music

الاثنين، 27 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى ( الجزء الثالث )

إن أثر هذه الزيارة جعلت ميرفت فى حيرة من أمرها بسبب احساسها المتقلب التى تملكتها الظنون مابين الإقبال والإدبار فى خلق فكرة المقابلة التى كانت تتمناها ، والتى كان يجب أن يختلقها هو ولم يفعلها .. إذ أن دوامة من الفكر لازمتها واسهدتها وجعلتها تذهب إلى أبعد نقطة لعلاقة رأتها أنها لوشاء لها أن تكون .. فستكون علاقة مضطربة لاترى فيها بريقا من أمل ، حتى راحت تسأل نفسها هل خاب ظنى إلى هذه الدرجة وأعطيت مشاعرى لمن لايستحق ؟! ، وراحت تتخيل ماذا لو تجرأت وباغتته هى بالكلام ثم تنظر إلى انطباع هذا على وجهه فإذا بها لاتجد له أى نتيجة تذكر ، كأنها ألقت بكل مشاعرها فى مهب الريح فأخذها إلى مجهول لايبقى لها أثر .. أو كأنها ضربت رأسها فى أقرب حائط .. لاردة فعل ولاصدى ، وهنا أدركت أن المشكلة تكمن فى لو أنها هى التى بدأت بالكلام وهى التى تحدثت وتقول ، وهو لايقول شيئا ، وهى التى تحاول أن تستدرجه لكى يفتح فمه ويحدثها عن أى شيئ .. فلا يقول ، فكأن الذى قالته ليس سوى فقاعات فى الهواء ذهبت هباء.. كأنها لم تقل.. ظنت أنها ثرثارة . وأن كلامها فارغ .. وأنها أخطأت التقدير مادام كل ذلك لايلقى عنده أى اهتمام ، أنها رأته مثل التمثال لايتحرك ولايرى ولايسمع ، وتخيلت نفسها وهى تسأله : هل من المفترض أن أتكلم طول الوقت وأنت لا.. هل أنا أبدو لك تافهة لهذه الدرجة لأنك ترانى إنسانة عادية جدا وأنت أكثر منى عقلا  وحكمة . إننى لاأريد أن أتكلم طول الوقت وحدى بل أريد أن تتكلم أنت أيضا واسمعك وتسمعنى .. لابد أن تقول شيئا حتى لو هذا الشيئ لايفيد !  . ولكن عصام لم يأبه ولايقول . وإذا قال بالكاد كلمة أو كلمتين ، ثم أردفت وقالت له : لقد تكلمت معك فى كل شيئ .. تكلمت عن نفسى .. تكلمت عليك وقلت لك كيف أراك .. وتكلمت عن الناس من حولنا ورأيى فيهم ، فما هو نوع الكلام الذى تحب أن اتناوله لكى أرى وجهك المنغض أمامى منشرحا .. قابلا للتجاوب .. إننى أريد أن أرى شيئا  أخر غير ابتساماتك التى أصبحت بالنسبة لى عبئا ومجالا للشك والحيرة .. إننى أريد أن أرى درجة من الاهتمام بما أقول غير الصمت الذى يحتويك  .. قل لى أى شيئ وأنا سأطبق على لسانى ولا أنطق بكلمة واحدة وأكون مثلك .. هل ترضى أن أكون مثلك صامتة لاأتكلم .. قل لى ماالذى يريحك بحق السماء ؟ أنا أريد أن أريحك .. وارتاح أنا أيضا.. ماذا تريد !  أو أى شيئ تريد .. إننى لاأود أن أعرف عنك شيئا إذا كان هذا يرضيك .. ولكنى أود فقط أن أعرف مابك .. لعلى أستطيع أن أحمل عنك بعض حزنك الذى أراه فى نظرة عينيك .. لابد للإنسان من إنسان أخر يتحدث معه ويفضى إليه بهمومه وأوجاعه .. ليس هناك أقسى للمرء من ذلك الانطواء وتلك الوحدة .. ربما لم تجد قبل ذلك من يحاول أن يفهمك لكى تتحدث معه عن نفسك ، ولكنى واثقة من أنى أستطيع فهمك وتقدير مشاعرك ، فحدثنى عما بك ولاتخشى شيئا .. هل ترى حرجا فى أننا سنتقابل كثيرا .. هل تحب ألا نتقابل إلاعلى فترات بعيدة .. هل تحب لو تقابلنا ألا نكون وحدنا .. هل تحب أن نتكلم عبر الهاتف .. قل لى أريد أن اعرف ولاتجعلنى أكلم نفسى أو أحكم على نفسى بأننى إنسانة تافهة قبلت أن تتحدث إلى شخص لايسمعها ولايريد .. وإذا سمع فإنه لايرد ويكون عدم الرد هنا دليلا على أنك ترى كلامى لايستحق .. أو ليس عندك ماتقوله لى .. أو عندك ماتقوله ولكنك لاتحب ذلك . وأنا لاأعرف ماالذى يدور بداخلك . إننى أريد أن أعرف . ورغم كل هذه التوسلات لم يأبه لكلامها ولم يحاول أن يفتح مجالا بينهما. انتفضت فجأة من إغفاءتها منـزعجة وكأنها كانت تحلم حلما كئيبا مالبث أن تحول إلى كابوس رهيب .. شل حركتها وأطبق على فكرها ، ثم أفاقت منها بحالة من الضيق وقررت أن تنسى هذا الموضوع ولاتشغل بالها به نهائيا . بيد أن كل ذلك كان يتبدد فى لحظة كلما التقت عيناها بعينيه مجددا ، فتنبثق نفس الشرارة  التى تتولدت أول مرة رأته فيها .. فكانت تطرد كل الهواجس التى أسهدتها وجعلتها تظن كل الظن أنها خبت وانطفأت من قلة الحيلة ، فإذا باحساسها به يعود من جديد ليتعمق بداخلها بضراوة ويشعل بين جوانحها جذوة النار التى تأبى ألاتنطفئ أبدا .. شعور حائر بين الإحساس والغموض .. بين إقبالها على مشاعرها المفعمة بالحب وعدم اكتراثه وثقته الزائدة بنفسه ، ولكن احساسها بنظراته الحانية التى ظنت أنه صادق فيها كانت تغلب عليها ، فأحيا شيئا بداخلها حتى وجدت نفسها تختلق الأعذار للخروج بحجة شراء بعض احتياجات المنـزل على أمل أن تراه ليكون قريبا منها لايفصلهما إلا خطوات ضئيلة فى محاولة منها كى تؤكد فى نفسها الاحساس الجديد الوافد لها من حيث لاتدرى حتى تكتشف ماأعتراها من مشاعر لازمتها لم يكن لها وجود من قبل ولم تستطع الأن تجاوزها ، وإصرارها بينها وبين نفسها أن تكون مميزة عن أقرانها التى كانت تسمع حكاويهن من خلف الأبواب المغلقة التى كانت ترويها زبائهن عن الحب وماأكثرها حكاوى ، وهى التى كانت حياتها بعيدة كل البعدعن كل ذلك بحكم صغر سنها ، ولكن هى الأن صاحبة الخمسة العشر عاما من عمرها .. السن الذى يجب أن يكون مليئا بالحيوية والطموح ومن حقها أن تعيش وتحلم وتحب ويصبح لها كيانها الخاص فيه من الحماس والشغف لمعرفة كل شيئ يدور حولها بل وتنغمس فيه لتلقى ماشاء لها من نصيب .                                                                                      

       وإلى لقاء أخر فى الجزء الرابع 

   مع تحيات : محمد عصام                           القاهرة فى : 27 من إبريل 2026         

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق