عاشت ميرفت على أمل ظل يداعبها رافضا فكرة الإخفاق وخاصة أن القدر أتى لها بالشخص الذى مال له قلبها .. جاء ليطاردها بابتسماته وأحبت هى ذلك .. رأته عن قرب .. بعد أن شغل فكرها .. وغير إيقاع حياتها .. وأصبحت أهدأ حالا .. وجهها بدا مشرقا وازداد نورا .. وعينيها فيهما بريق غريب . لابد وأن هناك شيئا ما طرأ على حياتها .. زميلاتها فى المدرسة قد لاحظن هذا التغيير بل وأكدن أن تحولا غامضا اكتنفها وجعلها فى حالة شرود دائم .. تقضى معظم وقتها معهن ساهمة سارحة إلا من ثمة إبتسامة خفيفة ، وعندما كانوا يسألونها عن سبب ذلك كانت لاترد ولاتشاركهن فى حديث ولاتمرح معهن كعادتها بل مستغرقة فى صمت مبهم أعياهن فهمه .. وكانت تفعل ذلك عن قصد ، رغم إغواء حديثهن الذى كان يطريهن بعذوبة واستساغة لأنه لايخرج عن حب المراهقات وتجاربتهن العاطفية مع الأولاد فى مثل عمرهم .. إنها لم ترد أن تفصح لهن عن شيئ اعتبرته من خصوصياتها التى يجب ألا يعرفها أحد مهما كان درجة القرب منها . وحتى فى تصرفاتها مع أمها فعلت ذلك أيضا ولم تبد لها بإحساسها الوافد الجديد .. رغم أن قلبها بدأ يُملي على عقلها ، ففاض التفكير عمقا ، وتجلى الوجدان نداء في رحابة القلب .. لم تقو على مصارحتها بأنها على وشك دخولها فى تجربة عاطفية لم تعرف بعد مداها .. حيث وجدت أنه من الأفضل ألا تصارحها بما تشعر به من إحساس فياض حتى تخوض التجربة وترى ماكتبه الله لها من نصيب . عاشت ميرفت فى دوامة من الفكر كانت أحيانا تناقض فيه نفسها وتفعل العكس . لاحظت مدام صفا هذا التغيير المفاجئ على ابنتها .. أحسته تغييرا إيجابيا .. إنها لم تعد كسولة تصحو متأخرة كعادتها بل دب فيها نشاط غريب وأصبحت تصحو مبكرة على ابتسامة عريضة تبثها لأمها أول وجه تراه فى الصباح .. ثم من تلقاء نفسها ولأول مرة فى حياتها تعد بنفسها طعام الإفطار لها ولأمها . تعجبت مدام صفا على مااستجد فى تصرفات ابنتها، ورغم أنها كانت مسرورة لسعادتها ولكن فى ذات الوقت تريد أن تعرف سبب ذلك ففاجأتها وقالت لها : ماذا جرى لك ياميرفت ؟ أراك فرحة جدا ياترى لماذا ؟ هل هناك شيئ جد عليك لاأعرفه ؟! وتؤكد لأمها أن شيئا لم يحدث . ولكن هذا التغيير أفضى إلى ظنون وتكهنات بل وأصبح مثارا لأسئلة الكثيرين ممن حولها ، فأصبحت محاطة بهمهماتهم .. يتهامسون أمامها ويتغامزون حولها .. وأصبحت عيونهم ترقبها بشغف .. وتوجساتهم كلها تئول لسؤال واحد فرض نفسه عليها فرضا .. ماذا جرى لميرفت ؟ سؤال أعياهم وحيرهم ، ولكنها تعود لتؤكد للجميع أن شيئا لم يحدث . غير أن الذى بداخلها واحتوى قلبها وسيطر على عقلها ولم يعرفه أحد .. هو ذلك الشخص المنطوى الذى كانت تراه مصادفة وحاصرها بابتساماته ودار بينهما حوار صامت بلغة العيون .. ثم تكررت الصدف حتى علق فى ذهنها ورأته أجمل شخص فى الدنيا . أنها كانت قبل ذلك تسمع قصصا كثيرة عن زميلاتها .. وعن حكاوى الزائرات .. وعن جاراتها وعن الذى قرأت وعن الذى سمعت .. ومن بين كل هذه الحكايات كانت تختار الحكاية التى تعجبها وتناسب منطق حياتها لترى نفسها فيها وتتمنى أن تعيشها .. حتى جاءت حكاية هذا الشاب العجيب المبتسم دائما . حكايتها معه كيف ستبدأ وإلى أى مدى ستئول وعلى أى وضع سترضى .. إنها لاتعرف.
ظلت ميرفت فى حالة مابين الترقب والتمنى ، لاتعرف ماسيئول إليه مصير ماتفكر فيه ، وكيف ستخرج من هذه الحالة حتى جاء القدر باللقاء الثانى ، حيث ذهب عصام بمفرده إلى بيتها فى الميعاد التى حددته مدام صفا كى يستلم ملابس أمه الجديدة التى من المفترض أنها انتهت من حياكتها . وإنه سيرى ميرفت دون أن تكون أمه معه فهي مَن أوفدته لاستلامها دونهـا . تجاوز درج السلم بعد أن صعده بسرعة وفى لهفة ، ثم وقف فجأة وسار للباب ببطء شديد ، بل وتردد وهو يهم ليضع يده على جرس الباب قبل أن يقرعه حتى استجمع قواه النفسية وحبس أنفاسه متجرئا على مخاوفه وطرق الباب بدقات فى تتابع تسارعت معها دقات قلبه الذى خفق بنبضاته المضطربة اللاهثة تـزامنا مع دقات الجرس في إيقاع مرتجف ، لم يحسم بعد كيف ستكون اللحظات القادمة وماقد تحمله من مفاجأت ، بعد لحظات مرت كالدهر فتحت ميرفت الباب ، وكالعادة بدا عليه الارتباك من المواجهة ، وتعثر فى بداية الكلام ولكنه نطق ، كانت أقرب الألفاظ إلى شفتيه .. كلمات التحية المعتادة .. قالها .. أكتسب بها بعض الوقت .. تمالك أعصابه واستعاد طبيعته وقال أن والدته أرسلته لاستلام الملابس . دعته للدخول بعد أن أبدت شيئا يشبه الاستغراب وهى تنظر إليه مستهجنة اضطرابه : إذن فلتتفضل . ولكن الباب لم يكد يوارب حتى احتلت الفتحة وظلت واقفة فيها ولم تبرحها كى تسده عليه كحائل يمنعه من الولوج إلى الداخل حتى ترقب حركاته وسكناته لترى كيف سيكون حاله فى مواجهتها .. وقالت فى نفسها : سأضعه في موقف يتطلب الشجاعة ولنرقب مآله لنرَ كيف سيواجه الموقف ! .. إنها أرادت أن تواجهه بالتحفز ربما يستطيع أن يكسر حاجز الخوف ، عله يبدو بعد ذلك إنسانا طبيعيا ويضطر للمواجهة والتحدث ، وخاصة أن هذه الفرصة قد واتته مرة أخرى بل وفى أبهى صورة حيث جاء بمفرده فلايوجد قيود ولاعوائق تجعله يحجم عن التجاوب ، إنها تريد أن تسمع له ، أما هو فمازال مرتبكا .. العرق يتفصد من جبينه بغزارة يبحث في نفسه عن مخرج من هذا الموقف المحرج الذى وضعته فيه .. أخذ يبحث فى نفسه عن كلمة .. عن جملة ، عن أي شيئ لكنه لم يجد مايسعفه ويدفع عنه ذلك الحرج فرفع رأسه وابتسم بخجل أقل . ابتسمت هي الأخرى وأفسحت له الطريق للدخول .. ابتسامتها جعلته يشعر بشيئ من الاطمئنان ، ثم هم بالدخول .. خطواته تبدو ثقيلة ، لايدرى كيف دلفت قدماه إلى الصالة وجلس على أقرب كرسى . تتبعته ميرفت ثم وقفت على بعد خطوات وفى تواصل أخذت تتفحصه فى صمت .. نظراتها فيها تعجب وفيها تساؤلات كثيرة : علام يحدث كل هذا ؟! ولماذا هذا الإرتابك الذى بلا مبرر .. إنه لايتكلم إلا همسا .. ولايعرف كيف ينطق بجملة مكتملة .. مجرد إيماءات وتبادل نظرات قصيرة مشتركة لشييء ليس له مايبرره . ساد الموقف بعض الوجوم لم تجد ميرفت مفرا من أنها تكسر حدته حين أخبرته أن والدتها تصلى وسوف تحضر بعد أداء الصلاة ، ثم اقترحت عليه أن يطلب مشروبا لحين قدومها ، أومأ برأسه شاكرا ، ولكنها باغتته وقالت له إذن سأحضر لك كوبا من عصير الليمون ، انفرجت أساريه وبدأ الصمت يتبدد ويتبدل إلى حديث له ملامح وإيقاع مألوف ، هى من بدأت به بعد أن أحضرت له كوب العصير المثلج لينعش اللقاء وربما ينعشه ويعرف سبيلا للكلام . كانت تتحدث معه ببساطة شديدة وكأنها تعرفه ، تحدثت معه بلا خوف ولاحواجز ، تناول الحديث أشياء مبعثرة أحيانا عن أمور عادية ، عن مدرستها وزميلاتها ، عن الطريق ، عن يوم مر سريعا ، وكيف تقضى وقتها فيه ، بعد ذلك تسللت لتسأله عن كل شيئ يتعلق بحياته ، وقالت له أنها لاحظت خوف أمه عليه وحبها الشديد له . ثم تتوقف فجأة كما لو أنها تترك له مساحة تنتظر أن يملأها بأى حديث أو على الأقل يجاريها فيما تتحدث به ، كانت كلماته مقتضبة لاتخرج عن الجواب على أسئلتها التى كانت تحاصره بها ، ولكنه كان سعيدا ، حيث كان لايتصور أنه سوف يأتى يوم يجلس فيه مع فتاه وجها لوجه ويكون بينهما حوار ، ولكن جاء هذا اليوم وليست مع أى فتاه بل الفتاه التى أحبها وأختارها قلبه .. وإنه ولأول مرة استطاع أن ينطق ، بل وعرف أكثر من هذا .. عرف كيف يختلس نظرة سريعة إلى عينيها الجميلتين ووجهها المشرق عن قرب فى جرأة دون انكسار وبلا خجل . كانت هذه اللحظات من أجمل اللحظات التى عاشها فى حياته ، لحظات أفاضت عليه سعادة خالصة جعلته يشعر بمعنى الحياة ، وجعلته يحس بأنه إنسان آخر يعيش ويطرب ويضحك ، ويريد من الحياة كل شيئ مادامت فيها هذه المصادفات الجميلة ، ومنها هذه الصدفة السعيدة التى ألقتها إليه السماء حين جمعته بهؤلاء البشر الذين يحبهم ويحبونه والتى أحالت حياته إلى سعادة مقيمة . ليكتشف بعد ذلك أن لديه قدرات لم يكن يعلم عنها شيئا من قبل ، وأصبح لدية رؤية ونظرة فاحصة فى تقييم الأشخاص بدقة .. حتى رآها أنها ليست كأى فتاة ، بل أرقهن قولا ، وأشدهن شغفا لمعرفة كل شيئ يدور حولها . سرح وهو فى قمة سعادته بإحساسه الراقى الذى دب فى قلبه وذهب به إلى أخر الدنيا مستلقيا على سحابة بيضاء نقية تفتح لأحلامه الوردية أحضانها مد السماء لم يفق منها إلا على صوت أقدام مدام صفا حين أقبلت بخطواتها المتأنية وسلمت عليه وأخبرته بأنها لم تنته بعد من تشطيب ملابس والدته وأنها فى حاجة ليومين أخرين حتى تكون الملابس جاهزة ، فهب واقفا وتهيأ للمغادرة وقد بدت عليه نواجز السعادة بأن هناك لقاء أخر سيجمعه بميرفت وفى بيتها للمرة الثالثة . انطلق إلى بيته فرحا مسرورا ، أبلغ أمه بما قالته مدام صفا انها لم تنته بعد من تشطيب ملابسها وأمهلت نفسها يومين أخرين للإنتهاء من تجهيزها ، ثم أوى إلى فراشه خفيفا رشيقا ، كما يأوى العصفور إلى عشه بين الخمائل ، بيد أنه ماكاد يلقى برأسه على الوسادة حتى استعاد مشاهد هذا اللقاء الجميل ، وتمثلت لعينيه فتنة جمال ميرفت وروعته .. فما وجد أروع من أنه يسرح بنفسه فى هذا اللقاء الذى انتظره ولم يتخيل أن الزمان سيجود به بهذه الصورة التى تمت عليه ، وكأن نسمة عابرة مرت أمامه فتوقفت تصغى إلى مادار بينهما من حديث، ثم جاءته لتعيد عليه ماسمعته ، فاستعاد كل شيئ وكأنه يستعرض شريطا سينمائيا يمكن أن يعاد بثه ويتخيله مرات أخرى ، فتملكته سعادة غامرة لم يشعر بمثلها من ذى قبل ، حتى غض فى نوم عميق فراحت أحلامه تشاركه فرحته فى دنياها وراح يحلق بها فى السماء وجاب بها على جناحى طائر أبيض جميل يسمونه السعادة ، إن أحلامه لم تكن هذه المرة أحلام يقظة بل هى ولأول مرة أحلام حقيقية.
وإلى لقاء أخر فى الجزء الخامس
مع
تحيات : محمد عصام القاهرة فى : 4 مايو 2026


كلما انتهيت من قرأت جزء اشتقت لان أشاهد ماذا يحدث بعد ذلك واعنى باشاهد اننى لم اقرأ فقط ولكن أرى امامى مايروى وكأن ابطال القصة يمرون امامى (روعة)
ردحذف