music

الاثنين، 13 أبريل 2026

لك حبى وابتساماتى (الجزء الأول)



 


مقدمة

فى الدنيا مسارات كثيرة تتشابك فيها حياة البشر بشكل يبدو لنا أنها فوضوية ولكن فى علم الله منظمة غاية فى التنظيم ومبررة فى شكل علاقات إنسانية منطقية لاتخرج عن الواقع الذى نعيشه بحلوه ومره . ومن قلب الحياة ستجد حكايات وروايات وقصصا كثيرة يبدو بعضها طبيعيا والبعض الأخر مثيرا قد لايقبلها العقل بسهولة ولكنها تدعونا للتأمل ، وفى قصص الحب الكثير منها مايدعو للعجب .. إنها الحياة التى لاحيلة لنا فيها .                                           

كان فيه زمان قلبين .. الحب تالتهم  .. فردوا الهوا جناحين .. والدنيا ساعتهم .. ضحكت لهم يومين .. وفى ليلة خانتهم ..  اتفرقوا الاثنين .. فى عز فرحتهم ..ليه وعشان إيه .. كل ده    يجرى  ليه .. ليه         

هذه الغنوة غناها عبد الحليم حافظ فى فيلم دليلة ، من كلمات الشاعر الكبير حسين السيد ولحن الموسيقار القدير محمد الموجى ، وهذا الكوبلية الأول تحديدا فيها ملخص للحكاية التى كتبتها، طب إيه هى الحكاية؟! .. تعالوا نشوف مع بعض إيه هى الحكاية .....                                                                                                                   

الجزء الأول

كان لعصام سحرلا يقاوم منذ نعومة أظفاره ، ولكنه في نفس الوقت هذا السحر دمره وجعل حياته لاتسير وفق إرادته ، ربما لطبيعتها المضطربة التى شب عليها .. فحياته كانت منغلقة جعلته عازفا تماماعن التعامل مع الناس وخاصة فى تعاملاته مع الفتيات ، فهناك ثمة شيئ جعلته يعرض عن التعامل معهن وخاصة ممن تصادف منهن فى حياته ، حتى أضحي لايعرف منهن من تتحلى بالثقة الزائدة أومنهن من تتوق الى شغف أو منهن من تسعى لاستعاده احساسها بذاتها ، خط رفيع جدا يفصل بينهن فى هذه الخصال لم يميزها ولايستطيع رغم أنه كان يتمتع بثقة ونضج يتجاوزان سنوات عمره بفضل طوله الفارع الممشوق الذي بلغ  وقتها ستة أقدام تقريبا مما جعل ماحوله يشعرون أنه أكبر من سنه، حيث كان دائما ملفتا للأنظار أينما ذهب، لكن الأمر لم يكن يتعلق بمظهره فقط ، فقد كان يمتلك شخصية مغناطيسية فيها من الجاذبية والفتنة بريقا جعلت كل من يصادفه فى حياته يشعر بأن حضوره مميزا رغم انطوائيته الشديدة . نشأ على يد أمه التي كانت تمتلك شخصية فطنة قوية .. متزنة تعرف قدر نفسها وتعلم جيدا بما تملكه من ملكات لاتتمتعن به الكثيرات من أقرانها اللاتى فى مثل سنها ، كانت من أعظم هذه الملكات مهارة قراءة الناس وفهم اغوارهم بمنتهى البساطة والسلاسة قبل أن يدركوها هم بأنفسهم .. إنها فطنة مابعدها فطنة ، كانت هذه المهاره تخدمها جيدا في تعاملها مع الناس وفى كل حياتها اليومية ، كما كانت تخدم كل من حولها .. ليس فقط أسرتها بل والديها وإخواتها وأقاربها وجيرانها . كانت كثيرة السخاء حتى أصبحت بالنسبة له الشخصية المحورية فى حياته والتى ساعدت فى تشكيل وجدانه حتى أصبحت بالنسبة له كل دنياه منذ أن كان طفلا صغيرا فى الحضانة وحتى بعد تخرجه من المدرسة الثانوية ثم تخرجه من الجامعة ، إذ لم يكن متحمسا للبدء بمفرده فى أى مرحلة من هذه المراحل ، فهى التى كانت تضع له الخطوط العريضة فى تحديد أسلوب ومنطق حياته حتى فى أدق أدق التفاصيل .. اختيار ملابسه الذى كانت تملك فيه ذوقا رفيعا .. أكله وشربه ووقت نومه وصحوه ، أما خططه المستقبلية رغم أنه كان يراها  خططا غامضة ولكنه كان راضيا مستسلما في حينها ، بل كان راضيا تمام الرضا بالاستمتاع بمن يخطط لحياته ويخاف عليه ويحبه حبا حقيقيا صادقا ويتمنى أن يراه فى أبهى وأحسن صورة .. إنها أمه ، المرأة الوحيدة التى لا ترى عينه غيرها فهى بالنسبة له أفضل سيدة فى الوجود ، فلايعرف فى هذه الدنيا سواها ، ولكن لم يكن يعلم بأن هناك متسعا من الحرية التى قد يكتشفها يوما ما إذ تجاوز ذلك الأمر وترك لنفسه العنان لمتابعة مايدور حوله نهما ولو لفرصة واحدة حتى يتعرف على عالم المرأة والدخول فى مسار حياتها ، من المؤكد أنه سيكتشف الكثير والكثير وسيزال عنه هالات الغموض التى تكتنفه تجاه هذا العالم المتنوع فى صفات شخوصهن المتباينة أشد التباين . ولكن كيف سيخلص يوما من خجله؟! ، إن هذا الأمر يعد من المستحيلات ، لذلك لم تجد الفتيات اعذارا مقبولة لهذا الخجل الشديد غير المبرر حتى جاء إعجابهن به على مضض وذلك لوجود جاذبية خاصة فى تركيبة شخصيته التى كان يتحلى بها .. والجاذبية هنا ليست متعلقة بالشكل بقدر ماكانت متعلقة بالطبع وحسن التربية التى كان لايمتلك غيرهما ، فكان هذا عنوانا لمعظم تعاملاته مع من حوله ، قليل الكلام يستقبل تفاعلاتهن معه بابتسامة رقيقة لايملك سواها..ابتسامة بلامحادثات ، رغم أن الصمت أحيانا يحمل قوة أوجاذبية أكثر لاتقل عن الكلام ، لكن فى عالم المراهقة رغم بساطته الظاهرة ومشاعره الصادقة لايستطيع الوصول لهذا المفهوم العميق الذى يبنى على فهم الحياة أكثر من خلال معايشة تجاربها ، فللصمت والخجل لغة خفية لايفهمها إلا من يحسن الإصغاء ويقرأ قراءة جيدة للطرف الأخر ، ولكن فى مثل هذه السن لايمكن استيعاب ذلك بسهولة لحداثته ولعدم اكتمال الرؤية ، إلا أنه قد تنشأ أحيانا نوع من العلاقات حين يخرج الآخرون عن الأدوار المتوقعة منهم تتهيأ معها مشاعرهم فى علاقة أصدق من يقال عنها إنها عفوية لاتستطيع أن تجد لها مسمى ولامسارا ، ولكن الظروف أحيانا هى التى تتيح لها ذلك . وللأسف ليس عصام من هؤلاء ، إذ كانت البدايات كلها تبدأ من عندهن ، لذلك جاء لقاؤه مع بنت الجيران أشبه بالمعجزة أو من قبيل الصدفة ، لم يلفت نظره يوما أنهن اللاتى يبدأن بمحاولات التحدث معه على غير العادة المتعارف عليها فى عالم الحب وخاصة عند المراهقين ، إنه لم يكترث لذلك ، فكل المحاولات التاليات جاءت كسابقاتها .. هن من يبدأن بالمحاولة ، فكانت أول محاولة فى حياته ميرفت فتاة فلسطينية فى مقتبل العمر .. عمر الزهور .. جميلة أشد الجمال .. أنيقة أكثر أناقة .. جمالها يسحر العيون .. شقراء البشرة ، زرقاء العينين واسعتهما ، ذات أهداب طويلة تعكس ظلا جميلا على خديها الموردتين دائما ، قوامها فاتنا ، وشعرها أشقر ذهبى .. قصير وناعم . لفتت نظره بشدة بعد أن رآها أكثر من مرة وهى تمر من أمامه فى الشارع مصادفة ، فأعجب بها أشد مايكون الأعجاب . وراح يسأل عنها القاصى والدانى حتى وعى عنها كل شيئ .. علِم أنها جاءت مع أمها الست نزيهة فى أعقاب حرب 1967 ليستوطنوا فى مصر بعد احتلال اسرائيل لبعض الأراضى العربية فى مصر وسوريا وأرض غزة فى فلسطين التى كانت تحت القيادة المصرية آنذاك قبل حرب 1967 . الست نزيهة أو مدام صفا كما كانت تحب أن ينادوها به . استأجرت شقة فى العمارة الوحيدة التى كانت جديدة فى ذلك الوقت من بين الأبنية القديمة فى شارع الشيخ القويسنى بحى الظاهر .. كانت تبعد عن العمارة التى كان يقطنها عصام بعمارتين ، عملت فى حرفة الحياكة ، تميزت بمهارتها الهائلة فى حياكة ملابس النساء وخاصة الفساتين ، فكانت تعمل ساعات طوال منكفئة على ماكينة الحياكة التى عملت عليها منذ أن وطأت قدماها أرض القاهرة كى تعينها على سبل الحياة الجديدة التى فرضت عليها فرضا بسبب هذا الإحتلال الغاشم على أرض غزة ، لم تكن لتظن أن هذا كله سيحدث وأنها ستترك الديار التى طالما عشقتها عشقا لاحدود له ، وتترك بسبب ذلك العشيرة والأهل والوطن حيث كانت من أسرة عريقة ميسورة الحال . نزحت هى وابنتها فقط وتركت بقية الأسرة الزوج والولدين ، والأن وهى فى الغربة أصبحت مضطرة للعمل لتنفق على نفسها وعلى ابنتها الوحيدة ..  تبدو سيدة هادئة هدوءا عجيبا أميل إلى الصمت معظم الوقت .. ساهمة واجمة لاتحب أن تسترسل فى الكلام مع أحد ، تعامل زبائنها بالقطارة ، ورغم ذلك استطاعت فى وقت وجيز أن تستحوذ على معرفة جميع السيدات فى الشارع وتتعامل معهن لمهارتها فى الحياكة ، وكانت هى تفخر بهذا . تقضى يومها منكبة على ماكينتها ساعات طوال .. تمكث دون أن تحرك بنت شفة أو ترفع رأسها من على المنضدة التى أحكمت جلستها فى مكان واحد لاتبرحه معظم الوقت ، وبجوارها أباجورة صغيرة ترسل ضوءها كله على ماكينة الحياكة إلا من منسرب لضوء شارد هادئ ينعكس على وجهها الأبيض الذى مازال يحمل مسحة من جمال فطرى المعروف عن جمال الشاميات ، لم يؤثر فيه بعض التجعيدات ولاالشعر المائل إلى اللون الرمادى الأقرب منه للسواد ، مما تجعلك كما لو تود أن تعود بها إلى الماضى لتتخيل كيف كان يحمل هذا الوجه فى سن الشباب من عنفوان الجمال والفتنة ، هذا الجمال الفطرى للسيدة نزيهة انتقل بمجمله إلى ابنتها ميرفت بجمالها الرائع الساحر . استقوت مع الوقت بعملها الذى كانت تحبه وتجيده والذى هون عليها غربتها ، وهذا كان دافعا مهما أن تعلم ابنتها مبكرا الاعتماد على نفسها ، فكانت ميرفت تساعد أمها ، وأحيانا كانت تتولى التعامل بنفسها مع زبائهن بدلا منها رغم حداثة سنها ، فتعلمت ميرفت مهارة قراءة الناس ومعرفة احتياجاتهن وفهم أذواقهن ورغباتهن بما يتناسب مع أجسادهن من موضات حديثة وهى فى هذه السن المبكرة ، فضلا عما كانت تخترعه أمها من لمسات ساحرة فى خلق موضة غير التى كانت تحتويه الكتالوجات الحديثة أنذاك ، فكانت مصدر جذب للزبائن اللاتى تزايد عددهن يوما بعد يوم ، فاستطاعت ميرفت رغم صغر سنها أن تطور نفسها بنفسها بسرعة من كثرة تعاملاتها معهن ، كانت هذه المهارة تخدمها جيدا في تقربها من الناس ، فلم يعد لديها الاحساس بالغربة ، فسرعان ماأصبحت المفضلة لدى الزبائن المنتظمين وغيرالمنتظمين . جاءت بداية تعارف أم عصام  بها عن طريق السيدة سناء الموظفة فى هيئة الاستعلامات التى كانت الجارة الأقرب لها ، حيث كانت تسكن فى الشقة المقابلة وكانت من بين زبائنها وعرفت منها بالصدفة أثناء تجاذبهما لحديث البلكونات اليومى الذى اعتادا عليه بعد عصر كل يوم عقب الانتهاء كل منهما من أعمال المنـزل ، إذ تناول الحديث ذات مرة عن مهارة مدام صفا فى الحياكة وعرضت عليها التعامل معها وخاصة أنها تجيد إرضاء أذواق النساء من جميع الأعمار . فكان أول لقاء حينما ذهب عصام مع أمه ليرى ميرفت بعين رأسه عن قرب لأول مرة .. لايفصله عنها سوى خطوات بسيطة ، حيث كان يراها فقط وهى تمر من أمامه فى الشارع ، وكثيرا ماكان ينظر إليها بابتسامة أراد أن يلفت بها نظرها بوجوده ، وكم من مرة تواجد فى الشارع ليمنى نفسه ويراها مصادفة وهى لم تكن كذلك بل كانت عن قصد . وعاش فى هذه الأيام حالة من الزهو فى سماع كل أغانى عبد الحليم حافظ إذ أنها كانت توقظ فيه إحساسه المرهف ، حتى انغمس فى معانيها إلى درجة العشق .. وعاشت بداخله معبرة عنه ، وراح فى أحلام اليقظة يتخيل أنه هو الذى يتغنى بها ولها .. أى بلسان حاله ، ويريد أن تصل إليها معانيها وتبلغها إياها بإحساسه ،" كانت العيون تقابله وتلمح بالكلام .. يهرب من قبل حتى مايرد لهم سلام ". وأيضا "وألاقيك مشغول وشاغلني بيك وعينيا تيجي في عينيك وكلامهم يبقى عليك وأنت تداري "وغيرهما كثير . استغرقته أغانى حليم حتى عاش فى حالة من الإرتياح ولكن مع نفسه ، واكتفى فقط برؤيتها فكان يخترع من الحجج والأسباب للنـزول إلى الشارع كى يلفت نظرها إليه وتظفر عيناه برؤيتها ولكن لاسلام ولاكلام ولايهمه أن يعرف عما إذا كانت تبادله نفس إحساسه أم لا .. كل الذى يهمه رؤيتها فقط ، لذلك كانت مفاجأة كبيرة بالنسبة له أن يراها وفى حضرة من ؟! فى حضرة أمه التى ربته على الشكيمة والشِدة بألا يتكلم مع البنات البتة .

          وإلى لقاء أخر مع الجزء الثانى

   مع تحيات : محمد عصام                                                                 القاهرة فى : 13 إبريل 2026                   





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق