثيرا ماكنت أضحك على حالهم ، وعلى ماهم فيه ، وكثيرا ماكنت أنا وصديقاتى نتندر من تصرفاتهم التي كانت مكشوفة لنا ، أما أنت توقفن عندك كثيرا وأخذت حيزا كبيرا من تفكيرنا ، وكثيرا ماتحدثت معهن عنك وعن أدبك وخجلك وأخلاقك وكنا نتفحص شخصيتك من كل الزوايا وندرسها فى إعجاب.
- بجد لهذه الدرجة ، إننى لااستحق كل ذلك .
- بل تستحق أكثر  ، فأنت مختلف تماما عنهم ، ولكن الشيئ الوحيد الذى كان يحيرنى فيك أنك تقف معهم وتجاريهم فى حكاياتهم وموضوعاتهم الكثيرة التى ربما لاتناسب طريقتك ، وأنت بكل المقاييس تختلف عنهم فى كل شيئ ، يعنى مثلا لاأتصور كيف كنت تتابعهم فى مغامراتهم فى الجرى وراء البنات ، ولا كيف تتكلم معهم عن الحب .


تكلمت كثيرا وأفاضت في مسألة الحب هذه ، ولم أكن أعرف ماالذى تقصده ، إننى لأاستطيع تحليل كلامها كله بنفس القدر التى تتحدث به ، فهى تقول أشياء كثيرة فى آن واحد وأحيانا تقصد منها أشياء أخرى ، أتفاجأ بها ولم تكن تخطر لى ببال فأنا لاأفهم من الكلام إلا معناه المباشر البسيط ، وليس لى فى المواربة أو الإلتفاف ، أو استخدام الرموز فيه . إننى احسست ولأول مرة بعجزى أمامها  فهى تتكلم كثيرا ولكن دون ترتيب أو توجه ، مع أنها تعرف جيدا ماتقول ، لماحة إلى أبعد الحدود ، وأكثر حيوية ومرحا ، وأكثر كلاما ، وأكثر وعيا بمن حولها من الناس ، ترفع صوتها وتخفضه ، وتتوقف عن الكلام إن أرادت ثم تواصله وكأنها لم تتوقف عنه بعد ، عندها قدرة فائقة على الربط ، كانت كلما تخرج عن سياق أى موضوع تعود إليه وكأنها لم تقطعه قط ، وأحيانا توارى وجهها فى دلال أثناء حديثها فى مواقف تتطلب ذلك ، وفى نفس الوقت لاتغيب عنها كلمة أو لمحة واحدة مما أقول ، حضور مابعده حضور . ولكنى توقفت كثيرا عند تناولها لكلمة " الحب " ، فكل الذى أذكره أننى تعلمت ونشأت على أنه "عيب" ، وهذا ماجعلنى انفصم كلما جاء ذكره على لسانها ، فهذا الشيئ أحبه ولكن أهابه ، أريد أن اقترب منه ولاأريد خوض أي تجربة فيه ، هكذا تربيت على الخوف الدائم منه ، وكانت هى تريد أن تجعل كل كلامها عنه  فكانت اسئلتها كلها تدور حوله وفى معناه ، حتى فاجأتنى صراحة وسألتنى
- وأنت
- وأنا ماذا ؟
- مارأيك
- فى أى شيئ

- فى الحب .
 ورحت فى دوامة ............... 




                               ولنا فى الخفقة الأولى بقية




مع خالص تحياتى : عصام  
          القاهرة فى مايو ٢٠١٧  







الثلاثاء، 25 أبريل 2017

شخابيط على جدران الجموح ( الخفقة الأولى 1 )



مقدمة
كثيرا ماكنت أفضل ألا أتكلم ، وأفضل أن أسمع أكثر، كنت انصرف عن الكلام لأنشغل بما يدور فى رأسى ، والذى يدور فى رأسى زخم من أفكار ومواقف وتعاملات وآراء ودنيا وناس ، أحيانا تأخذنى أفكارى للبعيد الذى أريده ، وأحيانا أخرى تصدمنى فى الواقع الذى أعيشه وتؤلمنى ، وأحيانا أخرى تجرنى للذكريات ، والذكريات ماهى إلا مجموعة من الأحداث رسمها القدر يوما ، ومع الأيام مضت وتلاشت ، ولكنها بقيت فى الذهن فكرا ، وكلما تقادمت مع الزمن بهتت وتحللت وتحولت داخل العقل إلى مجرد شخابيط ، أو خطوط تشابكت وتداخلت وتلاهت على جدران الذاكرة .. عشوائية المعالم .. مضطربة الخاطر ، ولم تكن يوما مستقرة ، ليس لها معنى إلا فى مكنون صاحبها ، فهى مخزونه الفكرى ، هذا المخزون إن لم يكن له إنبعاث نفسى ، فلانستطيع  مطلقا تخطى الحدود الحسية والمعنوية لما عشناه يوما لكى ندرك الحقيقة المختبئة وراءها فى دائرة اللاشعور ، فهذا الإنبعاث هو الذى يُحيى المواقف المؤثرة من متبقيات حصيلة تجاربنا الحياتية الناشئة من ظروفنا النفسية والاجتماعية والجسدية من صداقة وحب وسعادة وألم ، كانت حبيسة الصدر .. أسيرة النفس ، فيأتى الإنبعاث ويخرج طاقتها الإيجابية كمتنفس ، ويكون مفتاحا يفتح الأبواب المغلقة داخل قلوبنا وعقولنا . وكل منا له مفتاحه الخاص يختلف فى كينونته وأدائه من فرد لفرد ، وفقا لما يمنحه الله للإنسان من فكر ومواهب وملكات ، قد تظهر فى إبداعات الكتاب واستلهام الشعراء وعطاء الفنانين ، فلابد من متنفس لذكرياتنا وخواطرنا . أما بالنسبة لى لم أجد أفضل من الكلمات ، فعدت إليها وبحثت عن ذكرياتى فيها فوجدتها مبعثرة ، ومواقفها متناثرة ، والكثير منها مضى وتساقط من شجرة حياتى ولم أعد أتذكره ، حاولت أن أجمع ذكرياتى من عرض الطريق الذى كان يتسع بى وأحيانا يضيق ، وعندما هممت أن أكتبها حمّلت على ذهنى فى اعتصارها كى أكتب أكبر قدر منها وتأخذ شكل الحكايات العابرة ، أو المواقف المؤثرة ، حتى أستنطقت السطور بالمعانى التى تحتوينى ، كنت فيها حريصا على وضوحها وتنسيقها ولكن فى إطار معين ، ليس من أجل الأخرين ، رغم أن الإنسان لايعيش وحده ، ولايعرف قدرات نفسه إلا من خلال مايمرون بحياته ويمضون ، ولكننى أكتبها حتى أفرغ نفسى منها .. أو أفرغها من نفسى ، لتنطلق منى ، أو أتحرر منها ومن قيودها وأرتاح ، ولكنى كلما كتبت جزءا منها وجدت نفسى لاأرتاح ، ذكرياتى تريد منى أن تعيدنى إليها ، والماضى يؤثرنى وينغص على حياتى من فرط الحنين إليها ، والحاضرلاأجد فيه متعة الماضى ، وخاصة المواقف الرومانسية الجامحة التى عشتها وكانت تستهواها النفس وتؤسرها ، ماأجملها .. وماأرقها .. وماأحلاها . على أنه ليس كل الماضى جميلا ، ففيه أيضا منغصات ومواجع ومجرد استعادتها تثير فينا الألم والشجون ، وكم من آمانى كانت النفس تتمناها وتهواها وعدوت وراءها كثيرا ثم جنحت منى ، أو جنحت عنى ولم تتحقق . فبينما كنت متجها فى طريق حياتى ، وقفت لأعيد حساباتى مع النفس ، حتى نظرت لها فى المرآة وأصابتنى الدهشة على ماوصلت له من حال ، كم سنة مرت من الجرى وراء سراب ؟ ، ورحت لحظات فى شرود أفكر فى التلاشى ، ثم وضعت نظارتى السوداء على عينى ، ومضيت فى طريقى .

( ١ )


منذ أن كنت صغيرا وأنا أعانى من الأيام حتى سرقتنى ، سرقت منى أحلامى كلها ومرت دون أن أحس بها ، سرقت متعة الصداقة ، فلم أنعم بها حتى أقدرها ، وسرقت منى نعمة الحب فلم ينبت فى حياتى عشب المحبة حتى أعرفه ، إننى لم أعرف بعد معنى التعايش مع الناس أو بينهم ، كنت أراهم ولا أعرف كيف أتعامل معهم ، وهذا سر عذابى كله ، إننى لم أتعود فى حياتى  إلا على الإنزواء والبعاد حتى نشأ بينى وبين الناس حائط كبيرمن الخوف ، لم أفلح أبدا يوما فى تسلقه حتى أقترب منهم ، ليس فى يدى شيئ ألمسه ، ولاعلى شفتى شيئ أستطعمه،  ولاعلى لسانى كلام استطيع أن أقوله ، ولاعلى قلبى إحساس استشعره ، إننى لم أعد أفهم شيئا مما حولى ، ولاشيئ حولى يستوعبنى ، إن بينى وبين العالم كله حاجزا كبيرا من الزجاج الكاشف لكل شيئ ولا تراه عينى ، فلا قيمة لحياة لاأساوى فيها شيئا .. حياة بلا معنى ، ومع ذلك كنت عند أمى كل شيئ ، إن أمى لايعنيها إلا أن أكون فى صحة جيدة وأنام نوما عميقا وأن تكون ملابسى نظيفة ، وأنجح كل عام بتفوق ، أما غير ذلك لايهم ، لايهم أن أعرف بعد معنى للحياة ، أو أعرف معنى للخروج مع الزملاء ، ولا متعة النزهة مع الأصدقاء ، أو أفهم معنى الاختلاط بالجنس الأخر ، إننى لم أعرف قيمة المرأة فى حياتى وهل تساوى شيئا عندى أم لا ، إننى لم أعرف إلاامرأة واحدة هى أمى ، ولم تعرف أمى ماأفكر فيه فى هذه السن ، لاتعرف أن شيئا بداخلى بدأ يتغير ويتبدل  .. وأن لدى مشاكل وعندى متاعب ، وسأخلو مع نفسى وأفكر ، وعندما أجلس إلى زملائى فى المدرسة ثم الجامعة سيكون من بينهم الأصدقاء والرفاق والأحباب ، وستكون هناك حواديت وحكايات تناسب أعمارنا ، وتناسب رؤيتنا للدنيا والناس ، لم تعرف أمى كل ذلك ، فقط كانت ترانى كائنا حيا ، حملته فى بطنها ، ثم ولدته ليأكل ويشرب وينام ويلبس فقط . وأن خوفها الدائم على حياتى هو الحماية التى يجب أن توفرها لى كى تقينى من شرور الدنيا وشرور الناس .    


   
كنت كلما كبرت تعلقت فى أذنى عبارات " لاتلتف لأحد " و " خلى بالك " و" وأوعى لنفسك " و" عيب " و "وأوعى تقف أو تتكلم مع البنات " كانت تبثها لى عبر موجات من الخوف الذى ارتبط بكل شيئ في حياتى ، وخاصة مايخص البنات أو بالجنس الأخر، فالكلام معهن والجلوس إليهن عيب ، عشت فى وجود حدود لكل شيئ حتى كبرت ، وكبرت معى مشاكلى وكبرت معى أيضا رهبة التحدث إلى الناس وخاصة النساء ، وعانيت وتعبت واضطربت حتى اكتشف فيما بعد أن معايشة الناس شيئ طبيعى ، وأن الحديث مع أى فتاة ليس عيبا ، والخروج معها منتهى المتعة ، ومصادقتها شيئ ضرورى ، وحبها لابد منه ، فمعها تحلو الحياة ، والإنسان يظل مرتبطا بالشيئ الذى يجد فيه راحته ويضيف له الجديد فى حياته ، ومن أجل ذلك فهو يحبه ، ومادام هذا الشيئ يعطيه السعادة ويضيف لحياته معنى ، إذن فهو نادر ولابد من الحرص على تواجده والبحث عنه طول الوقت وكل العمر . فكان ولابد أن أتلصص على هذا العالم الذى كنت أهابه ، عالم المرأة ، الفضول والحرص جعلانى أحاول اكتشافه ولكن من بعيد ، وقتها كانت لاتوجد عندى فرصة ولاوقت ولاشجاعة ، أن أدخل عالمها بارتياح مثل كل من كانوا فى سنى ، وأن أجوب آفاقه وأباشره بنفسى ، ورغم القصص التى كنت أسمعها ، ورغم الفتيات اللاتى كنت أراهم ، إلا أننى لم أجرؤ على النظر إلى واحدة منهن ، وإذا نظرت لاأعرف ماالذى يمكن أن يحدث بعد النظرة أو الابتسامة أو السلام أو الكلام إذا ماتجرأت إحداهن ونظرت لى . كنت خجولا جدا ولاأستطيع أن أواجه شيئا من كل ذلك ، فقد كانت الحياة عندى هى الخجل من الحياة ، أو أن الحياة هى الحياء ، فإذا دق قلبى لفتاة ، يجب أن أكتم قلبى لأن هذا الذى يجرى فى داخله خطر على حياتى ، خطر على دراستى ومستقبلى لاألعب ، ولاأسهر ، ولاأنظر إلى أى فتاة ، فإذا نظرت أكون قد اقترفت جرما وارتكبت جريمة ، لذلك كنت اكتفى بالاستماع فقط إلى هذه المغامرات من أصدقائى وكثيرا ماكنت أشارك فى تخطيطها وأتابع معهم النتائج ، وكم كانت سعادتى عندما يصادفها النجاح ، كنت أحس بزهوى أمام نفسى وبالطبع أمام أصدقائى ، حتى صرت خبيرا فى العلاقات الغرامية والمغامرات العاطفية لهم ، ثم أسجلها فى ذهنى وأعيشها مرة أخرى ، ولكن مع خيالى وفى أحلامى الياقظة مع من تهواها نفسى ، إننى لم أنفرد بواحدة أو بقصة أو بمغامرة ، وإن كنت أتمنى ذلك ، حتى تشكلت أول قصة حب فى حياتى ، أو أننى توهمت بينى وبين نفسى إنها قصة حب .  


يسرية جارة تسكن فى المنزل المقابل لمنزلنا كانت تكبرنى بثلاث سنوات ، كانت مثار إعجاب كل شباب شارع الشيخ القويسنى بل ومنطقة الظاهر كلها ، منحها الله الفتنة فكانت متعة لكل نفس تهواها ، ومنحها الجمال فكان حديثا لكل عين تراها ، وأعطاها سمة القبول فكانت قبلة لمريديها الذين كانوا يتضاعفون يوما بعد يوم ، كان جمالها هادئا ، وأنوثتها طاغية ، جمال تملك كل محاسنه ويفصح عن قد ملفوف كغصن بان ، ووجه نضر ذى بشرة صافية وتقاطيع جميلة ، يضم عينين فاتنتين وأنف أشم وشعر أسود ناعم قصير ، كانت أنوثتها تشع منها جاذبية غريبة من النوع الذى يمس شيئا فى أعماقك ويشعرك بأن كل حواسك شدت إليه حتى تصورت وقتئذ أنها أجمل فتاة وقع عليها بصرى ، فداعبنى حبها ، وكانت هذه هي الخفقة الأولى التى شعرت فيها بهذا الإحساس الوافد الجديد ، أما هى فلم يظهر عليها مايمكن أن أستشعر من خلاله إحساسها ، وعندما بدأت اهتم بها اكتشفت أننى لم أكن وحدى من لفحه هذا الشعور الجميل وداعبه هواه واجتاحه ، فالمعجبون بها كثيرون ، والكلام عنها أصبح متداولا بينهم كأحسن مايكون الكلام فى الحب ، والغريب أنها لم ترد أحدا منهم خائب الرجاء إذا ماحاول أن يتكلم معها ، أما أنا فلم أحاول وكأننى أكتفيت باستراق النظر إليها ، كانت تنظر لى فى تعجب ، ربما أحبت خجلى ، أو أحبت فى حيائى ، أو لفت نظرها المجهول التى تحمله نظراتى لها ولم تستطع أن تتبينه ، فكنت استشعر من نظرات عينيها أن وراءها كلام وحديث يريد أن ينطق ويسألنى من أنت ؟ وماذا تريد ؟ ، ولم تعرف أن خيالى الظامئ كان يهيئ لنفسى أننى اقترب منها وأتوهم أنها تفضلنى عن كل هؤلاء الذين أحبوها ، أو أنها تحبنى . إننى لاأدرى كيف وصل بى خيالى إلى هذا الحد وسط كوكبة الذين تزاحموا على حبها وعاشوا يتمنون رضاها ، وكانت تمنحهم نفس النظرات التى كانت تمنحها لى وأحيانا كانت تغدق عليهم بابتسامة ، مقابل إبراز عواطفهم التى كانوا يمنحوها لها بسخاء ، أما بالنسبة لى فإنها لم تعرنى أى اهتمام غير نظراتها الباحثة عن ذلك المجهول البعيد الذى ينظر لها ويبتعد ، ينظر لها ولايحاول أن يكلمها ، وخاصة أنها كانت فى غنى عن هذا الشخص تماما الذى هو أنا ، فمحبوها كثيرون وأفضل وأجرأ منى بكثير ، فلا وقت لديها حتى تضيعه مع إنسان مثلى ليس لديه الثقة فى نفسه وأمامه الكثير حتى يكون جديرا بأن تفكر فيه . أنها لم تدر أن الذى يملأ جوانحى إحساس جميل لها ربما لايعادله كل أحاسيس معجبيها ، وربما كان مختلفا عن كل من حاول أن يكلمها ، ولكنه حبيس صدرى ولا أدرى إلى متى سيظل هكذا ، إننى لاأجد مايشجعنى ولو تشجعت أتذكر كلمات أمى فجأة فتثبطنى وتحبطنى ، إننى لااستطيع أن أقول حتى مع نفسى أنى أحبها ، كنت كثيرا ماأتخيل وهى تقول لى تكلم إننى أحبك ، كنت أتوهم ماأتمناه ، أى أننى أتمنى لو يحدث ، والحقيقة هى أن شيئا من كل ذلك لم يحدث ، ولكن أريده أن يحدث ، إنها لم تشعر بى أساسا ، ولم تكلمنى ولا أنا حاولت أن أكلمتها ، أو حتى اقترب منها ، والمعنى إننى أريد ولكن لاأستطيع . 



كنت خجولا ومترددا وخائفا وحساسا ، وبقدر ماكانت خيبة الأمل وتهيبى كانت جرأة الأخرين ومهاراتهم ، فكنت أكتفى بالنظر والإعجاب والحب عن بعد ، وكان هم لايكتفون بأقل من حديث عابر أو لقاء خاطف كلما ذهبت للمدرسة أو راحت تشترى شيئا ، وكانت هى تحدثهم ولكنها لم تمنح أحدا أملا أو تصريحا بأنها تميل له أو ترتاح إليه ، أبدا ، ربما هذا هو الذى شجعنى على إمعانى فى هذا الوهم الجميل أن أحدا منهم لم يظفر بحبها ،  مما أعطانى الأمل فيه وقلت في نفسى حتى ولو كنت أخر من تنظر إليه ، إننى صرت لاأرى غيرها ، وصورتها دائما تملأ خيالى ، وكرهت ذلك الحذر والتردد والضعف والخوف وكل ماكان يحول بينى وبينها ، إن القدرة لم تكن هى التى تنقصنى ، ولكن كانت الثقة بالنفس والجرأة والشجاعة ، بدأت أهتم بنفسى .. بمظهرى وهندامى ، كنت قبل ذلك لاأهتم بهما ، ولا حتى أكلف نفسى النظر فى المرآة ، كنت أرى أننى لست بحاجة للنظر إليها حتى أرى وجهى ، إذ لم يكن شكلى أو مظهرى يهمانى فى شيئ ، ولكن من أجلها وجدتنى أهتم بمظهرى ، وأنظف أسنانى ، وأمشط شعرى ، كى ترانى بأفضل ماتكون عليه صورتى فى عينيها ، كنت أبحث عن كل الطرق كى أراها ، ولم أجد أفضل من سطح منزلنا كى أتابعها بكل اهتمام ، فهو أنسب وأقرب مكان لرؤيتها منه ،  وكثيرا ماكنت أجد متعة كبيرة عندما انتظر خروجها للشرفة أو عندما أراها واقفة خلف الشباك . كنت أحب دائما أن أصفها للمقربين ، وأجد لذة كبيرة كلما تحدثت عن جمال وجهها ، ورشاقة جسمها ، وأتغزل كذلك فى عينيها الغافيتين وحاجبيها وشفتيها وشعرها الأسود ، ومشيتها التى كانت تتهادى فى خطواتها كأنها بطة . كنت أتخيلها وأنا أهرب بها إلى أخر الدنيا  حتى جاء اليوم ..........  
                              وللخفقة الأولى بقية


       


مع خالص تحياتى : عصام  

              القاهرة فى إبريل  ٢٠١٧