بدت الجلسة غريبة حيث همت الست نزيهة أو مدام صفا من جلستها وجلست بجوار عصام وأمه على غير عادتها مما أوجس خيفته ربما ستشكوه فى أمر مطاردته المستمرة لإبنتها بابتساماته المبالغ فيها والمتكالبة عليها كلما مرت من أمامه ، وتصور أن ميرفت شكت لأمها هذا التصرف، كما شكت لها من قبل تعرضها لمضايقات كثيرة من بعض شباب المنطقة كلما تواجدت فى الشارع ومحاولاتهم المستمرة أن يتكلموا معها عنوة للفوز برضاها قسرا بحجة أنهم متيمين بها ولاتبرح خيالهم . رغم أنها كانت تتجاهلهم وتنظر إليهم من أسفل إلى أعلى .. وترمقهم بنظرة كلها احتقار ، ثم تشيح بوجهها فى كبرياء إلا إنهم لم يكفوا عن ذلك .عندئذ انزعجت أمها وراحت تحذرهم تحذيرا شديدا من تكرار مضايقة ابنتها فى وجود بعض من رجالات المنطقة الذين أخذوا عهدا على هؤلاء الشباب بعدم التعرض لها مرة ثانية ، وهذا أمر يعلمه الشارع كله . تصور عصام أنه سوف يتعرض ماتعرض له هؤلاء ووقتها لايعلم ماالجزاء الذى سيناله من أمه . شعوره وقتها كان يملؤه التوجس والخوف ، إنه كان متوجسا خيفة من أن أمه تلحظ عليه اضطرابه الذى بدا على سحنته المكروبة الواجفة عندما جلست مدام صفا بجانبها . ولكن الست نزيهة بدت هادئة مرسلة ابتسامات مريحة تحمل رسائل الترحيب لأم عصام ، ثم أصرت على أن تصنع لها مشروبا فهذه أول مرة تقوم بزيارتها ، ومع إصرارها استجابت أم عصام وطلبت فنجانا من الشاى ، فنادت على ابنتها بأن تقوم بصنع فنجانين ، فنظرت أم عصام لميرفت وقالت لها فنجانا واحدا فقط ياابنتى لأن عصام لايحب شرب الشاى . بدا على عصام الوجوم محدثا نفسه معاتبا لأمه أنها قررت عدم احتسائه لشرب الشاى دون الرجوع له ، إنه كان يريد أن يشرب الشاى هذه المرة حتى ولو كان لايحبه بل سيكون عنده أحلى من العسل المصفى ، كان المهم عنده إنه سيحتسى أى شيئ من يد الفتاة التى أعجب بها ، فلأول مرة يراها عن قرب وفى بيتها بل وكان سيحتسى مشروبا من صنع يديها وراح يقول فى نفسه : يالها من صدفة غريبة وجميلة . أخذت نفسه تحدثه فى أمور شتى لشعوره بالخجل ثم نَكَّسَ طرفه فهو لم يعتد الذهاب عند أحد فى بيته ، حتى أقاربه لايذهب إليهم إلا فى المناسبات فقط ، وإذا ذهب لايبرح مكانه حتى ينصرف . لذلك أراد التخلص من خجله وكسوفه الذى سيطر عليه فأخذ يجول بنظره وعلى استحياء فى ابعاد المكان مسحا غير مقصود ، ولكن أدهشه جدا مارأى ، إذ وجد الغرفة فى مجموعها منسقة تنسيقا جميلا ورائعا يلفت النظر ، وأن كل مافيها يدعو للبهجة والروعة معا ، ورغم صغر المكان إلا أنه مرتب ترتيبا منظما .. قطع الأثاث فيه بسيطة مخملية .. تشتم فيه رائحة النظافة مع بقايا من شذا عطر عابق .. وأعواد من البخور الشامية الفواحة منتشرة فى أرجاء المكان ، فكان أريجها عبيرا يتضوع .. الحوائط مزدانة ببراويز تحمل صورا لأشخاص يبدو من وضعهم أنها خاصة بزوجها فيصل وولديها مازن وياسر كما أخبرت بأسمائهم لأمه .. الصور تحمل صفات المكان فى خلفية وقوفهم بين أشجار الزيتون فى أرض الوطن فلسطين ، كانت تحكى عنهم مع أم عصام باستفاضة على غير عادتها فهى لاتتحدث مع أحد ولاتريد ، وإن تحدثت لاتتكلم كثيرا ، ربما ارتاحت لوجود أم عصام أو رأت فيها مالم تره متوفرا فى زبائنها الأخريات ، ولكن الشيئ العجيب أنها كانت تصمت فجأة .. تتوقف لتلتقط أنفاسها المتهدجة لتزرف قطرات من الدموع تسقط تباعا مترقرقة من عينيها دمعة دمعة ثم تسيل على خديها مما أزدادت حمرتهما حنينا للغائبين ولبلدها المغتصبة ، ماأصعب أن ترى مشهدا بهذا الشكل حتى ينتفض قلبك لمجرد أنك تضع نفسك مكانها .. وتتصور شكل الغربة ، شيئ يصعب على أى إنسان تصوره أو تخيله . فى هذه الزيارة رأى وجه ميرفت عن قرب وهى تشارك أطراف الحديث الذى دار فى هذا اللقاء .. رآه يكسوه الإشراق والسعادة والابتسامة المتلالئة .. فتاة مرحة .. مرهفة السمع والحس .. مفوهة .. تجيد الكلام والإنصات .. فإذا تكلمت تعرف جيدا ماذا تقول .. وإذا أنصتت تركز جيدا فى كلام الأخرين حتى تستطيع الرد بلباقة وبفهم واعى .. لسانها ينطلق بسلاسة وإدراك .. صوتها ذو رنة محببة فيه عذوبة وجاذبية ورقة وطلاوة .. تحسن اختيار الأسئلة السريعة التي تربك الخجولين أمثاله ولها فى ذلك باع طويل . وهذا ترك فى نفسية عصام الكثير من الانطباعات التى اعتبرها غريبة بالنسبة لسنها ، وخاصة عندما رآها منذ البداية أنها لم تجلس معهم ، بل اكتفت بالوقوف قبالة جلستهم فضولا ، كأن وجودها وحده يكفى لمحاولة فهم أى أحد أمامها دون إقحام . اكتشف وقتها أن ميرفت مختلفة عن الأخريات فى كل شيئ . فكانت نظراته إليها تعجبا كيف لهذه الفتاة الصغيرة أن تكون على هذا المستوى من الفطنة والذكاء بجانب جمالها الغض .. ثم هز رأسه مبتسما .. ابتسامته هذه المرة لم تكن ابتسامة عادية ، بل ابتسامة بلهاء فيها إعجاب وترقب وفى نفس الوقت خيبة أمل ، حيث جال بخاطره أشياء كثيرة ، جعلته شارد الفكر حتى وصل به الحال أن الصمت عنده سيكون أفضل من الكلام لأنه لم يكن يعرف بعد رد فعلها إذا حاول أن يتكلم معها فى أى مواجهة مباشرة ولايدرى وقتها ماذا سيفعل إذا صدته .. أنها بالطبع فى هذه الحالة ستشكوه لأمها.. وأن أمها الأن تعرفت على أمه بل وارتاحت إليها.. أما إذا استلطفته وبادرته هى وتكلمت فإنه لايعرف كيف سيجاريها فى أى حديث ، ولاعنده مهارة أن يحول صمته إلى حنين ورفقة كما كان يتوهم فى أحلامه الياقظة تجاهها ، لقد بعدت المسافات .. والطريق القصير بين البيتين لم يعد قصيرا لأن خطواته مهما بلغت سرعتها فستكون أبطأ من الوصول إليها بسهولة . لقد أربكته ثقتها فى نفسها أكثر مما هو عليه من ارتباك ، وخاصة بعد أن رآها عن قرب وبهذه الهيئة التى أبهرته والتى لم يكن ليتوقع أن تكون عليها ، وقارن بين امكاناته المتواضعة وامكاناتها التى انبهر بها فأيقن تماما أن امكاناته لن تسعفه من إجراء أى حديث معها ولايستطيع أن يجاريها فيه أو على الأقل يستكمله . تملكته الحيرة وصعبت عليه فكرة الإرتباط بها ، فكان من المستحيل أن يتصور وهوعلى هذه الحالة أنها من الممكن أن تنظر إليه أو تحبه ، إنه لم يكن بوسعه أن يتخيل أنها لو سارت بجانبه والقلوب تقاربت .. تهامست ، وإذا تكلمت وتعاتبت .. اطمأنت وارتاحت ، وإذا أحبت.. أعطت بلا حساب ، بل العكس من ذلك تماما إنه كان يرى أنها ستنفر منه وتوبخه وستوجه له لوما شديدا وعتابا قاسيا ، بل ومن الممكن أن يكون كلامها جارحا ، وأن الإقدام على محاولة الكلام معها ماهو إلامجرد اقتحام لخصوصيتها وأنه يفرض نفسه عليها فرضا ، واعتبر أن هذا التصرف فيه أنانية منه لأنه لم يعرف بعد مدى تقبلها لهذا الأمر من عدمه ، وخاصة أنه لم يكن متأكدا إنها ستكون مرتاحة له من الأساس أم لا ، حينئذ سيلوم نفسه ولن يحترمها. فأدرك أن هذا اللقاء البريء الذى جاء طبيعيا وبالصدفة فى بيتها ماهو إلاخطوة في طريق مسدود لإنه جاء أسرع مما كان يتخيل أو يظن بل و أيقن أنه حتما سيفشل إذا حاول . وهذا وضعه فى حالة من الإحباط الشديد فها هى أمامه والظروف كانت مواتية وسانحة لأن يتكلم ويسترسل دون عناء ويتحاور معها بلا مشقة أو مجهود فى وجود الأُمَّين ، ولكنه لم ولن يفعل لأن أفكاره صارت مختلفة وصعبت عليه فكرة الوصول إلى قلبها . أما هى بدت وكأنها صدمت فيما كانت تمنى بها نفسها أن تجده كما كانت تهوى .. مميزاعن أقرانه الذين يطاردونها بحثا عن أية فرصة ليتكلموا معها . إذ وجدته في دور لاعلاقة له بالمثالية كما توقعت .. المثالية التى كونها عقلها عنه وأخذ من تفكيرها الكثير . وجدته جالسا بجوار أمه لايحركه ساكن ، وكأنه لايعرف شيئا عن مايدور حوله ، وجدته كأنه إنسان بلا مشاعر ، ولكن الصدفة هى التى جعلت منه مثارا لفكرها ، وهيأت لها موعدا رسمها قلبها وكفى ، وأن الصدفة قد لا تخطئ الشعور ، ولكن هذه المرة أخطأت التقدير ، أنه لم يستطع فعل أى محاولة في الظاهر ولاالبحث فى إيجاد فرصة لحديث أو تحايل على لقاء مثل الذى كان يختلقه غيره من شباب المنطقة لمحاولة الكلام معها عنوة بلاسبب منطقى وبلا انتظار لوعود .. الابتسامة هى فقط عطاؤه الوحيد .. ابتسامة صامتة بلا كلام . ولكن فكرها حاول أن يجد له مبررا فهداها أنه إنسان مهذب وتربيته راقية ، جعلته لايريد فرض مشاعره على أحد ، وأن تردده إنما جاء مخافة وحرصا على مشاعرها .. وأن الصمت حينما يتكلم يبدو أكثر شاعرية والسكوت دلالته .. لغة لا تنطق وغالبا تأتى هادئة بلا افتعال ، فقط لايحتاج الأمر أكثر من إيماءة ، أو نظرة خاطفة فيها تركيز وتأمل وفكر عميق .. إن الذين يفهمون الصمت يدركون ذلك .. يدركون أن الحب الذى يأتى على مهل هو الحب الحقيقى .. معالم من الرومانسية الخالصة.. وهى تراه يفعل ذلك . ولكن شغفها التى طالما تمنت أن تجد وراءه شيئا بدأ يتلاشى بعد أن رأته فى هذه الوضعية وهو جالس بجانب أمه منطويا لايقدر على متابعة مايدور حوله ولم يحاول التدخل فى مسار الحديث على الأقل لإثبات وجوده إلا إذا وجه إليه الكلام وبالكاد ينطق ، وأيقنت أنه بهذا الشكل لايستطيع أن يجاريها فى أى شيئ ، بل أن خطواته التى تتسم بالبطء الشديد ستجعل محاولاته للكلام معها محدودة للغاية .. وأن اختلاق أى فرصة للقائها والتعارف عليها شبه معدومة .. فكم من فرص كثيرة واتته والتى منحتها إياه كى يتجرأ ويحاول أن يكلمها لكنه بقى على حاله . بدأت طموحاتها الخاصة التى كانت مليئة بوهج الحياة والعواطف الراقية تتلاشى ، وتبخرت معها أحلامها تماما عندما بدأ ينطق وهى تراقبه من كثب .. فإذا بكلماته متلعثمة فيها تردد وعدم ثقة عندما حاولت أمها أن تجعله طرفا مشاركا فى الحديث .. إذ سألته مداعبة عن اسمه ودراسته وفى أى مرحلة تعليمية ، تعثر فى الرد وكانت إجاباته كلها مقتضبة ، ولما أحست بحرجه وتوتره الذى انطبع على وجه احمرارا أثنت عليه وعلى أدبه وأخلاقه ، ثم انصرفت لمواصلة حديثها مع أمه . لم تستطع ميرفت أن تلتمس له أعذارا مقبولة ، ولم تستطع أن تسمى هذا خجلا أو رهبة البدايات إزاء تصرفاته وتعثره فى الكلام التى لامبرر لها .. بل وفى حركاته وسكناته وسكوته المحير ، ولفتاته الشاردة المتكررة مسحا للمكان الذى جمعهم . كانت ترقبه بنظرات حادة فى محاولة مستميتة لفهم أبعاد شخصيته المبهمة كعادتها فى قراءة زوارهن ، فلم تصل لشيئ ولكنها أيقنت أن شخصيته تعد من الشخصيات الغريبة إذ لم تر مثلها قط قبل ذلك ، فأصبحت بالنسبة لها شخصية محيرة . إنها كانت تطمع أن تجد فيه ضالتها أو أحلامها الوردية التى رسما لها ذهنها صورا جميلة عن الشخصية التى مال له قلبها ، وكانت تتمنى أن يكون هذا الشخص التى تراه الأن عاجزا أن يثبت فيها وجوده أمامها ، وهى التى كانت ترقبه من بعيد وكانت ترى فيه الشخصية المتزنة.. الرزينة الواعية التى رأت أنها من الممكن أن تتوافق مع طاقتها الشبابية من أفكار ومشاعر بدأت تعتمل بداخلها تجاهه والتى لم يسبق وسمحت لأحد أن يجسر ويطرق بابها من قبل ولم تسع هى أن تكلم أحدا مهما كانت رومانسياته أو وسامته أو لباقته ، بل أن كل شباب المنطقة هم من كانوا يسعون لطلب الرضا منها إذ كانت تمثل لهم حلما ، فهى تعلم قدر نفسها ثقة وجمالا وذكاء . وإنما جاء مناط أعجابها به على مضض حيث مالت لأدبه ووسامته الهادئة وجاذبيته التي لاقت استحسانها ، وكان هو يستقبل كل ذلك بابتسامة رقيقة ، لايملك سواها .. ابتسامة بلا محاولات ولا تحمل أى معنى . لذلك خيبة الأمل جعلتها تتمنى على الأقل أن تجد فيه الصديق المخلص الذى يستطيع أن يجعل حياتها مليئة بالحيوية والطموح دون الخوض فى مسألة المشاعر التى يفتقدها ، ففاقد الشيئ لايعطيه إذ أن شخصيته ربما تنتمى للنـزعة الواقعية التى لاتميل لمسألة المشاعر والأحاسيس ، لذلك صدمتها فيه جعلت مشاعرها تتحول تحولا جذريا فى احساسها به لأنها أصبحت الأن مغطاة بغبار سوء الظن وملقاة في زاوية منسية في قبو من الحيرة والشكوك . انتهت الزيارة وغادر مع أمه غير مأسوف عليه بعد أن تولدت بينهما أحاسيس ومشاعر متباينة ، خرج كل منهما منها بخيبة أمل ، ليبق الموضوع على غموضه وليسير كيفما يشاء . إن مادفعها لاستطلاعه هو ذلك الشيئ الذى أيقظ فى قلبها الأخضر هذا الإحساس الوافد الجديد التى لم تكن لتعرفه من قبل .. إنه الحب .. مفتاح السعادة ومناط الفرح كى تخطو به أولى خطواته وتتعرف على مشاعره الإيجابية الهادئة من خلاله ، فراحت تستشفه فيه وتتطلع إلي فكره عنه والتحدث معه كى تعرفه أكثر . أما هو راح فى دوامة .. الخوف يكتنفه ، والاحباط يحتويه ، وعدم الإقدام صفة لازمته ، فلا جديد عنده سوى أنه سيحاول الهروب من نفسه .. أنه أراد أن يقول شيئا ولكنه لم يجد ، ولما كان لابد له من النطق .. فقد نطق ، ولكنه تمتم وهمهم ، ثم فر إلى الداخل .. داخل نفسه التى مازالت تتحمله وحدها إذ أنه لم يستطع الهروب منها.

وإلى لقاء أخر فى الجزءالثالث
مع تحيات : محمد عصام القاهرة فى : 20 من إبريل 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق