music

الأحد، 15 أبريل 2018

شخابيط على جدران الجموح (1)






صورة واحدة أقف أمامها طويلا ، هى صورة نفسى وكلما أمعنت النظر فيها تولدت الأسئلة المخبأة بداخلى لتتسلل إلى عقلى وتسأله من أنا ؟ ، إننى أريد أن أعرف من أنا ؟! أحيانا يهدينى عقلى إلى اشباع نرجسيتى بدافع الزهو لاستشعارى بأن حياتى متزنة ومعقولة وهادئة ، بسيطة ودافئة لحبى وارتباطى بكل ماحولى من شخوص وأماكن ، وخاصة أن سيرتى الذاتية تبدو سلسة منظمة من أحداث حياتية بسيطة لها فلسفتها فى التفاعل الإنسانى والاجتماعى ، وأحيانا أخرى يأخذنى قلبى للمناطق البعيدة قد تكون باردة وعلى فترات أخرى تبدو حارة ، ربما يدخلها بعض التبريرات المنطقية المعقولة التى تتفق ولغة العقل لكل المسببات الحقيقية المؤثرة لأحداث تأثرت بها وأصلت فى أجمل معانى الحياة بالفطرة و ماتعلمته بالتلقى من أبوين عملا على إنماء شيم الأخلاق والمثالية فى حياتى وعايشتها ، وربما تأخذنى نوازع النفس إلى أبعد من كل هذا فتتجاوز العقل والقلب والحقيقة ، وهناك أجد نفسى واقفا وحدى محاولا الفكاك من قيودى الموثوقة التى طالما كبلت كل أفكارى وعواطفى ، وجعلتنى فى هوس مابين الضوابط التى آلفتها وتأصلت داخلى فتحكمنى ، وبين ماتتوق إليه نفسى وأحببته فأريده ، وقتها تصنع بى أحلام اليقظة ماتصنع ، وتأخذنى الظنون ماتأخذ فى كل المعطيات المتاحة وكافة الإحتمالات الممكنة ، لتأتى النتيجة مخيبة لأمالى ، على خلفيتها القليل من النجاحات ، ليبق الكثير من ركامات الفشل وخاصة عند منعطفات التعامل الإنسانى فى عاطفة الحب التى كنت حذرا فى التعامل معها أشد الحذر ، فكثيرا ماكنت آوى فيها إلى نفسى وانزوى مخافة من الصدمات المحتملة التى كان والدى يحذرنى دائما منها بألاأقف مع البنات ولاألعب معهن ، وعندما كان يرانى أقف وسط الأصدقاء بينهم بنات ينهرنى ويعنفنى بشدة ، واستمريت على هذا الحال وعلى مدى مراحل عمرى التى ارتقيت إليها تأصلت فيها الرهبة والخوف منهن بلا سبب ، حيث كنت أشعر دوما بأننى قليل الخبرة فيها ، لدرجة أننى كنت أتجاوزها فى كثير من الأحيان دون ارتياح رغم كثرة علاقاتى بالعالم الأنثوى بعد ذلك ومعرفة الكثير عنه وعن حياتهن وطبائعهن ، إلا أننى كنت أضع حدودا فى شكل كل علاقة ومقتضى أى حديث معهن ، فكنت أعذب نفسى كثيرا وأقسو على قلبى أكثر ، ثم اتهمهما بالتقصير ، رغم أننى كنت أتوق للحب وأتمناه ، ومابين التطلع والحيرة كانت تملكنى نفسا تؤرقنى كثيرا إذا تقلبت .. ويحكمنى قلبا رقيقا يعذبنى إذا أحب ، ويقسو علىّ إذا عانى من الوحدة ، عشت جزءا كبيرا من حياتى مضطرب الخاطر ، ومع ذلك لم أسلم من اتهامهن لى بالثقة الزائدة والتعالى ، وأنا لم أكن كذلك ، ولكن عيونهن كانت ترانى كذلك ، ولم تعرف أى منهن أننى كنت أحب الحب واتخيله واستعذب التفكير فيه وأتوهمه ، كى أعيش على هواه ، لأن القدر شاء ألا أقابله ، وأبى ألا أصادفه ، حتى سئمت منه ومن تخيلاته .. وآه من التخيلات ، وأه من الهوى .


القاهرة في إبريل 2018

الاثنين، 1 يناير 2018

شخابيط على جدران الجموح ( العندليب الباكى)

كنت كلما دخلت فى مدار عينيها أرى نفسى طائرا يحب أن ترى طريقته فى الجرى مرحا ، أو فى القفز على النوافذ لاهيا ، أو الطيران على أسطح المنازل بثقة ، أو التنقل بين أفرع الأشجار برشاقة ، وفى سبيل تحقيقى لهذا كنت أركض ولاأريد التوقف أبدا ، وكلما تعثرت فى شيئ ، أنظر إليها ، فإذا ضحكت ضحكتها الرشيقة ، أخجل ثم أتماسك بسرعة لأكمل الجرى أمامها وأعدو ، فإن غابت عن عينى أعود مسرعا إليها ، كنت أحب طريقة حبها للأشياء ، فأحب الأشياء من أجلها ، ولكننى لم أجرؤ يوما أن أصارحها بحبى لها ، فخشيت أن تصدمنى بما يُكره من شعور مناقض ومتباين لإحساسى تجاهها ، ولكننى لم أسأم يوما الغناء حولها ولاأريد أن أكتفى ، فهذه هى إمكاناتى وقدراتى الوحيدة فى التعبير عن إحساسى بها ، وكنت كلما هممت أن أتشجع لأبوح لها بما يكنه قلبى نحوها ، أتذكر ماحدث للعندليب الجميل ذات يوم حيث أبكى الطبيعة كلها بعد أن منحها من قلبه وحبه الشدو والغناء . فأعود إدراجى ، ولست أدرى لماذا تصورت نفسى عندليبا ، ولماذا استهوتنى حكايته رغم ماتنطوى عليها من ألم وجراح ، أى على غير ماكان يستحقه هذا الطائر النبيل الذى كان يمتلك صوتا عذب النبرات .. رخيم الأوتار . دعونى أحكيها لكم ببساطة أو أحكيها لنفسى فلطالما عشت تفاصيلها بمنتهى الدقة شكلا وروحا ، حتى كادت تستغرقنى وهيأت لى نفسى أننى هذا الطائر التعس المعذب الذى راح ضحية الأشواك من أجل إحساسه المفرط للحب رغم عطاءاته المستباحة للجميع كلما صدح بالغناء ، ورغم أن الطبيعة أحبته واستجابت له إلا أنه كان مكدودا حزينا عندما وجد أن غناءه لايصل لمن يريد ، وشعوره المنساب منه راح من بين كفى القدر سدى ، ولكنه فى إصرار لايريد أن يكف عن الغناء ، ربما آثر التضحية واكتفى بعطاءاته  من أجل هدف أسمى حيث رأى العِوض فى إسعاد الأخرين ، فراح يغنى لهم ويسعد لفرحهم ، وكلما خلا بنفسه كان يبكى بكاء مريرا ، إنه أرقى أنواع الحب التى يتجلى فيها معنى إيثار الحياة بهوانها كى يعيش الحب ويبقى بعد أن يغادر صاحبه .




دعونا ندخل فى خضم حياة هذا الطائر ونعيش تفاصيل حياته ، فلكم كان محبا للحياة .. محبا للغناء ، فإذا ماشرع فيه تصمت له الروضة ويسودها السكون صاغية له وحده ، ولكن كان حبه لمن اختاره قلبه أكبر ، إذ عشق وردة ذات رداء أبيض بعد أن رأها فى مواطن كثيرة متألقة فى زهو ، مختالة بجمالها الغض فى غرور ، فأحبها من أول نظرة ووقع فى غرامها حتى امتلك حبها من قلبه امتلاكا .. حبا شديدا كأعنف مايكون الحب ، وأحر مايكون الهيام ، حبا فاق كل قدر ، وجاوز كل حد ، ومن يومها عاش يحدوه الأمل أن يأتى عليه وقت وتحبه ، فتحول بألحانه العذبة لها ، فكانت كلما تغنى بها تسيل له الرقة ، وتذوب له القلوب فتصفى . ولكن طال الأمد ومرت الأيام ولم يشعر منها بنبثة عاطفة أو لفتة حب ، فقال فى نفسه : يالها من دنيا ليس كل مايتمناه القلب فيها يدركه ، إنها لم تعرنى اهتماما ولم تنظر لى حتى بإشفاق . فتحول غناؤه إلى تغريدات مكتربة والهة ملأ بها الفضاء الفسيح حولها ، لدرجة أن الآفاق البعيدة كانت ترددها حزينة فى تتابع وكأن رجع صوته صدى لترنيمات ذو شجون من حال إحساسه الدفين الذى كان يضمره فى نفسه من تجاهلها الدائم له وعدم إلتفاتها إليه ، حتى أنه عاش على الفُتات يقتات رنوات مسترقة فإذا مارمقته نضَّها فى إسراع دون إبطاء ولاتمهل ، ثم يطير عن المكان بعيدا شائح الوجه ، فما كان له من سبيل سوى هذا الغناء الذى ينطوى على الجزع والجوى ، كأنه أراد به أن يبعث فى زهوها التى كانت تفعله لغيره ذلك الومض المنبعث من قلبه والذى خالط فيه حبه بالأسى ، إذ كان يعتبره الوسيلة الوحيدة التى يستطيع بها أن يعبر عن مكنونات قلبه الحزين ، حتى أجاد فأحسن الغناء لموهبة امتلك مقدراتها فى العزف والأداء ، وعرف بها كيف يستلب آهات ماحوله . بقى على هذا الحال منتظرا معذبا بأمل بئيس يرسل لها نظراته عبر هذه النغمات المنسابة منه حتى ملأها منها ، وأصبح لايرى غيرها ولايريد ، إنه لم يستطع أن يتخلص من السهام الجامحة التى نفذت إلى قلبه ، فهام على وجهه وهجر عشه وأناخ فى مكانها وكرث كل وقته كى يراها أمام عينه فى كل أوقات الليل والنهار ، لدرجة أنه استعذب ألايبيت فى وكره حتى لاتغيب عنه ، كى يراها نائمة فى أحضان الليل كعذراء الربيع الناعمة المدللة ، يرقب كل حركاتها وسكناتها ، كانت غيرته عليها شديدة حتى من أجواء الطبيعة لدرجة أنه كان لايروقه رؤية الندى وهو يرسل أنفاسه إليها قطرات تبعث فى محياها روح الحياة فى الصباح فيحيل كل مافيها إلى عبير يتضوع ، وكان يغار من القمر عندما يرسل شعاعاته الفضية إليها فى المساء عبر السماء نورا مداعبا إياها مرسلا ضحكاته إليها فتتألق وتزدهر أغصانها بهاء وفتنة ، وكان يشتد غيظه أكثر كلما استدار القمر وقبلها وأرسل إليها أنفاس الليل لتهب عليها حتى تتفتح أوراقها وترف أفوافها منتشية فتحيل الليل مسكا وعطرا ، كان يأنف من نسيم الربيع كلما لفحها بدعباته ومحاولاته أن يمسها برفق ويلف ويدور حولها كى تصير مبتهجة نشوانة ، كان لايسره هذا الذى يراه ويهدهد قلبه الثائر ، ويسأل نفسه ويتمنى ماذا أفعل حتى أكون مثل هؤلاء ، واستطيع أن أصل لقلبها ، وأغازلها عشقا وأداعبها حبا ورقة ، ماذا أفعل أكثر من تغريدى لها حتى تستجيب ، فلطالما أرسلت إليها تغريداتى ترنيمات تحمل حبى وأشواقى ، حتى عرفها القاصى والدانى إلا هى ، رغم قدراتى فى تحويل الصمت حولها إلى صدى والسكون إلى كرنفال ، وجعلت للوجود معنى بغنائى وكثرة تحركاتى ومرحى على فروع الأشجار أداعب أغصانها ، فتصدح لها وتجعلها مترنحة راقصة ؟ لماذا لاتشعر بتألق كل هذا أمامها ؟ لماذا لاتتفتح أوراقها أمامى وترف أفوافها كما تفعل مع غيرى ؟ لماذا لاتفرح ولاتنتشى بوجودى ؟ فأنا من أسعى لسعادتها ، وأفرح كلما أرها زهرة يانعة ، مالهذا الغرور الذى جثم عليها فتملكها ونغص علىّ حياتى .



كان دائم التحدث لنفسه ليشكوها حبه الشديد لها ، ويفضفض معها كثيرا تعلقه بها ، فموجة الحب قد غمرته .. وتيار الهوى قد جرفه فيما جرف حتى صار حبها معششا فى قلبه مستحوذا على تلابيب عقله ، وأنه لم يعد يملك عقلا ليفكر . كان خجولا من فرط جرأتها مع الطبيعة ، وأن قدراته لم تسعفه بأن يبوح لها بما يكنه قلبه تجاهها من حب صادق عفيف ، واعتقد أنها سوف تفهم حبه من نظراته أو من شدو غنائه كلما تثنى مغردا متمايلا فرحا بين أغصانها متنقلا أمامها يمينا ويسارا ، حتى استيأس أن يصل لها ، ووصل به اعتقاده أن شدوه لم يكن سوى التنفيس عن همومه ، والتلطف عن مشاعره ، والتفريج عن إحساساته الرقيقة حتى يتخفف عنه التوتر والقلق والحيرة ، فصادقه كل ما حوله وأحبوه وأحبوا غناءه ، ليتحول كل شيئ إلى عالم أخر يشبه السحر يملأ الكون من حوله عطرا يشعر به كل من كان فى المكان دونها ، فلطالما أخذها الزهو فى تكبر ولم تأب لذلك ولم تفهم بل ولم تحاول أن تنظر إليه البته ، ولكن الأمل جعله ألا يصدق الواقع ودعاه ألايكف عن ملاحقتها منتظرا أن تحين الفرصة للإنفراد بها وإظهار إعجابه الشديد لها ورغبته الملحة فى أن تحس بمشاعره ، وقال فى نفسه : ربما الجرأة تفيد وتشعر بى . وفى ذات يوم قرر أن يستجمع كل قواه ويصارحها بحبه ، وعندما طالب مخاطبتها كى يبوح لها بعواطفه تلاحقت أنفاسه اضطراباً وهو يرجوها أن تحس به ، وما أن فرغ من حديثه معها حتى صدمته و أنفجرت فيه غيظاً ، بل كانت قاسية معه أشد القسوة ، عنيفة فى صدها له ورفضها لمشاعره أشد مايكون العنف ، وقالت له أنا لاأحبك ألاتفهم ، إننى مللت كثيراً من مطارداتك السفيهة . لم ينبس الطائر بكلمة وعاد إلى وكره حزينا ، ولم يُغمض له جفن فى تلك الليلة ، وقطع على نفسه عهدا بأن يتركها وشأنها ، ولكن من فرط الحنين وماأحتواه قلبه من عواطف متأججة ، كف نفسه عن الغناء واكتفى بأن يسترق النظر إليها خلسة من بعيد بلا هدف كى يرضى نفسه وقلبه ولاينتظر منها شيئا بل كان يتوارى بين أوراق الشجر ويتجنب أن تنظر حولها فتراه .



أما هى لم تأب بأنها حطمت قلبا أحبها ، ولم يحرك مشاعرها الساكنة البغيضة إلا مصارحة إحدى صويحباتها من المقربات إليها بأنها تحب هذا العندليب وأرادت أن تعرف منها ماالذى كانت تفعله حتى أحبها كل هذا الحب السخى ، وماالذى ينبغى عليها أن تقوم به حتى تصل إليه كى يحس بمشاعرها الفياضة تجاهه وتنعم بوصاله . فما كان للوردة البيضاء أن استشاطت غيظا وحنقت عليها عزة نفسها واعتملت فى صدرها الغيرة حيث قالت لها : إنه يحبنى أنا ألم تعرفين أنه اعترف بحبه لى من قبل . فما كان من صديقتها أن قاطعتها  فى حدة وحزم : ولكنك رفضتى حبه لك ، إذن لاتثريب عليه اليوم إن يبادلنى حبا بحب ، وعشقا بعشق وسأعوضه عن مافعلتيه معه ، وليس لك الحق الأن أن تتحدثين عنه وقد أهنت مشاعره أمامنا ، لذلك سأحاول أن أعوضه عن كل هذه الإساءات البالغة وازدرائك له واستخفافك به وسأجعله أسعد طائر فى الكون . نظرت إليها فى تحد وقد وصل بها أوج الغرور إلى منتهاه وأرادت فى تعالى أن تجعل صاحبتها عبرة لباقى صويحباتها ليشهدن بأنفسهن تفوق جمالها عليها وأن تثبت لهن أن هذا الطائر مازال يحبها هى فقط من أجل جمالها الذى لامثيل له ، فهو من جاءها يوما يرجو مودتها وأسرَّ لها بمدى حبه الذى لايعرفه أى كائن فى الوجود حتى البشر .. وهو من تمنى منها يوما مجرد إشارة أو لفتة أو رنوة من رمقة عين . ثم استطردت : ورغم أنه الطائر المعروف لدى الطبيعة الخلابة بعندليب الشرق لجمال صوته وعذوبة غنائه ، إلا أنها أيضا تُعد أجمل مافى الروضة قاطبة ، فإذا تغنى .. تغنى لى فقط بألحان رومانسية ، فما له إلا أن ينثر من حولى الفتنة ويبعث فىّ الدلال . كانت تتحدث فى تكبر ، لاتأبه بمشاعر الغير ولاترى إلا نفسها فقط ، تتعامل معهن فى غطرسة متباهية مختالة لاتكل ولاتمل من انها تقول لهن أنه يفعل كل ذلك من أجلها .. ولها وحدها دون أن تشير من قريب أو بعيد احترامها لمشاعره التى غلبته وحاول أن يبديها لها لتحس به . كن ينكرن عليها أنانيتها وغرورها وتعاليها ويقلن لها كفى عن نفسك هذه البجاجة . فتحدتهن أمام الجميع ، وتراهنت عليه وأرسلت فى طلبه بعد أن أكلها الغيظ وأضمرت فى نفسها شيئا لصديقتها نكاية بها لتأكدها من أنها حاولت أن تصل إليه ولم تفلح ، وسعيت وراءه شغفا وحبا له ولم تنل منه حتى ولو نظرة واحدة . بأنها ستجعل الجميع يشهد مدى حب هذا الطائر لها فى تباه وأنفة ، وبأنها ستأمره أن يفعل شيئا أمامهم يصعب تنفيذه ، أرادت أن تسخر من صديقتها ومنه وتجعل من حبه لها مسلاة للقريبات منها حتى تكيدها ، فدعت الكل ليروا بأنفسهم ماذا ستفعل بهذا الأبله الذى هام فى حبها صبابة وتجعله مادة سخية تندرا عليهن ونكاية لمزاحهن لها كى ترضى غرورها أمامهن ، وتثبت للجميع مكانتها وجمالها الفائق وأنها تستحق أن تكون ملكة عليهن وأن الطائر لم ولن يحب غيرها ، ثم دعت الجميع وجعلت صويحباتها المحظيات الأقرب منزلة لها على مقربة منه يسترقن النظر إليه ويضعن أكفهن على أفواههن خشية أن تفلت منهن الضحكات التى كانت تعتمل فى صدورهن لمعرفتهن مسبقا بالمكيدة التى دبرتها له .



أما هو لم يكن أبدا يصدق أنها أرسلت فى استدعائه حتى جاء بخفى حنين وفى ترقب مضطربا يسأل نفسه ياتُرى ماذا تريد منى بعد أن نهرتنى وصارحتنى بأنها لاتحبنى ؟! ، وظل منتظرا مترددا يريد أن يغادر بعد أن وسوست له نفسه وقالت له : لعلها رأتك وأنت تتابعها من بعيد وتريد أن تجرحك مرة أخرى أمض من هنا فهى لاتحبك . وعندما همّ للنزوح أطلت عليه فى كامل زينتها باسمة وبتغنج نادته ، فرك عينيه اللتين أعياهما طول السهر وطول الانتظار ولم يصدق مايراه وظن فى نفسه أن رؤية عينه قد خانته وأنه لم يعد يقوى حتى على النظر إليها ، ولم يتوقع يوما أن تفاجئه وتقول له :  لئن وجدتنى مثلما تريد وأحببتك حبا شديدا ، فهل هذا يسعدك ويروقك ؟ فقال لها : نعم وكانت هذه هى أمنية حياتى ، قالت : إذن لابد أن تبدى استعدادا لعمل أى شيئ يسعدنى حتى أشعر بوجودك ويجعلنى أحبك ، فهل لديك القدرة على ذلك ؟ . قال لها : أليس غنائى دليلا على حبى لك . قالت : الغناء لايكفى فأنت تغنى للطبيعة كلها وليس لى فقط ولك معجبون كثيرون ومعجبات ، إننى أريد منك أن تثبت لى حبك بأن تعمل شيئا من أجلى أنا وحدى  . قال لها : إذن تمنى علىّ . قالت : أن تفعل شيئا يبدل ردائى من اللون الأبيض إلى الأحمر ، وعندما يصبح كذلك تكون قد وفيت ماأريده ويومها لك ماشئت وتكون قد ملكت قلبى مدى الحياة . رد عليها : وكيف السبيل لذلك ، قالت : هذه هى مهمتك ونجاحك فيها هو طريقك الوحيد إلى قلبى . فرح فرحا شديدا وراح يفكر فى كل الطرق التى تمكنه من أن يحقق به مطلبها ، ولم يع أنها تستدرجه كى تسخر منه ، ولم يفكر أنها تستبيح كرامته وتتلاعب بفيض مشاعره أمام روضة المكان بكل مظاهرها بحيلة رخيصة . أخذ يفكر ويفكر حتى أسهب فى التفكير ولم يهتد إلى أى سبب منطقى ومقنع يجعل العقل يصدق أن هناك قدرة على تحويل اللون الأبيض إلى أحمر غير قدرة الله سبحانه وتعالى ، وأن زمن المعجزات قد ولى وذهب ، إلا أن قلبه أخيرا هداه بأنه هو من سيقوم بهذه المهمة الصعبة ، أى أنه يقوم بجرح نفسه ثم يطوف حولها بجناحيه كى ينشر دمه عليها فتتحول إلى اللون الأحمر . ولم يمهل نفسه فرصة للتفكير حتى يتراجع ولم يأبه بأن حياته قد تساوى ماسيُقدم عليه ، بل فعل وبإقدام بلا تردد ودونما النظر إلى العواقب ، راح وحط نفسه على أعلى وأكبر شوكة فى غصنها المستقوى بجبروتها ، تلك الشوكة التى طالما كان يراها ويتفاداها عندما كان يطير فوقها وحولها مرحا ، الأن يحط نفسه عليها قاصدا إياها حتى استقرت فى قلبه وجرحته جرحا غائرا نزف على أثره نزفا شديدا ، ثم بدأ فى انتزاع نفسه منها بصعوبة بالغة وبخطوات ثقيلة اهتزت فيها محاولاته لإعتلاء الغصن من أسفله إلى أعلاه وثبا ، إذ أنه تعسر كثيرا لبلوغ مكانها ، خارت خلالها كل قواه وخانته ليسقط أثناء طيرانه الواهن أكثر من مرة .


كان يريد أن يسابق الزمن قبل أن يوهن أكثر ويداهمه الموت ولايبلغ علوها ، الوجوم ساد الجميع وهم يرونه يجاهد جهادا مريرا ليسابق الموت قبل أن يدركه صابرا محتسبا ، رابط الجأش فى جلد ، متحاملا على نفسه فى صلابة حتى بلغ علوها بشق الأنفس وارتمى على خدود أوراقها وأخذ فى ضعف ووهن يعتصر دماءه الشفيفة ويقطرها على لحاها حتى تخضبت بها . احتشدت قطرات العرق على جبينه بعد أن تفصدت ونطق والدموع تتساقط من عينيه الغائرتين وقال لها بصوت مختنق انتزعه من حلقه انتزاعا : ها آنذا قد فعلت ، عشت حياتى كلها أفكر فقط فى كيفية إسعادك ، وعندما طلبتى ماطلبتيه منى ، حاولت إدراكه بأى ثمن ، نسيت كل ماحولى .. نسيت حتى نفسى وأنكرت ذاتى وعزمت أن أقدمه من دمى ، لأنك كنت عندى أغلى منه ، وكان يكفينى فقط أن أرى ضحكة صافية من قلبك ، وكان يسعدنى فقط أن أرى زهو الحياة فيك حتى أسعد أنا بحياتى حتى ولو للحظات ولايهمنى بعد ذلك إن كنت سأعيش أو أموت ، تلك ماكنت أرنو إليه وأتمناه ولها شُغل قلبى وبصرت عينى طربا للنفس وغلبنى الهوى والشوق اللذان كان يهويان ربيع أوراقك ، حتى صرت بحبى لك ضحية لأشواكك . ثم تسبلت عيناه وتسمرت فى جحوظ . فأدركت الوردة مدى حب هذا الطائر لها ، وعرفت ولأول مرة معنى الحب الحقيقى إذ لم تكن تعرفه من قبل ، بل وعرفت معنى وقيمة التضحية من أجل إسعاد الحبيب ، وهى التى لم تتنبه يوما أن هذا العندليب كان هو الحبيب ، ولكن ماذا يفيد الأن بعد فوات الوقت والأوان ، لقد مرقت أنفاسه المتهدجة التى كانت تجاهد بصعوبة بالغة اللحظات الأخيرة حتى انسربت منه الحياة ومات ، وآسفاه عليه وهو ينظر إليها باكيا حين كان يلفظ أنفاسه الأخيرة بنظرة الرمق الأخير ليسقط من أعلى الفرع الذى دأب الغناء عليه بأعذب الألحان . كانوا يتابعون جسده النحيل أثناء سقوطه وهو يتهاوى أمامهم فى ذهول حتى أستقر طريح الأرض وإلى الأبد فى موقف مهيب مروع ، كانت الدهشة عنوانا لكل الروضة التى راحت تشيعه وقد تملكتها نوبة بكاء مريرة ، كانت أكثرهن تأثرا صويحباتها اللاتى جئن ليسخرن منه ويضحكن عليه فماكان منهن أن أبكياه بحرقة من وخز ضميرهن وأخذن فى التسرب من حولها واحدة تلو الأخرى ، أما الأغصان هى من كانت أكثرهن حزنا وألما عليه حيث أرخت سدولها نحو الأرض منتكسة وكأنها تريد أن تضمه وتعانقه كما كان يسعدها بمداعباته لها ومرحه عليها ، الشمس توارت وراء الأفق حزنا عليه فلكم أطربها صوته وهى تتابع تحركاته تحت سمائها لاهيا مغردا مرحا ، فكانت تغدق عليه بأشعتها الدافئة وترسلها إليه ليزداد تألقا وتلألُؤا ، والطير .. كل الطير تجمعت على الأرض منكسة الأجنحة يعتصرها ألم الفراق وهى تواريه الثَّرَى ، النهر ساهم واجم من الحزن حتى ركدت مياهه وأسنت ، الورود والأزهار منغضة أوراقها ومنكسة على أغصانها تعتصرها ريح الحزن اعتصارا .. حقا لقد حزنت الطبيعة واكتأب الكون كله عليه .





أما الوردة مخضبة الدماء بدت وقد تملكها الذهول ، ثم مالت لتنظر إلى معشوقها الذى ذهب وراح ولم يمهله القدر أن ينتظر حتى يسمعها ، ربما كان سيسمع ماكان يتمنى أن يسمعه طول حياته ويسعده ، ولكن ماذا تفيد كلمات الندم وهى لن تراه بعد الأن . وراحت تبكيه وتلعن نفسها وتلعن غصنها المستقوى بشوكاته فى غرور ، ثم راحت تتذكر وتسترجع كيف فعلت به مافعلته ،  وكيف استهانت بحبه وهو الذى أعزها وحاول كثيرا أن يسعدها ؟ كيف ستواجه الأيام بدونه بعد أن وقع حبه فى قلبها ؟ كيف لاترى ابتسامته الحلوة التى كان يقابلها بها .. كيف ستغيب عنها نظرة الحنان التى كانت تشع من عينيه الرقيقتين التى لو نفذت لأى قلب تصهره . كيف كانت لاتشعر بكل هذا .. كيف كانت لاترى هذا الذى تراه ولم تكن قبل ذلك تراه ، كأنها كانت فى ظلمة وانفتحت أمامها فجأة طاقة من نور أمام عينيها .. نور يخطف البصر ، ولكنه خطف الحب أيضا . نظرت إليه وهى تستعيد لحظة احساسها بأنامله الرقيقة وهو يفترش دماءه على أوراقها ثم يوزعها بجناحيه الهزيلين وهو يلبى لها أول ماطلبته منه ، وأخر مايمكن أن يقدمه لها ، تذكرت وندمت كيف أقدمت على لعبة رخيصة ثمنها كان باهظا .. كلفته حياته . ولكن ماذا يفيد كل هذا الأن ، بعد أن ذهب الحب وذهب صاحبه ، ولم يعد لها فى الدنيا من يخاف عليها ، من يؤثر نفسه من أجل إسعادها . ساد الصمت من حولها .. صمت أليم موجع ، بعد أن انفض من حولها الرفيقات اللاتى جئن من أجل امتهانه ، ألمهن المنظر وتساقطن من حولها كما تتساقط أوراق الشجر فى الخريف لينحصر المشهد عليها وحدها ، أصبحت هى الأخرى صامتة كاشفة لما آلت إليه بعد أن انفضت من حولها كل ابتهاجات الطبيعة فلم تعد تطارحها بعد نسمات الأصيل العابرة غرامها ، أو تبث لها نسمات الليل المنطلقة هواها بأفراحها وسرورها حينما تذهب إليها كل مساء وترنح بغصنها المياد يمينا ويسارا . إنها لم تجد سوى الدموع والوحدة بديلا ، واصلت انتحابها بحرقة حيث انسابت منها دموع ساخنة هاطلة طالت خدود أوراقها ، انسابت حتى شفتيها ، لم تستطع أن تكبح جماح دموعها ، تركتها تنساب بغزارة لمشهد سيظل محفورا فى ذاكرتها وهو يقفز فجأة من أمامها وفى سرعة ليلقى بنفسه على الشوكة الكبيرة التى نزفته بشدة ، إنها لن تنسى أبدا وهو يتلفت لها شاحب اللون ، زائغ العينين ، ولن تنسى مشهده وهو يموت ولم يشأ أن يقول لها شيئا ، ولماذا أقدم على ذلك . ربما أثر الموت عن الحياة بعد أن شعر بأنه لاقيمة لحياة بلا حب ، وربما رأى أن الموت أفضل عنده من حياة خذلته وكسرت بخاطره ، وفضل أن يصبح مجرد ذكرى عن حياة ألمته لتنعكس نورها فى عيون من أحبها نارا تحرق جوارحها وتحيل كيانها إلى مايشبه الرماد الذى صار منه ، فلا تعيش بعده فى هنأة أو تموت مثله شامخة على شوكة الرفعة والخلود من أجل الحب ، لأنها لم ولن تعرفه .




وانتهت قصة العندليب التى احتوتنى بمفرداتها الحزينة .. هذه القصة أبكتنى وتركت فى نفسى شجونا سيطرت على كل مشاعرى وحواسى لدرجة أن هذا المسكين لازمنى من شدة تأثيرى به حتى وجدت نفسى فيه .. لدرجة أنه كان  دوما يفاجئنى  بصدى صوته آتيا من الأفق البعيد بين الحين والحين.. آتيا مع الرياح كلما هبت فكانت تحمل نغماته وتملأ بها الكون صداه ،  آتيا كلما سكن الليل هدأته فينبعث غناؤه  ويسرى بين الخمائل كهمس الحائرين، وألحانه لازالت تتردد فى أعماقى  كلما ضاقت بى الدنيا ، كنت أتصور أنى أسمعها ولكن ما كانت هناك نغمات ولاغناء ولا ألحان ، بل هى أحزان وشجون  اختزنتها نفسى .. وشائج خفاقة من الهموم التفت .. تداخلت .. تشابكت فى مواجهة الطوفان والضياع . . طوفان الفكر  ، وضياع الأمل .. أمل الوصول إلى ماتتمناه النفس وتستعذبه  بعد أن ظلت تبحث عنه عمرا ولم تجده . كأن مرضا أصاب الدنيا .. أصابها فى مقتل لتصبح  فى حالة من الجدب .. تذوى وتجف وتتساقط ، إنه إعلان عن بداية الخريف والليل الطويل فى عز الربيع  ، فتجد نظرات الناس ليس فيها ود ولاحب ولارحمة، لايبالون ولايهتمون ولاشيئ يثيرهم سوى البحث عن العطايا ،  والأخذ دون رد ،  وأنانية المشاعر التى ارتبطت بالأشياء والمصالح والمكاسب . فعندما تنتهى المشاعر  ثق إنك أصبحت وحيدا فى حالة لايستطيع الإنسان أن يكون وحيدا، و لايستطيع أن يطيق الأخرين .. إذن فهو هارب .. هارب من الدنيا  و الأيام .. هارب حتى من نفسه  ومن الأخرين ، والهروب هو جمود بداخلك غير قابل لوجود بدائل ،  وبلادة فى حسك لاتستطيع  مواجهة أحد ولاتريد ،  وانزواء فى خارجك يفصلك عن الناس حتى ولو كنت بينهم ، ويجعلك ألا تفيق منها ولاتعود لنفسك إلا فى حالة وحيدة فقط .. حالة انفرادك بنفسك دون أية مؤثرات ، وهى حالة تجدها إذا مرضت مثلا ، إننا عندما نمرض نشعر بحالة من انعدام الوزن و فداحة الوحدة ، ولكن فى الوقت نفسه نجد أنفسنا منساقين للتأمل فى كل شيئ حولنا ، مرضك يعطيك فرصة التذكر بأن الحياة ليست جريا ولاهربا .. ولا كراهة ولاعزلة ، وأن عملية الكر والفر فى الحياة عملية اقتضتها الطبيعة وأبسط  بكثير مما كنا نظن .. وليست عملية استاتيكية فيها جمود وسكون وعدم رغبة فى عمل أى شيئ . سترى كل ذلك بكل وضوح وكأنك وراء حاجز زجاجى يفصلك عن كل العوامل الخارجية ..كأن المرض يعطيك فرصة لمصالحة نفسك ويأتى عليك وقت تريد أن تكسر هذا الحاجز الزجاجى وأن تتذوق الأشياء بطعم أخر  وأنه بإمكانك أن ترفع هامتك لعنان السماء وتفتح يديك وتضمها على منابع الحياة بفكر جديد تعانق به نفسك .. ويكفى فقط أنك أعطيت نفسك الفرصة فى أن  تفكر فى نفسك بشكل مختلف لترى كيف أصبحت فى عيون الأخرين ، ولايهم بعد ذلك أن تغوص فى نفوسهم ، لأن النفوس لايعرفها ولايملكها سوى صاحبها فقط .. الله عز وجل ، ولك أن تعرف أنه  مهما فعلت ومهما اجتهدت فإنك لن ترضى كل الناس .. ومهما كانت تصرفاتك تلقائية وبسيطة فهي تصرفات وراؤها مقصد وأهداف عند بعض الناس .. ومهما كانت نيتك سليمة وقلبك شفافا ومتصالحا دائما مع نفسك   وأن وقوفك بجانب الناس هو بدافع حب الخير لهم فهو حب للظهور عند بعض الناس وأنك لم تكن كذلك ، ورغم وضوح تعاملاتك  الإنسانية فإنهم يرون أنك تتعامل من وراء قناع وأنك تبدى شيئا وتخفى  أشياء  ،  وبالتالى فأنت شخص غير مرغوب فيه  ! . لذلك فأنت فى حاجة أن تتقبل فكرة إنه ليس كل الناس تحب أن تعرفك على حقيقتك مهما حاولت . فأهدأ وارتاح وكن على طبيعتك وتأكد إن الناس ترى بعين طبعها ، وعين حالها التي هى عليها. إننى عندما أردت أن أكتب عن كل هذا وعن كل مايدور فى ذهنى وجدتها فى عقلى مجرد شخابيط لاتستحق كل هذا العناء  لأن الحياة تسير وفق قوانين محددة وأنت جزء من هذه القوانين تخضع لها بلا ترتيب وتسير عليها بلا اختيار . لذلك فكرت وعدلت عن الكتابة الصريحة لأنها ستكون بلا معنى وتفاصيلها لاتهم أحد ، والتجأت إلى كتابة الرمز فى هذه القصة تحديدا لخصت فيها كل المعاناة التى واجهتنى على مدار الأيام وأصبحت فى عقلى عبارة عن شخابيط وفى قلبى جموح  ، لكى أخرج من عباءة الرتابة فى الحديث عن النفس وأن أكتب عنها بطلاقة فى مساحة أرحب وأوسع ، لذلك وجدت أن محتوى هذه القصة أفضل ماكتبت تحت عنوان " شخابيط على جدران الجموح " بالمعنى الذى أقصده وأرمى إليه ،  فالجموح انقياد  وراء عاطفة يصعب الرجوع منها أو الارتداد عنها.. عاطفة تضمرها النفس بإملاءات الخاطر  حتى تستنـزفها فى فكر لاطائل منه ،  ثم تجهز عليها  وتحبطها وتكبتها إحكاما وجبرا  تحت وطأة الأسر . تلك الهالات من الفكر  العاطفى المضطرب  .. بأن تكون أسير الهوى وتعانى من ويلاته . لذلك عندما وصلت لنهاية القصة وجدتها محيرة ولم أجد لهذا الطائر التعس نهاية منطقية أفضل من تلك النهاية الفاجعة ، لأننى لم أجد أية بوادر مشجعة فى وجود بدائل أخرى مقنعة حتى تكون النهاية سعيدة .. فليست كل النهايات  سعيدة ، وموت الطائر هنا إنما جاء من انتكاس المشاعر   التى تلاشت مع تعاقب الزمن وتداول الأيام  حتى أضحت لاوجود لها فى عالم الكثيرين من البشر ، لتبقى مجرد فكرة فقط  فى خاطر من لازالت لديهم بقايا مشاعر وأحاسيس . لقد عانيت على مدار سنوات عمرى وأنا أبحث عن أي قيمة للحب فى نفوس الناس  تحقق فى نفسى السعادة التى كنت أتمناها ولكن لم أجدها .. إننى أقصد هنا الحب الحقيقى  الذى لايعرف بعد ارتباط المصالح .. ولايعرف سوى احترام المشاعر   الصادقة وتقديرها فى النفوس . لئن كانت المشاعر الصادقة هى القيمة الوحيدة التى يظل الانسان  يبحث عنها كل يوم وليلة ، ولكن فى هذا العصر جفت منابعها وأصبحت من نوادر الحياة  أمام عنفوان كل ماهو مادى حتى ضغطت وتركت بصمتها بكل أسف على طبيعة حياة الكثيرين فتجافت مشاعرهم وتجمدت أحاسيسهم وقست ، فضاعت هذه القيمة ولم تجد لها منسربا فى نفوسهم ، هكذا صارت طبيعة الحياة والناس .. لتظل القلة من البقية الباقية من لديهم مشاعر وأحاسيس يعانون التفرد والوحدة والإنزواء ولامفر أمامهم غير الحياة البديلة بالوهم والتخيلات . أعترف أنى عشت فيها كثيرا ، كانت أحيانا تلح علىّ بالاكتفاء بهذا القدر ، وأحيانا أخرى تود أن تستكمله فى نفسى بشغف .. فى أحلام اليقظة أو فى الأحلام الحقيقية ، أو بالتمنى ، أو فى وهم الحب ، أو فى الوهم ذاته ، الوهْم  الذى طالما عشنا فيه  حتى أصبح ملازما لحياتنا وكنا نظن أنه يغتال الملل والحقيقة أنه لم يكن كذلك  ، لذلك جاءت محاولاتنا المستمرة فى  التغلب عليه بالإنشغال أوالإلهاء ، أو بعمل أى شيئ يضيّع الوقت .. بالسهر الطويل ، أوالنوم الطويل ، أوالإنتظار الطويل ، فكثيرا ماكنا نخدع أنفسنا بألا نعيش فيه ، أو نريد أن ننسى أننا نعيش فيه، والحقيقة أنه  معشعش فى حياتنا وملازما لها . لذلك اهتديت أن الكتابة كانت أفضل وسيلة للتخلص من الأوهام ومن الملل  حتى ولو كانت هذه الشخابيط التى احتشدت فى عقلى فملأته ،  وانتشرت على حوائط  قلبى فجاوزته ، ثم علت وارتفعت لتشكل من همومى وأوجاعى جدارا فولاذيا شاهقا .. ضخما وسميكا .. جدارا يفصلنى عن الوهم حتى انساه  ويحجبنى عن الملل حتى استريح ، إننى سأكتب  حتى ولو لم تكن هناك راحة ، أو فائدة من الكتابة .

مع خالص تحياتى : عصام

القاهرة فى يناير 2018








الاثنين، 4 ديسمبر 2017

شخابيط على جدران الجموح ( وكانت لصباح حكاية 4 )

لم يكن العام الذى عرفت فيه صباح قد استدار حتى جاء القدر بما لانحب ، ووضع حدا فاصلا لكل أفكارى المشتتة وأحاسيسى المتباينة تجاه قصتى معها المليئة بالمتناقضات والتى عاشتها نفسى متقلبة على جانبى الرحى مابين بهجة الأنس التى صنعتها لى من حشاشات قلبها عرشا وأجلستى عليه ، ومن أفئدة عيونها بساطا وجعلته تحت قدمى ، ليهزنى الشوق إليها حتى وأنا معها فجعلت للدنيا معنى أخر ، وبين قسوة الحياة عندما تتأهب لتغادر ، ولعنة ظروفنا الحائلة التى كانت تداهمنى كلما همت لتنصرف ، فتترك فى النفس مافيها من تعلات ، غير أننا لم نفكر فى لحظة الفراق أو النهاية التى تتماشى مع منطق ظروفنا وأحوالنا ، حتى صدمنا القدر بما لاتهواه النفس ، وبما لايتحمله القلب ، جاء بزلزال هز كياننا هزا ، وزعزع مشاعرنا بقوة ، وأطاح بما ملكناه من عواطف جائشة .. جاء وكأنه أراد لنا ألانحتار فى شكل وصورة النهاية التى طالما خشينا منها ونحن نعيش لحظات السعادة التى احتوتنا .. جاء بفراق قسرى من الإدارة الهندسية بحى الظاهر التى قررت فجأة إزالة المنزل الكبير التى أظهرت شروخه الكبيرة شيخوخته وجعلت جدرانه مترنحة توشك على التصدع والانهيار . أمهلتنا مدة يومين لمغادرته ، بدت التصرفات تسبق العقل فتحول المشهد فجأة من هدوء إلى طوفان عارم انتاب سكانه ، وأصابهم بشلل وعقم فكرى أعقبه حالة من الخوف والترقب وعشوائية الحركة المعلنة دون ترتيبات لايحكمها شيئ ، فالكل فيها هائم على وجهه مشتت الفكر يجمع أشياءه وممتلكاته من أثاث ومؤن للنزوح منه فى أسرع وقت ممكن وكأنها هجرة جماعية ، لايعرفون لهم اتجاها أو وجهة أو مصيرا . تركت الكل يموج فى بعضه وصعدت للسطح مهرولا ، ورحت فى دوامة عميقة وعلى طريقة المونتاج فى السينما كانت المناظر تترى أمام عينى ، حيث رجعت بالذاكرة لبداية التعارف بصباح ، كيف جاءت .. وكيف تمت ، حتى رأيت فيها أجمل وجه فى حياتى ، وأرق وألطف وأطهر روح صادفتها ، وتذكرت وهى تنظر فى وجهى ، وهى تقف أمامى ، وهى تجلس إلى جوارى ، وتذكرت أيضا مشهد السطح وقت الشفق وهى تسند رأسى بيدها لتضعها على صدرها فى حنان بالغ ، لتجعل من أناملها سبيلا تتسلل من خلاله بين خصلات شعرى لتداعبها فى رفق ، وبأنفها تتشممه مغمضة العينين كالمستغرقة فى حلم ، وتروح فى صمت لتتسلل بشفتيها المتقدين إلى جبينى وعينى فى مسات خفيفة كالقبل ، وترفع رأسها برهة قبل أن تفتح عينيها المغرورقتين وتهمس فى لهجة ذائبة : ليتك كنت زوجى ، وأتذكر كم غمرتى موجات حنينها الجارفة والتى كانت تثير فى نفسى شجنا لم أعرف بمثله قط فى حياتى ، وخاصة عندما قالت لى والكلمات تنساب من شفتيها بطيئة كأنها تحدث نفسها : إنى أحبك حبا كامنا فى أعماقى .. اكتشفته كلما خلوت إلى نفسى فى محاولة فاشلة لسبر أغوارها حتى أعرف كم أنا أحبك ، ولكنى لم أعرف ولم أصل لشيئ من هوة عمقه فى جذور قلبى . نفد الوقت مارقا كالسهام الجثة أخذنى فيه الفكر لشريط الذكريات الجميلة ولم أدر ماذا أفعل أو ما الذى يجب أن أفعله ، فالليل سيطول والدموع لن تتوقف ، وكآبة الوضع لازالت جاثمة على قلبى وعقلى مسيطرة ، ورحت فى دوامات المصير المجهول . 



وانتبهت فوجدت صباح واقفة أمامى تنظر لى ساهمة واجمة منتظرة عودتى من نوبة السرحان التى خمنت ماوراءها ، أتت بعد أن حدثها قلبها بأننى موجود فى السطح ، ونظرت لى كى تستطلع ماأفكر فيه . بدت حزينة لم تطارحها كالعادة نسمات الأصيل العابرة غرامها أو تبثها هواها ، ولم يرنح غصنها المياد من الهواء الخفيف الذى كان ينطلق مع هبوب أولى نسمات الليل إليها ، ويروح كل ليلة يشرح لكل أبعاد الزمان والمكان قصة حبنا ، ربما أحست الطبيعة بما نحن مقبلون عليه من ضياع وشيك . كانت تفكر فى هذا كله فيأخذها الروع ويتملكها الجزع ، وتشرع دموعها فى التساقط اللاإرادى . تتكلم وكأنها لاتدرى عن دموعها شيئا : يمكن مش هنشوف بعض بعد كده . ثم سكتت حتى اكفهر وجهها وزحف نحوه اليأس الشديد واستوطن كل مساحاته ، ثم عادت وردت على نفسها وهى تدفع يدها نحو وجهها لتمسح عنه دموعها الهاطلة التى غلبها الشجن فى محاولة خائبة منها أن تستجمع كل قواها الخائرة لتنشد بها المستحيل وتتماسك غير مصدقة بل ورافضة هذا الواقع المرير ، حتى استطاعت فى تلاحق أن تغالب نفسها وبمشاعر مغايرة قالت : بس أنا واثقة أنى هشوفك تانى ، أكيد هشوفك تانى وتالت ورابع ، إننى لاأتصور حياتى بدونك ، ألم تقل لى مرارا وتكرارا أن الحب الذى جمعنا هو الذى سيحافظ عليه . قاطعتها حتى لاأدعها تغالط نفسها وتتشبث بأمل خبا وعما قليل سينطفئ ، وقلت لها بعد أن أخذت من الهواء نفسا عميقا : لن نكذب على أنفسنا ، فالفراق جاء على غير موعد ولاحيلة لنا أمام قسوته وجبروته ، لكنى أعاهدك أمام الله بأن الحب الذى جمعنا سوف أحفظه لك فى قلبى ماحييت ، تعرفى لماذا ؟ ! لأنه كالزهرة لايقطف مرتين ، صباح ربما تكون هذه اللحظات الأخيرة التى أراك فيها فلا تصعبى علينا الموقف أكثر من هذا . ثم قلت لها والدموع تغالب عينى : إننى لن أقول لك وداعا ، بل أرى وجهك على خير حتى ولو لم نتقابل مرة أخرى . أدركت صباح أن كل شيئ قد انتهى بينما كانت تهم لتتكلم سكتت وأسهمت ، كأن كلامى ألجمها وأخرسها ، فلامفر من الحقيقة المُرة التى جثمت فجأة على صدورنا حتى هشمت قلوبنا ، وأفحمت عقولنا ، وبينما هى كذلك رحت أنظر فى عينيها لأملأ نظرى منها وقد تملكتنى الدموع ، ربما تكون هذه أخر مرة أراها فيها ، كنت أحاول جاهدا أن أجمد دموعى وأركز معها ، واستوعب كل كلمة ، وألاحظ كل خلجة ، وأرقب فيها كل رمشت عين ، بدت كقطة برية .. محاصرة ، أخذت أتفحصها بنظرات مجردة من العاطفة . انتظرت أن أقول لها شيئا ولكنى لم أتكلم ، أحست بتقلص وجهى وبدا لها كأنه قدُ من حجر ، كنت أحاول أن أبحث بنظرات حادة فى وجهها عن أى شيئ يبعث على الكراهية كى أهدأ وبعد الفراق أرتاح ، وبعد طول تحديق تسمرت خلالها عينى عليها حتى جحظت ، أنزلت عينها الواسعة من على عينى ، هذه المرة أشاحتها من على وجهى وأسقطتها إلى الأرض . لقد أحست بمعنى الإنكسار وعدم الصمود ، ثم ارتمت فى حضنى وقبلت شفتيى فكانت هذه هى القبلة الأولى فى حياتى التى لثمتُ شفاهى فيها شفتى امرأة ، وكانت أيضا القبلة الأخيرة على شفتى صباح . كانت قبلة غريبة فيها كل المعانى المضطربة حلاوة الحب وضياع الأمل ومرارة الفقد والهروب من المستحيل ، ذقت مرارة دموعها الحارقة التى جاوزت حلقى من سرعة جريانها . نظرت إليها بإشفاق ، لقد جثم الحزن على كامل هيئتها ، نظراتها شاردة تجوث فى أرجاء المكان كله ، وفجأة التفتت ناحيتى وقالت فى لهفة : يعنى خلاص مش هقدر أشوفك تانى . أحسست بأن درجة حرارتى قد ارتفعت ، وتراخت قدماى ولم تعد تحملانى ، وجلست على الأريكة التى بجوار السور ، ولاح بذهنى أفكار كثيرة تداخلت ، كيف آن للمسافات التى قربتنا أن تغدر بنا وتبعدنا بهذا الشكل المفاجئ وبلاسابق إنذار ولارحمة ، ليتنا ماتقابلنا ، ولاكنت عشت هذه اللحظة القاسية ، ليتنى كنت قريبا من الحب ولست فيه .



 لم استطع أن أنظر فى وجه صباح العابس الذى ازدرد وامتقع لونه واكفهر .. ثم انهمرت دموعها بعنف وتساقطت كالشلال ، دموعها نبهتنى لومض الشعاع الآتى من أعماقها مع نسمات الليل الذى بدأ يخيم على المكان فأناره وعم ضياؤه كأنها الصحوة التى تسبق الموت ،  إنه شعاع الضوء المنسرب من مبعث كوامنها الذى أوشك على الانفجار من حالتها المضطربة التى مالبثت أن تحولت إلى نيران أضرمت كل كيانها حتى اجتاح ما بين ضلوعها ، تكاد أحجار السطح أن تنطق من الحالة التى بدت عليها صباح وهى تبكى تباريح الحياة والمكان الذى سيصبح عما قليل مهجورا ويصير أطلالا ثم يهدم وينتهى من الوجود وإلى الأبد . سادت لحظات من الصمت كان جسمها كله ينتفض انتفاضا إذ لم يعد هناك مجال لكلام يُقال . أخذت تجر خطواتها الثقيلة تاركة المكان ، وكلما بعدت خطوة من أمامى تلفتت وراءها وتنظر لى باسترحام ، لقد أحرقتنى نظرتها اليائسة الأخيرة ، كنت أشيح بنظراتى عنها ، حتى لاأضعف أمامها وأشجعها على الرجوع كعادتى معها عندما كانت تهم فيها  للمغادرة عقب كل لقاء ، فكانت تطاوعنى وتعود مسرعة ونجلس وقتا أخر كنا نمنحه لأنفسنا نقول فيه أجمل كلام ، أما اليوم لم تعد أعصابى تستطيع أن تتحمل هذ الموقف ، إننى لم أشأ أن أنظر إليها فالرجوع لايفيد والفراق يطرق أبوابه بعنف ولاحت كل بوادره جلية . غابت من أمام عينى حتى تلاشت واختفت فى عتمة السلم وظلمة دركاته ، غابت وتركت لى ظلمة النفس وشبح البعاد . الوجوم سادنى وسرحت .. إننى كنت لا أعرف للحب معنى ، ورحت فى دأب أبحث له عن معنى كى أعرفه ، حتى ظهرت صباح فى حياتى فوجدته وعثرت عليه ، وكانت فرحتى ، وقلت لنفسى إننى أخيرا أدركته وعرفته وتذوقت حلاوته ، ولكن ماأن اختلطت الأنفاس وأوشكت المشاعر على الانسجام جاء الفراق مسرع الخطى ، حتى همت فرحتى على المغادرة والانتهاء ، ولم يُكتب لحبنا أن يطول فى الدوام ، وآسفاه بيتنا الكبير الذى جمعنا على الحب ، هو الذى سيفرقنا ، ستذهب صباح ليبق وجهها فى وجهى مجرد صورة وعيناها فى عينى مجرد وهم ، وصوتها فى أذنى مجرد رجع صدى ، وحبها سيأخذ حبى للأبد ، وأن قلبى سيظل بعد ذلك يدق وراء كل باب حتى يراها ، ولن تنفتح الأبواب مهما حاولت ، لأن الحقيقة اختلطت فيها مشاعر الحب بخيبة الرجاء ، والأمل بالمستحيل ، أيمكن حقا أن يتبدد كل هذا فى لحظة ويذهب جُفاء ، ويضيع هباء لينته بعد ذلك كل شيئ ، نعم وهذه هى الحقيقة المرة .





حل الصمت أرجاء المكان بعد أن غادر المنزل جميع سكانه ، وغادرت صباح بعد أن أخذت معها كل شيئ . فرقتنا الأيام وافترقنا وانقطعت أخبارها عنى ، وعشت حياتى أقطع فى دروبها أشواطا حتى تخرجت من الجامعة وكبرت ، وسرت مع الناس فى ركب الحياة ، تكلمت فيها مع من تكلمت وأسهبت فى علاقات مع فتيات أخريات ، وتعرفت فيها على من تعرفت وأحببت من النساء الكثيرات ، كلهن مروا بحياتى ومروا أيضا من ذهنى بعد أن شغلت نفسى بحثا فى وجه كل فتاة منهن عن ملامح من وجهها ، وفى قوام كل امرأة عن مثل قوامها ، ولم أجد فيهن مااجتمع فى صباح من صفات ، ربما توافر لبعضهن جزء منها ، ولكنها كانت لاتكفى أن تعوضنى عن معنى الحب الحقيقى الذى عشته مع صباح ، لذلك كنت حريصا مع كل اللاتى عرفتهن بعدها ألا أفرط فى الرقة فلا امنحهن أملا أحمق ، أو أفرط فى الجفوة فأصدهن صدا موجعا ، وكنت أطرد من قلبى أولئك المتعِبات مكتفيا منهن باللاتى تمنحنى من قلوبهن الخصبة مايسد رمقى ويروى ظمأى ولكنها كانت كلها علاقات عابرة لاأكثر ، فقد تعودت بعد صباح أن أرى فيمن اخترتهن أو اللاتى استطعن التسرب إلى قلبى أنواعا كثيرة تأخذ شكل الحب ولكنه لم يكن أبدا حبا : نوعا يعرض نفسه .. ونوعا يقبل أى علاقة .. ونوعا يمنح بسخاء باسم الحب .. ونوعا يتمنع بشدة بهدف الزواج .. ونوعا يبحث عن نزوة أو غريزة .. ونوعا يبعث على أمل التفاهم ولايأتى ، إنه لم يصادفنى يوما حبا حقيقيا ، فكان منتهى الأمر أننى كنت ألجا إلى عمل تصفية أولا بأول لما فى قلبى من أولئك الباحثات عن السعادة ، أو من كن يردن شغل أوقات فراغهن بإقامة أى نوع من هذه العلاقات والسلام لتضييع الوقت أو جلب أية مصلحة أو منفعة ويتصورن أنه حب ،  لذلك لم تُعمر معى قصة واحدة من تلك العلاقات حتى ذهبن كلهن مع الأيام وطواهن النسيان ولم يبق لهن فى قلبى مجرد لمحة ، أو أى تأثير على مناط ومنطلقات السعادة التى غابت مع صباح صاحبة القلب الشفيف ، فكلهن كن مجرد صور ممسوخة لها ، أتذكر إنها لم تكن أبدا لتصرح بحبها لى ولم تقبل يوما الاستقرار فى قلبى إلا بعد أن تأكدت من أنها أجْلت عنه ساكنته السابقة يسرية صاحبة الخفقة الأولى جلاء تاما ، حتى تملكته واستعمرته وحدها .. حب لازالت دقاته تنبض حتى اليوم .. حب استعصى على المحبين فهمه وعسر عليهم إدراكه . لذلك لم يكن فى استطاعتى أبدا أن أنساها رغم مرور كل هذه السنوات الطويلة من العمر ، ولم أرض عن حبها بديلا ، فإلى الأن مازال حبها قائما فى قلبى كما هو لم يعتره غبار السنين ، ولم تنل منه الأيام ، رغم أن الدنيا أخذتنى فيها ودارت ، وفى رحاها جُلت ولفيت ، لكن بقيت صورتها فى رأسى كما هى لم تهتز يوما ولم تستطع تفاصيل حياتى المضطربة أن تمحوها من مخيلتى ، مازلت أشعر بسعادة بالغة كلما مرت بذهنى فيأسرنى جمالها ويخفق قلبى لها . 



وأتذكر أنها قالت لى فى المرة الأخيرة : أحبك وأتمنى أن ألد ولدا مثلك ، وقتها لم تكن حُبْلى ولكنها كانت تتمنى أن تحمل ، تتمنى أن ترى وجهى فى وجوه أولادها ، ولم يشأ القدر أن أر لها أولادا ، ربما كان كلامها نوعا من أنواع اليأس على استحالة أن يكون لهذا الحب نهاية منطقية وأنها تعرف يقينا أنه كان ولابد أن يأتى علينا يوما سوف نفترق فيه ، وجاء هذا اليوم سريعا وافترقنا . وأتذكر أيضا وهى ترفع لى وجهها الفاقد لكل معانى الأمل وقد ازدرد ريقها ، وغاب عقلها المشتت بين الحقيقة والتمنى ، وهى تبتسم فى وهن ومضات حب تسربت لها فجأة فى ظلمة حياتها وراحت تتشبث بهذا القليل الذى أتاها وعلقت عليه كل آمالها ، وحتى هذا لم تدم نعمته عليها كثيرا ، وراحت فى غمرة الإحباط تسألنى أمنية يستحيل تحقيقها : ياترى ستكون سعيدا لوكنت عشت معك طول العمر ، وأتذكر أننى قلت لها بلهفة : من يدخل الجنة لايفكر أن يخرج منها ، إننى معك أعيش أجمل أيام حياتى ، وهنأة مابعدها هنأة ، ونعيما مقيما مابعده نعيما ، وسرورا لم أشعر بمثله قط فى حياتى . ولكننى خرجت من الجنة ولم أعد إليها ، وعرفت من بعدها معنى البعاد وكيف يكون التشرد والتشرذم ، وهمت على وجهى لاتحكمنى أية مشاعر ، ولاتتحكم فى أى أحاسيس ، ومر من الزمن زمان وبقيت فى عينى حتى الأن العروسة الجميلة التى لازالت حديثة العهد بالزواج ، إنها لازالت تعيش بداخلى كما هى بنفس الهيئة التى كنت أراها عليها ، مرتدية نفس الروب الستان اللامع الذى يشهد تألق جسدها فيه والذى ينساب فى رعونة بقدها المياس ، ولازالت قصة حبها مكنونة فى قلبى رغم أنها كانت مختلفة الظروف والاتجاهات . 



أما هى فلم تعرف بعد أنها عاشت فى حياتى عمرا كاملا ، وكثيرا ماسألت نفسى : تُرى هل سعدت فى حياتها أم بقيت على شقائها ؟ هل هى حية حتى اليوم أم رحلت عن هذا العالم ؟ ورغم أنه كان بإمكانى أن أبحث عنها وخاصة بعد أن سمعت من أسامة أنها سكنت بجواره فى نفس الشارع الذى يقطنه بمدينة نصر ، ربما فرحت للحظات أحسست فيها أن الحظ أراد أن يبتسم لى مرة أخرى ، فأنا أيضا سكنت فى مدينة نصر ولكن فى منطقة مجاوزة ، أى أصبحت على مقربة منها ولايفصلنى عنها سوى محطتى اتوبيس ، إلا أننى لم أحاول ولم أفكر يوما أن أذهب إلى شارعها واتسكع فيه أو أحوم حول عماراته وأتطلع للنوافذ المغلقة فيها ، ريثما ترانى أو أراها صدفة وأعرف مسكنها ونعاود الوصال ، ولكننى لم أفعل ربما خشيت بعد مرور كل هذه السنوات أن أسمع عنها مايحزننى أو أراها مكتهلة أو أصبحت تعانى من مرض عضال ، أو رحلت عن هذه الدنيا ، فضلت أن تظل صورتها كما كانت لم تكتهل ولم تمرض وأنها موجودة ولم تكن قد غادرت دنيانا ، أردت أن تبقى نهايتها مجهولة ، إننا عندما لانقوى على مواجهة الحقيقة أو نخاف منها نخدع أنفسنا ونهرب ونتخفى وراء المجهول ، ففى المجهول راحة وسعادة وأمل متجدد . 



انهدم البيت الذى كنا نسكن فيه وأقيم مكانه أربع عمارات كثيرا ماكان يأخذنى حنين الماضى إلى شارعنا القديم كى أتجول فيه ، كنت لاأبذل جهدا كبيرا فى أن أعثر على أجمل ذكرياتى فيه ، ولكن ماكان يحزننى أن المكان اعتراه التغيير فى الأبنية والناس ، وإنه لم يعد كما كان ، ومع ذلك كان يخيل لى أثناء مرورى أن عطرا قويا من الماضى يعبر حياتى ، وسرعان ماتقفز أمام عينى صورة صباح ، كما هى .. لم تبهت بعد ، ولم يكسرها القدر الذى فرقنا رغم تباعد مسافات الزمن واتساع مساحاته بينى وبينها ، فرائحة عطرها وحده كان يكفى أن يذكرنى وأنا فى لحظات الوحدة والصمت بما آل إليه مصير كل الغراميات غير المواتية التى حاولت أن أنسى بها حبها ولكنها تكسرت جميعها عند حدود الذكريات ، وحدود هذا الشارع ، وهذا المكان وهذا الحى ، والمنزل الكبير الذى لم يعد له أى وجود ، محته الأيام وذهب مع الزمن ولم تبق له صورة إلا التى تأتينى فى ذهنى وأحلامى فقط .. صورة السطح وقت الشفق وصباح متهيئة للصعود إليه أو الوقوف فيه أو النزول منه ، لذلك لاحب بعد حبها يستحق أن أشغف به ، تلك ماأدركته أخيرا واستوعبته بعد طول الوقت وطول الحرمان ، لم أشأ أن أحسب أيامه ولياليه التى لاتحصى . 

 أننى مع صباح استمتعت بالحب وفرحت .. وبعد فراقها قاسيت من عذابه وشقيت .. ذقت معها نعيم الوصال وسعدت ، وتألمت فى غيابها جحيم البعاد واحترقت ، وعانيت فى بُعدها تباريح الهجر ولازلت ، لذلك كان يخيل لى وأنا أغادر المكان أننى لازالت اتنفس هواها ، ولازلت أشعر بأن روحينا تقتربان وتلتقيان ، وأن قلبها مازال يخفق ، ومشاعرها مازالت تهتز ، وإنه مهما باعدتنا الأيام أبدا لم ولن أنساها .
                                 وهكذا كانت النهاية ...







مع خالص تحيات : عصام   

القاهرة فى ديسمبر2017